ولاية الغدير أم وصاية الفقيه؟ قراءة في التزييف المقدّس - شايع الحميري

يني يمن             عدد المشاهدات : 176 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
ولاية الغدير أم وصاية الفقيه؟ قراءة في التزييف المقدّس - شايع الحميري

ما من مصطلح أُنهك في معناه، وقُطّع من دلالته، واستُنزف حتى صار مسخًا، كمصطلح "الولاية" حين تواضع عليه القوم، فجعلوه تاجًا فوق رؤوس الأئمة، وسوطًا على ظهور الأمة. حديث الغدير، الذي أتى في سياق مكاشفة وجدانية بين نبيٍ ورسولٍ وبين رجلٍ من آله المقرّبين، تحوّل في ليل التأويل إلى وثيقة ملك، وإلى صك توريث، وكأنما جُعل الإسلام دولة قريشية تتقلب في عقبٍ بعد عقب، لا وحيًا يُوحى، ولا رسالةً ختمت النبوة وأقامت الحجة. إنهم لا يحتفلون بالغدير إكرامًا لعلي بن أبي طالب، ولا حزنًا على عزلته التاريخية، بل ليثبتوا عبره سرديةً ملغّمة، ممهورة بخاتم "النص"، ومغلفة بطبقات من التبجيل المصنوع، وكأنما هذا اليوم نُسج ليكون مفصل الخلافة ونواة التشيع، لا حدثًا عابرًا من لحظات الصفاء بين قلبين عظيمين في عشيّة سفر.

ليس حديث الغدير – كما يوهمون – ترسيخًا لسلطان، بل تبرئة لعرض، وتزكية لذمة، عقب شكوى جاءت من جنود، فأراد النبي أن يطهر عليًا من الريبة، لا أن يُلبسه بُرد الملك، ولا أن يرفعه على منابر الأمر والنهي. وما كان محمدٌ يومًا ليُراوغ أمته بعبارات مُبهمة، تدّعي العصبة من بعده، وهو القائل في آخر أيامه: "إن الله لم يجعل هذا الأمر في آل أبي فلان"، وهو الذي توفي ولم يُعهد عن لسانه في خلافة أحدٍ نصٌ بيّن، ولا تعيينٌ مباشر، ولا وثيقة مختومة. فكيف يُقال إنه نصّب، وأي نصبٍ هذا الذي لم يُعرف إلا بعد موته، وتفرّقت عليه الأمة تشتاتًا؟ بل كيف يكون الغدير أمرًا إلهيًا واجب الطاعة، وقد تنازع فيه الأكابر، وانقسم عليه الصحابة، وما أجمع عليه المهاجرون ولا الأنصار، ولا بايع عليه جمهور الأمة يوم السقيفة؟

إن الحقيقة الجارحة أن مشروع الولاية عند الشيعة لم يُبنَ حبًا لعلي، بل طُرّز لاستلاب شرعية الحكم، وإعادة توزيع الخلافة على أساس النسب والدم، لا على قدر الكفاءة أو الاجتهاد. ثم جاءت العصور، وأُغلق باب التأويل، وأصبح "الولي" عنوانًا مقدسًا يُحاط بالغموض، يُدخل الناس في دين الله من أضيق أبوابه، ثم لا يُفتح إلا على مشيئة الفقيه أو المراجع. إنهم لا يريدون من الغدير يومًا من المحبة، بل بوابة شرعية لاستباحة الحكم باسم "الوصاية"، ثم نقلها من ظهر إلى بطن، ومن نسل إلى نسل، حتى وصل الحكم إلى عمامة فوق جسد غائب، يُحكم الناس باسمه، وتُنهب الأرض من أجله، وتُرفع الشعارات في الميادين وكأنها تنزيل من التنزيل.

والمأساة لا تقف عند حدود الكذب على النص، بل تمتد إلى اختلاق طقوس كاملة، وخلق تراث موازٍ، لا تثبته القرائن، ولا يسنده العقل، ولا يعرفه صدر الأمة. إنك لتجد في طقوسهم نواحًا سياسيًا بوجه ديني، وندبًا على تاريخ لم يقع إلا في خيال المؤرخين المنتقين، وتدوينًا لأحاديث مروية في حوانيت الأهواء، لا في صحاح السند، ولا في جادة المتن. فكلما انهارت حجة، رصّوا أخرى، وكلما ضُبط الكذب، أنشؤوا من حوله ألف صرح من الألقاب والادعاءات، حتى صار المذهب سردية مغلقة، لا تُناقش، ولا تُراجع، بل تُلقّن وتُعبد.

وما يزيد الفجوة شناعة أن هذه الدعوى قد بُنيت على حادثٍ واحد، على جملة عاطفية قيلت في سياق غير سياسي، فجعلوها مِعراجهم إلى "العصمة"، ومنها إلى احتكار الحق، ومن ثم إلى اعتبار كل ما خالفهم ناصبيًا أو مارقًا. إنهم لا يناقشون بمنطق الاجتهاد، بل بمنطق الوصاية المطلقة: نحن أصحاب النص، ومن دوننا كافر، ضال، غاصب، منافق، خائن. وتلك قسمة ما أنزل الله بها من سلطان. بل إن الوحي الذي نزل على محمد لم يتحدث عن خلافة بعده، ولم يجعل للناس بيعةً مفروضة، ولا أوجب لهم طاعة لأحد باسمه، بل جعل الأمر شورى، وفتح باب الاجتهاد، لا أن يُغلق باسم القداسة والعِرق.

فإذا افترضنا، جدلًا، أن النبي أشار إلى علي بالخلافة، أفكان من العقل والدين أن يسكت القرآن عن ذلك؟! أليس من غرائب المنطق أن تفصل الآيات في أحكام المواريث والدية والملاعنة، ثم تغفل عن أمر مصيري كمن يخلف النبي في قيادة الأمة؟! إن العقل ليأنف من هذا التناقض، والدين لا يُبنى على التلميحات. ومن المضحك المبكي أن تتحول الولاية من دعوة إلى محبة الصالحين، إلى بنية فوقية تحكم الناس بالغيب، وتنتظر إمامًا مختبئًا منذ قرون، ثم تفرّع عنها نخبة تزعم أنها نوابه، تمارس الحكم باسمه، وتكتم الناس وتنهب الأموال وتبني "دولة الفقيه"، لا على دستور بل على حلم طويل ممتد في العتمة.

في الختام، ليست المشكلة في حديث الغدير، بل في من حرفوه عن سياقه، ونقلوه من ساحة الحب إلى دهاليز السياسة، وجعلوه مدماكًا لإمبراطورية من الأكاذيب التي تلبس الدين لتنهش به الدولة، وتناجي الله بألسنة تتكلم باسم المعصومين، وهم أبعد ما يكونون عن الصدق والعصمة.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

استعدادات عسكرية لهجوم واسع ضد الحوثيين وهذه المحافظة ستكون بوابة المعركة البرية !

يمن فويس | 2066 قراءة 

اختراق أمني في صعدة.. رصد مكان عبدالملك الحوثي وخبراء أجانب قرب نفق جبلي

تهامة برس | 1764 قراءة 

السعودية تجهز لـ "معركة الحسم".. والحوثيون يفقدون أهم أوراقهم

المشهد اليمني | 1715 قراءة 

عاجل:نزوح هذه القيادات من صنعاء

كريتر سكاي | 1399 قراءة 

عاجل.. بيان سعودي 

موقع الأول | 1272 قراءة 

تطور استخباراتي لافت.. رصد تحركات عبدالملك الحوثي وقيادات حوثية بارزة في صعدة

نافذة اليمن | 1174 قراءة 

ناقلة روسية تُنفّذ عملية "غامضة" قبالة ميناء حوثي.. صور الأقمار الاصطناعية تكشف ما حدث في عرض البحر

المشهد اليمني | 1099 قراءة 

تسريبات إعلامية تكشف التجهيز لـ(معركة الحسم) بإشراف مباشر من السعودية.. تفاصيل

موقع الأول | 765 قراءة 

القبائل تتحرك ميدانيا نحو جبهات القتال والشرعية تدعم فدغم بإرسال تعزيزات عسكرية

نافذة اليمن | 738 قراءة 

رسالة مفاجئة!.. عادل الحسني يوجه دعوة لكل اليمنيين 

موقع الأول | 659 قراءة