بقلم: الباحث أحمد علي عبدالله البيتي
في وقتٍ تتسابق فيه القوى العظمى على استعراض أساطيلها العسكرية وصواريخها الباليستية، يبرز سؤال جوهري يحكم معادلات السياسة الدولية: هل لا تزال الجيوش والترسانات النووية هي المُنظّم الحقيقي لإيقاع العالم، أم أن مركز الثقل قد انتقل كلياً إلى بيوت المال وبورصات القرار؟
الواقع المعاصر يؤكد أن مفهوم القوة شهد تحولاً جذرياً؛ إذ لم تعد القوة الصلبة هي من يصنع القرار، بل أصبحت في كثير من الأحيان مجرد أداة تنفيذية في يد من يمسك بشرايين الاقتصاد العالمي.
سلطة المال والإعلام.. المعادلة البديلة للحكم
تتجلى هذه المعادلة بشكل صارخ في النفوذ الذي يمارسه الداعمون للكيان الإسرائيلي على الساحة الدولية؛ حيث لم تكن القوة العسكرية هي المدخل لفرض وجودهم، بل السيطرة المبكرة على مفاصل الاقتصاد الدولي، والتغلغل في المؤسسات المصرفية والمالية الكبرى.
ولم تقف حدود هذا النفوذ عند رأس المال، بل امتدت لتستحوذ على “شرايين الإعلام” وصناعة الرأي العام العالمي. وبفعل هذه القوة المالية والإعلامية المزدوجة، تمكنت تلك الأطراف من:
تطويع القوى العظمى: إخضاع أعتى القوى النووية والعسكرية لتقديم الدعم المطلق وتوفير الحماية السياسية والأمنية.
اختراق أروقة القرار: توظيف المال للوصول إلى عمق الأجهزة المخابراتية والدبلوماسية لمعرفة ما يدور خلف الأبواب المغلقة للرؤساء والحكام.
مرتكزات التحليل السياسي
تراجع ردع الترسانات العسكرية: أصبحت الدول صاحبة أضخم الجيوش تتحرك وفق حسابات رسمتها كيانات مالية ومؤسسات اقتصادية قد تكون أصغر حجماً لكنها الأكثر تأثيراً على القرار السيادي.
الاقتصاد كُمحرّك للسياسات: لم يعد الاقتصاد مجرد قطاع خدمي، بل أضحى الأداة الأولى لتوجيه التحالفات، وفرض العقوبات، وتشكيل الخرائط السياسية.
توجيه الرأي العام: تحول الإعلام الممول من القوى الاقتصادية إلى خط دفاع أول يشرعن النفوذ الاقتصادي ويوجه قناعات الشعوب.
رؤية ختامية
في زمن شبكات المال العابرة للحدود والتكتلات الاقتصادية العابرة للقارات، يتضح جلياً أن الحاكم الفعلي للعالم ليس من يتصدر المنصات بخدمه وحشمه، ولا من يملك أكبر أسطول من الطائرات الحربية، بل من يملك مفاتيح البنوك وشرايين المال والإعلام. الاقتصاد —يا سادة— هو من يملك الكلمة الأولى والأخيرة في إدارة هذا العالم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news