رأى تحليل أوروبي، بأن ظهور جبهة جديدة للحوثيين في اليمن، وتوسع الهجمات الإيرانية يهددان بإغراق الممرات المائية الآمنة لدول الخليج وتوسيع نطاق المخاطر التي تواجه الملاحة البحرية.
وبعد توقف دام تسعة أشهر، استأنف الحوثيون المدعون من إيران هجماتهم على السفن في البحر الأحمر في 22 يوليو الماضي، مستهدفين بشكل مباشر السعودية، وبعد أسبوع تعرضت منشأة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال في ميناء دمياط المصري على البحر المتوسط لهجوم من طائرات مسيرة.
ووفق مقال تحليلي في موقع «The conversation» هذين الهجومين البحريين يشيران إلى أن الجهود المبذولة لتجاوز مضيق هرمز الذي أغلقته طهران، ليست حلاً سحرياً للسلام الإقليمي أو الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية.
في الواقع، وسّعت هذه الحوادث نطاق المخاطر التي تواجه الملاحة البحرية لتشمل نقطتي اختناق بحريتين أخريين: مضيق باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي، وقناة السويس وخطوط الأنابيب الرابطة بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
وفي الوقت نفسه، عرّضت هذه الحوادث استراتيجية المملكة العربية السعودية الرامية إلى تحويل صادرات النفط بعيدًا عن مضيق هرمز عبر موانئها الغربية للخطر.
لم يعد الوضع هادئاً على جبهة الحوثيين:
لطالما شكل الحوثيون، وهم جماعة متمردة سيطرت على مساحات واسعة من شمال اليمن خلال الحرب الأهلية التي استمرت قرابة عقد من الزمان في البلاد، مصدر إزعاج للخطط الاستراتيجية لدول الخليج والولايات المتحدة.
ومع ذلك، خلال المرحلة الأولى من الحرب الإيرانية من 28 فبراير 2026 وحتى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو، ظلت جبهة الحوثيين في اليمن هادئة نسبياً.
بدأ التصعيد المتجدد بشكل جدي في أوائل يوليو/تموز عندما سافر وفد من الحوثيين على متن الخطوط الجوية الإيرانية "ماهان إير" من صنعاء إلى طهران لحضور جنازة المرشد الأعلى الإيراني السابق، آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من الحرب الإيرانية
وكانت هذه أول رحلة جوية مباشرة من اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين إلى إيران منذ عام 2015، وعندما حاول الوفد العودة في 12 يوليو/تموز، قامت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والمعترف بها دوليًا بقصف مدرج مطار صنعاء، مما أجبر الرحلة على تغيير مسارها والهبوط في مدينة الحديدة الساحلية.
تخضع شركة' ماهان للطيران 'لتصنيف وزارة الخزانة الأمريكية بسبب صلاتها بفيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، وتشير التقارير إلى أن رحلة العودة كانت تحمل أفراداً من الحرس الثوري الإيراني بالإضافة إلى مكونات للصواريخ والطائرات بدون طيار.
وفي هذا السياق، شكّل إعلان الحوثيين عن فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية التصعيد الأكثر خطورة للتوترات السعودية الحوثية منذ وقف إطلاق النار الهش الذي أنهى إلى حد كبير الحرب الأهلية في اليمن عام 2022.
كما أعادت هذه الأحداث إلى الأذهان ذكريات سنوات من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي شنّتها مناطق الحوثيين على البنية التحتية الحضرية والطاقة السعودية خلال الحرب الأهلية اليمنية.
وقد دفعت تلك الهجمات القيادة السعودية إلى النأي بنفسها عن الغارات الجوية الأمريكية والبريطانية في اليمن عام 2025، وضمنت عدم استهداف السفن السعودية خلال الحملة الحوثية الطويلة ضد الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر بين عامي 2023 و2025.
خسارة خطة سعودية بديلة متينة:
كانت تهدئة التوترات بين السعودية والحوثيين أمراً بالغ الأهمية في تمكين الرياض من تحويل صادراتها النفطية بسرعة من موانئها على الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي بعد إغلاق مضيق هرمز في مارس 2026.
في غضون أيام من الإغلاق، كان خط الأنابيب بين الشرق والغرب من منشأة معالجة النفط السعودية في بقيق إلى ينبع على البحر الأحمر يعمل بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.
وقد سمح هذا الحل البديل للسعوديين بتصدير حوالي 3.43 مليون برميل من النفط يومياً في شهر مايو - أي أقل من نصف مستوى ما قبل الحرب، ولكنه رقم أعلى بكثير من منتجي النفط المجاورين مثل الكويت، التي تفتقر إلى أي بديل للمرور عبر مضيق هرمز.
لا شك أن الحلول البديلة التي وُضعت خلال الربيع ليست مثالية، فهي لا تزال عرضة لهجمات إيران ووكلائها. وقد استُهدفت كل من ينبع، على الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية، وخط أنابيب الإمارات العربية المتحدة الالتفافي من أبو ظبي إلى الفجيرة، بالصواريخ والطائرات المسيّرة في المرحلة الأولى من الحرب مع إيران.
وهذه الحلول البديلة هي التي باتت الآن مهددة، فمنذ 20 يوليو/تموز، هاجم الحوثيون ما لا يقل عن أربع ناقلات نفط في البحر الأحمر، ورداً على ذلك، شنت السعودية غارات جوية على أهداف تابعة للحوثيين في اليمن للمرة الأولى منذ هدنة 2022.
كما تعرضت البنية التحتية النفطية السعودية الحيوية لهجمات من الحوثيين ومن الجماعات الموالية لإيران في العراق، والذين ربما ألحقوا أضراراً بمنشأة المعالجة الحيوية في بقيق التي تعمل كمركز عصبي للنفط السعودي.
المستنقعات ونقاط الاختناق :
وبعد أن نفذت السعودية أيضاً غارات جوية مشتركة مع الولايات المتحدة في العراق في 28 يوليو، فإن المملكة الآن تخاطر بالانجرار إلى صراع سعت لسنوات إلى تجنبه.
إذا أدى استهداف الحوثيين للسفن في البحر الأحمر إلى فرض قيود مماثلة على الملاحة في مضيق باب المندب كما هو الحال في مضيق هرمز، فإن ذلك سيجعل نقطة اختناق إقليمية ثانية غير قابلة للتشغيل فعلياً.
وهذا من شأنه أن يستلزم إيجاد حل بديل للحل البديل، حيث تتجه ناقلات النفط شمالاً عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط - مما يضيف حوالي أربعة أسابيع إلى أوقات الرحلات والتكاليف المرتبطة بها إلى الوجهات في آسيا.
حتى هذه الخطة البديلة قد لا تكون آمنة - وهنا تتضح أهمية هجمات الطائرات بدون طيار على السفن في دمياط بمصر.
وعلى الرغم من أن أكبر ناقلات النفط في العالم لا تستطيع عبور قناة السويس، إلا أنها تستطيع استخدام خط أنابيب سوميد لنقل النفط من ميناء "عين السخنة" المصري على البحر الأحمر إلى ميناء سيدي كرير على البحر الأبيض المتوسط لتجميعه لاحقاً.
أظهرت المرحلة الأولى من الحرب في إيران مدى سرعة تأثير تقييمات المخاطر على شركات الشحن والتأمين في مضيق هرمز، وقد تُهدد الهجمات الأخيرة بإحداث التأثير نفسه على طرق البحر الأحمر. كما أن اتساع رقعة الصراع قد يُلحق ضرراً بالغاً بسلاسل إمداد الطاقة والسلع الأساسية، التي تعاني أصلاً من نقص حاد في الإنتاج النفطي منذ الربيع.
ربما يسعى الحوثيون، بتخليهم عن ضبط النفس الذي أبدوه خلال الربيع، إلى الضغط على السعودية للحصول على تنازلات سياسية واقتصادية. لكن السعوديين أيضاً أظهروا حزماً أكبر في شنّ غاراتهم الجوية، مما قد يزيد من حدة التوتر الإقليمي.
والنتيجة هي طبقة أخرى من التعقيد فيما أصبح سلسلة من الصراعات المتداخلة التي استعصت على الحل وتهدد بإلحاق ضرر أكبر بالاقتصاد العالمي في الأسابيع والأشهر المقبلة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news