بشرى العامري:
لم يعد الذباب الإلكتروني مجرد ظاهرة عابرة في فضاءات التواصل الاجتماعي، ولا مجرد حسابات مجهولة تنشر التعليقات المسيئة أو تكرر الرسائل الدعائية، بل أصبح منظومة متكاملة تعمل على تشويه الوعي، وإرباك الرأي العام، وصناعة واقع افتراضي يحاول أن ينافس الحقيقة.
في الماضي، كان الذباب يثير الضيق ولا يلبث أن يختفي، أما اليوم، فقد تطور هذا “الذباب الإلكتروني” حتى بات أشبه بالبعوض الناقل للأوبئة، لا يكتفي بإزعاج الناس، بل ينقل إليهم أمراض الكذب، والفتنة، والكراهية، والتحريض، واغتيال السمعة. وما إن تنتشر هذه الأمراض في المجتمع حتى يصبح علاجها أكثر صعوبة من الوقاية منها.
تقوم جيوش الذباب الإلكتروني على مبدأ بسيط وخطير في آن واحد، وهو كرر الكذبة ألف مرة حتى يظنها الناس حقيقة.
ولهذا تُدار حملات منظمة لتشويه الأشخاص والمؤسسات، وبث الإشاعات، وصناعة الانقسامات، وإغراق الفضاء الرقمي بضجيج يحجب صوت العقل والمنطق.
والمفارقة أن هذا الذباب لا ينتج فكرة، ولا يقدم حلاً، ولا يبني مؤسسة، ولا يسهم في نهضة وطن. كل ما يجيده هو الطنين المستمر، واستنزاف الوقت، وإشغال الناس بمعارك جانبية، بينما تضيع القضايا الحقيقية وسط سيل من الأخبار المضللة والمحتوى الموجَّه.
وليس الخطر في وجود هذه الحسابات فحسب، بل في قدرتها على التأثير عندما يغيب الوعي، وتضعف مهارات التحقق، ويصبح تداول المعلومة أسرع من التأكد من صحتها. فالكلمة الكاذبة قد تصل إلى ملايين الأشخاص في دقائق، بينما قد تستغرق الحقيقة أياما حتى تجد طريقها إلى الجمهور.
ولذلك فإن مواجهة الذباب الإلكتروني ليست مسؤولية الحكومات وحدها، ولا مسؤولية شركات التواصل الاجتماعي فحسب، بل هي مسؤولية مجتمعية تبدأ من الفرد نفسه، بالتثبت من الأخبار، ورفض إعادة نشر الشائعات، وعدم الانجرار وراء خطاب الكراهية، والإبلاغ عن الحسابات التي تمارس التضليل المنظم أو التحريض.
كما أن تطبيق القوانين على من يدير حملات التشهير والابتزاز الإلكتروني، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، ودعم الإعلام المهني، كلها أدوات ضرورية لتجفيف البيئة التي يتكاثر فيها هذا الذباب.
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُهزم بالسلاح وحده، بل قد تُستنزف أيضا بالحرب على العقول.
وحين يصبح التضليل صناعة، والكذب وسيلة، والاغتيال المعنوي تجارة، فإن الصمت لم يعد خيارًا.
إن بلادنا بأمس الحاجة اليوم إلى حملة شاملة لتنظيف الفضاء الرقمي من هذا الوباء، ليس بهدف مصادرة الرأي أو إسكات المخالف، وإنما لحماية الحقيقة، وصون كرامة الناس، وإعادة الاعتبار للكلمة المسؤولة. فالمجتمعات التي تنتصر للوعي هي وحدها القادرة على هزيمة الذباب، مهما علا طنينه، لأن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت أبدا
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news