عندما ترك شاعر فرنسا الديوان وأمسك بأكياس البن اليمني
من "صخرة قاسية بلا ماء" إلى هرر.. فصول منفى آرثر رامبو في عدن 1880
قصة بيت رامبو " مستودع البن " الذي تحول لرمز ثقافي في عدن
مستودع الحريم " زوجات الجنود الهنود " العمل الشاق الذي هرب منه شاعر فرنسا في عدن
رامبو التاجر لا الشاعر : كنت اتقاضى 7 فرنكات يومياً مقابل حياة بين الحرارة والعزلة
عدن بوابة العالم .. شهادة رامبو على زمن القهوة والتجارة والثقافات
رامبو في عدن
الأمناء / خاص
لم تكن حياة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو (1854–1891م) مساراً تقليدياً لشاعر، فقد أدار ظهره للأدب في سن مبكرة، وغادر عالم القصائد بحثاً عن المغامرة والمال، لتقوده رحلته إلى مدينة عدن التي كانت آنذاك واحدة من أهم موانئ التجارة العالمية.
وصل رامبو إلى عدن في أغسطس 1880م برفقة التاجر الفرنسي بيير باردي، أحد شركاء شركة باردي وشركاه المتخصصة في تجارة وتصدير البن. وأقام في مبنى الشركة الواقع في طريق إسبلانادي بمدينة كريتر، بالقرب من ملعب الحبيشي ومنارة عدن التاريخية، مطلاً على الخليج وقلعة صيرة.
عمل رامبو موظفاً ومشرفاً على مستودع فرز البن، وكان يتقاضى نحو 7 فرنكات يومياً تشمل السكن. وكانت مهمته الإشراف على عمليات تنظيف وفرز وتعبئة حبوب القهوة قبل شحنها إلى أوروبا، خصوصاً إلى مدينة مرسيليا الفرنسية.
في تلك الفترة كانت تجارة البن اليمني تعيش عصرها الذهبي، فقد عُرف البن القادم من اليمن بجودته العالية في الأسواق الأوروبية، واستفاد التجار الفرنسيون من موقع عدن الاستراتيجي، خاصة بعد افتتاح قناة السويس عام 1869م التي سهّلت حركة التجارة بين الشرق والغرب.
كان البن يصل إلى عدن بعد إزالة القشرة الخارجية، ثم يخضع لعمليات التنظيف والفرز والتعبئة داخل مستودع عرف باسم "الحريم"، لأن غالبية العاملين في الفرز والتعبئة كانوا من النساء، وكثير منهن من زوجات الجنود الهنود. وكانت ظروف العمل شاقة بسبب الحرارة والغبار، حيث كانت ساعات العمل تمتد من الصباح حتى المساء وسط أجواء قاسية.
رغم أن رامبو أبدى في البداية تفاؤله بالعمل الجديد، إلا أنه سرعان ما شعر بالضيق من طبيعة الحياة في عدن، وكتب إلى أسرته واصفاً المدينة بأنها "صخرة قاسية بلا عشب ولا ماء"، معبراً عن معاناته من الحرارة وغلاء المعيشة والعزلة.
لكن فرصة جديدة فتحت أمامه عندما قررت شركة باردي وشركاه إنشاء فرع لها في هرر بالحبشة (إثيوبيا)، فغادر عدن في نهاية عام 1880م في رحلة استغرقت أسابيع عبر البحر والصحراء.
في هرر، توسعت تجربة رامبو التجارية، فلم يقتصر عمله على البن، بل انخرط في تجارة الجلود والعاج وغيرها، وأثبت كفاءة جعلت الشركة تثق به وتمنحه مسؤوليات أكبر. ومع ذلك بقيت عدن محطة أساسية في حياته التجارية، إذ كانت البضائع تُرسل عبر مينائها إلى الأسواق العالمية.
عاد رامبو لاحقاً إلى عدن مرات عدة، وواصل العمل في التجارة، ثم دخل مجالات أخرى بحثاً عن الثروة، قبل أن تتدهور صحته ويصاب بورم في ساقه، أدى إلى بترها في مرسيليا، ثم توفي في 10 نوفمبر 1891م عن عمر لم يتجاوز 37 عاماً.
ومن الحقائق المهمة أن ما يعرف اليوم بـ "بيت رامبو" في عدن لم يكن ملكاً للشاعر، كما يعتقد البعض، بل كان مبنى استأجرته شركة باردي وشركاه من أحد التجار المحليين، وأقام فيه رامبو خلال فترة عمله، قبل أن يتحول لاحقاً إلى رمز ثقافي مرتبط بذكراه.
وفي إحدى رسائله من عدن عام 1885م، عبّر رامبو عن شعوره بالعزلة قائلاً إنهم يعيشون حياة صعبة، بلا صحف ولا مكتبات، وأن الأوروبيين هناك مجرد موظفين يقضون أوقاتهم بعيداً عن الحياة الثقافية.
وظلت عدن بعد عقود من رحيل رامبو مركزاً تجارياً مهماً؛ ففي منتصف القرن العشرين أصبح البن من أبرز سلع إعادة التصدير في ميناء عدن، محققاً عوائد اقتصادية كبيرة، وكانت أسواق مثل الولايات المتحدة وإيطاليا واليابان من أهم المشترين.
قصة رامبو في عدن ليست مجرد حكاية شاعر فرنسي مرّ بالمدينة، بل شهادة على زمن كانت فيه عدن بوابة العالم، تجمع بين القهوة والتجارة والثقافات، وتحتفظ بين جدرانها بذكريات رجال عبروا من هنا وتركوا أثراً في سجل التاريخ.
المصدر : كتاب حياة
ترجمة وتلخيص :طارق حاتم
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news