بشرى العامري :
ليس هناك من صوتٍ استقر في ذاكرة اليمنيين الجمعية كما استقر صوت الفنان الكبير أيوب طارش العبسي، ولا من فنانٍ حظي بإجماع المحبة والقبول في مختلف أرجاء البلاد كما حظي به هذا الفنان الذي تحول صوته إلى جزء من الوعي الوطني والوجدان الشعبي على امتداد أكثر من نصف قرن.
فحين يردد اليمنيون كل صباح نشيدهم الوطني الخالد: «رددي أيتها الدنيا نشيدي»، فإنهم يستحضرون صوت أيوب طارش الذي ارتبط بمعاني الوطن والكرامة والانتماء.
ذلك النشيد الذي صاغ كلماته الشاعر الكبير عبد الله عبد الوهاب نعمان (الفضول)، ولحّنه وغناه أيوب طارش، ليصبح أحد أبرز الرموز الجامعة في تاريخ اليمن الحديث.
غير أن أيوب لم يوحّد اليمنيين عبر النشيد الوطني فحسب، بل جمع قلوبهم أيضاً بأغنيات الحب والحنين والدفء الإنساني، فكان صوته حاضراً في أفراحهم وأحزانهم وأسفارهم وذكرياتهم.
أيوب ..صوتٌ تجاوز حدود الجغرافيا ليحلق في فضاءات الوطن العربي، حاملاً خصوصية الفن اليمني وأصالته.
وعلى مدى عقود طويلة، شقّ أيوب طارش طريقاً فنياً متفرداً، حتى بات يُعرف بما يسميه النقاد والمهتمون «اللون التعزي»، نسبة إلى محافظة تعز التي ولد فيها وتشكّلت في بيئتها ملامح تجربته الفنية. وقد استند هذا اللون الموسيقي إلى التراث الغنائي الغني في تعز، معبّراً في الوقت ذاته عن الوجدان اليمني المشترك.
وُلد أيوب طارش العبسي في عزلة الأعبوس في محافظة تعز، قبل أن يستقر في مدينة تعز. وفي عام 1953 انتقل إلى مدينة عدن حيث واصل تعليمه حتى نال الشهادة الثانوية، لتبدأ بعدها رحلته الفنية التي ستجعل منه أحد أبرز رموز الغناء اليمني.
وفي عام 1956 بثّت إذاعة تعز أولى أغنياته «بالله يا مسافر» من كلمات شقيقه محمد طارش، لتلفت الأنظار سريعاً إلى موهبة استثنائية في الغناء والتلحين.
وسرعان ما انتشرت أعماله بين اليمنيين، ولا سيما في أوساط المغتربين الذين وجدوا في أغنياته تعبيراً صادقاً عن الشوق والحنين ومعاناة الاغتراب.
وفي سبيل تطوير تجربته الفنية، سافر إلى القاهرة عام 1974، حيث أمضى عامين في الدراسة الحرة بمعهد الموسيقى العربية، ما أضاف إلى موهبته الفطرية معرفة أكاديمية انعكست بوضوح على أعماله اللاحقة.
وشكّل أيوب طارش مع الشاعر الراحل عبد الله عبد الوهاب نعمان (الفضول) واحداً من أنجح الثنائيات الفنية في تاريخ اليمن المعاصر. فقد التقت الكلمة الشعرية الرفيعة باللحن الأصيل، ليقدما أعمالاً خالدة ما زالت حاضرة في الذاكرة الشعبية حتى اليوم، من بينها: «يا حب يا ضوء القلوب»، و«هل عادك حبيب»، و«يا من رحلت إلى بعيد»، و«طير مالك والبكا»، و«لك أيامي»، و«طاب البلس»، و«مكانني ظمآن»، و«دق القاع».
لكن العمل الأبرز في مسيرتهما ظل بلا شك نشيد «رددي أيتها الدنيا نشيدي»، الذي اختير نشيداً وطنياً للجمهورية اليمنية، ليصبح أيوب طارش صوت الوطن الذي يجتمع عليه اليمنيون كافة مهما تباعدت بهم الجغرافيا أو فرّقتهم الظروف.
وفي مجال الأغنية الوطنية، قدّم أيوب طارش عشرات الأعمال التي تغنّت باليمن وثورته ووحدته وجماله، متعاوناً مع عدد من الشعراء، إلا أن اسم الفضول بقي الأكثر حضوراً وتأثيراً في مسيرته الفنية. واليوم، لا يُنظر إلى أيوب طارش باعتباره مجرد مطرب أو ملحن، بل بوصفه مدرسة فنية متكاملة ورمزاً وطنياً وثقافياً استثنائياً. فقد نجح بصوته وألحانه في أن يحفظ لليمن جزءاً مهماً من هويته الموسيقية، وأن يترك إرثاً فنياً سيبقى حياً في ذاكرة الأجيال، تماماً كما بقي صوته حاضراً في وجدان اليمنيين، يرافقهم في لحظات الفرح والحنين والوطن.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news