آ
الميثاق نيوز- تقرير خاص - عدن/صنعاء/ واشنطن – في مشهدٍ يعيد صياغة مفهوم الإرهاب العابر للحدود، دخلت ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران مرحلة جديدة من المقامرة بمستقبل اليمن وأمن الطاقة العالمي.
فبينما يصارع الملايين من اليمنيين وطأة أسوأ أزمة إنسانية في العالم، اختارت الميليشيا أن تتحول إلى "رأس حربة" في مشروع إيراني يهدف إلى تحويل البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى ساحة للابتزاز السياسي والقرصنة المنظمة.
يوليو 2026: حصارٌ إيراني بلسان حوثي
في التاسع عشر من يوليو 2026، أعلنت الميليشيا الحوثية فرض "حصار بحري" شامل على المملكة العربية السعودية، في خطوة وصفتها الأوساط الدولية بأنها "انتحار استراتيجي" يفتح جبهة جديدة في الصراع الإقليمي.
هذا التصعيد لم يكن وليد الصدفة، بل جاء عقب سلسلة من الهجمات التي استهدفت ناقلات النفط، مما دفع أسعار الخام لتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ أشهر، وسط مخاوف حقيقية من شلل يصيب 12% من التجارة العالمية التي تمر عبر هذا المضيق الحيوي.
ويرى مراقبون أن هذا الحصار هو "خنجر طهران" المسموم الذي غُرس في خاصرة التجارة الدولية؛ فالميليشيا لا تستهدف السفن فحسب، بل تسعى لتعطيل "خطة الطوارئ" السعودية التي تعتمد على نقل النفط عبر الأنابيب إلى البحر الأحمر لتجنب مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران.
وبإغلاق باب المندب، تُحكم طهران قبضتها على عنق الزجاجة العالمي عبر وكلائها في اليمن .
خيوط المؤمرة: قادة الحرس الثوري في صنعاء
خلف الخطابات الحماسية للميليشيا، تكشف التقارير الميدانية عن إدارة إيرانية مباشرة للعمليات.
ففي يناير 2026، رُصد وصول طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية إلى ميناء الحديدة، كانت تحمل على متنها ما بين 10 إلى 21 من كبار قادة ومستشاري الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، برفقة معدات عسكرية متطورة تشمل طائرات مسيرة ومنظومات صواريخ، بل وحتى كميات من الذهب لتمويل العمليات التخريبية.
هذا الدعم التقني والمالي هو المحرك الفعلي لهجمات الميليشيا التي استهدفت أكثر من 33 سفينة تجارية منذ أواخر عام 2023.
إن زيف ادعاءات الميليشيا بامتلاك قرارها المستقل يتجلى في هذا الترابط العضوي مع أجندة الحرس الثوري، حيث تحول اليمن من دولة ذات سيادة إلى مجرد "منصة إطلاق" لتهديد الملاحة الدولية وخدمة المشروع التوسعي الإيراني.
الإرهاب الاقتصادي: العالم يدفع الثمن
لم يتوقف الأثر التدميري للميليشيا عند حدود اليمن، بل امتد ليطال جيوب المستهلكين حول العالم.
فقد تسببت هذه القرصنة في قفزة هائلة في تكاليف التأمين البحري؛ حيث ارتفعت رسوم "مخاطر الحرب" إلى مستويات غير مسبوقة، مما أدى إلى زيادة تكلفة شحن النفط والسلع الأساسية بنسبة تجاوزت الضعف في بعض المسارات.
ومع اضطرار كبرى شركات الشحن لتغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر كلفة، يواجه العالم شبح أزمة معيشية متجددة.
إن ما تمارسه الميليشيا ليس "دفاعاً عن قضايا عادلة" كما تزعم، بل هو "إرهاب اقتصادي" ممنهج يعطل إمدادات الطاقة والغذاء العالمية.
حصارٌ من الداخل ومعاناةٌ بلا نهاية
بينما تتباكى الميليشيا على الحصار الخارجي، تؤكد الحقائق أنها هي من يحاصر الشعب اليمني من الداخل. فمنذ انقلابها المشؤوم في عام 2014 واختطافها لمؤسسات الدولة في صنعاء، لم تجلب الميليشيا لليمنيين سوى الدمار.
اليوم، يعيش 21.6 مليون يمني في حاجة ماسة للمساعدات، بينما يقف 5 ملايين على حافة المجاعة، وهي أرقام مرعبة تسببت فيها سياسات الميليشيا التي سخرت موارد البلاد لخدمة آلتها الحربية .
حتى تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، لا تزال ترزح تحت حصار حوثي خانق منذ عام 2015، مما يكشف الوجه القبيح للميليشيا التي تدعي الإنسانية في المحافل الدولية وتمارس القمع والقتل بحق اليمنيين في الداخل.
إن استغلال الموقع الاستراتيجي لليمن كورقة ابتزاز سياسي لم يخدم سوى طهران، بينما دفع الشعب اليمني الثمن من قوته وأمنه.
عجز الردع الدولي وتحذيرات "اللحظة الأخيرة"
أمام هذا الصلف الحوثي، أعرب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ عن قلقه البالغ من أن هذه الأعمال التصعيدية ستدفع اليمن نحو مواجهة أوسع نطاقاً، مهددةً المكتسبات الهشة لهدنة عام 2022.
ورغم الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا، إلا أن الميليشيا لا تزال تستخدم اليمن كرهينة لتنفيذ تعليمات طهران.
إن الفشل في لجم هذه الميليشيا حتى الآن يعود في جزء منه إلى قدرتها على التمترس خلف المعاناة الإنسانية التي تسببت هي فيها أصلاً.
ولكن مع وصول التهديد إلى عصب الاقتصاد العالمي وتجاوز أسعار النفط لمستويات قياسية، يرى الخبراء أن المجتمع الدولي مطالب بموقف "أكثر حزماً" يتجاوز الإدانات الورقية.
لا بديل عن استعادة الدولة
يبقى اليمن، طالما ظل مختطفاً من قبل هذه الأقلية المسلحة، قنبلة موقوتة تهدد السلم والأمن الإقليمي والدولي.
إن "الاحترافية" التي يتحدث عنها البعض في تكتيكات الميليشيا ليست سوى انعكاس للتدريب الإيراني والتمويل المنهوب من أقوات الشعب اليمني.
إن الحقيقة الساطعة التي كشفتها أحداث يوليو 2026 هي أن ميليشيا الحوثي ليست شريكاً في السلام، بل هي عائقٌ دائمٌ أمامه.
ولن يستقيم أمن البحر الأحمر ولا استقرار اليمن إلا بإنهاء هذا الارتهان الكامل للأجندة الإيرانية، واستعادة الدولة اليمنية من براثن جماعة جعلت من "فوضى البحار" استراتيجية بقاء.
وكما حذر المبعوث الأممي، فإن استمرار هذا المسار لن يؤدي إلا لمزيد من المعاناة لشعبٍ لم يعد يحتمل المزيد من مغامرات الميليشيا الطائشة
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news