الميثاق نيوز، تقرير خاص- تحت شمس حارقة تكاد تشوي الأجساد، وتحولت فيها المدن المعتدلة تاريخياً إلى أفران طبيعية، يخوض اليمنيون صراعاً يومياً مريراً للحصول على مكعبات الثلج.
لم يعد "الذهب البارد" مجرد سلعة هامشية لتبريد المشروبات؛ بل غدا شريان حياة في ظل انقطاع شبه تام للكهرباء، لكنه يحمل في طياته تهديداً صامتاً؛ إذ تحولت المصانع العشوائية وتداوله المكشوف إلى قنابل موقوتة تنشر الأوبئة في أجساد أنهكتها الحرب والمناخ.
تسجل المدن اليمنية، بما فيها الساحلية مثل عدن حيث تصل الحرارة إلى 40 مئوية مع رطوبة خانقة، مستويات قياسية؛ بينما لم تسلمآ محافظة تعز المتوعة في تضاريسها من هذا القيظ غير المسبوق.
وفي ظل غياب التيار الكهربائي الذي لا يزور المنازل إلا لساعتين أو ثلاث يومياً، تحولت الثلاجات المنزلية إلى مجرد خزائن للأواني والملابس.
وتكمن المأساة في عجز منظومات الطاقة الشمسية المتواضعة عن تشغيل المبردات؛ ما دفع الأسر إلى اعتبار شراء الثلج يومياً أولوية تفوق أحياناً الحصول على كسرة الخبز.
أمام هذا الطلب الجنوني، انتعشت تجارة الثلج؛ فانتشرت المصانع الصغيرة ومعامل الإنتاج العشوائية في كل حارة وشارع، وخصصت البقالات برادات خاصة لتلبية حاجة الزبائن.
لكن الكارثة تكمن في غياب الرقابة الصحية؛ حيث تعتمد العديد من هذه المعامل على مياه آبار غير مفلترة أو مياه صهاريج غير معقمة لخفض التكاليف وزيادة الأرباح.
ولا يتوقف التلوث عند مرحلة التجميد؛ بل يمتد إلى سلسلة نقل وتوزيع بدائية.
تُنقل القوالب على سيارات مكشوفة معرضة للأتربة وعوادم السيارات، وتُغطى بقطع خيش بالية؛ ثم تُفرغ على أرصفة متربة لتُقطع لاحقاً بمناشير وسكاكين صدئة تحت أشعة الشمس وبأيدٍ عارية.
يظن كثيرون أن التجميد يقضي على الجراثيم؛ وهي مغالطة علمية يحذر منها الأطباء بشدة.
فالتجميد يحفظ البكتيريا والفيروسات والطفيليات في حالة سبات؛ وما إن يذوب الثلج في كأس الماء، حتى تنشط هذه الميكروبات وتنتقل مباشرة إلى أجساد المستهلكين.
ونتيجة لهذا التداول العشوائي، تستقبل المستشفيات والمراكز الطبية، خاصة في عدن والحديدة، أعداداً متزايدة من المصابين بالإسهالات المائية الحادة، التسمم الغذائي، الكوليرا، وحمى التيفوئيد.
لا تقتصر الأزمة على صيف عابر؛ بل تعكس انهياراً بنيوياً وتغيراً مناخياً متسارعاً.
وتحذر تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ من أن اليمن قد يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة يصل إلى 3 درجات مئوية بحلول عام 2050، و4 درجات بحلول 2100.
وينذر هذا السيناريو الكارثي بشح حاد في المياه، زيادة الجفاف، التصحر، وتهديد الأمن الغذائي؛ ما يفاقم النزوح الداخلي ويزيد من حدة الكوارث المناخية.
ويشدد الخبراء على ضرورة التحرك العاجل لصانعي القرار والمجتمع المدني؛ من خلال تعزيز خطط التكيف المناخي، الاستثمار في الطاقات المتجددة والبنى التحتية المستدامة، ودمج قضايا البيئة في خطط إعادة الإعمار؛ لإنقاذ ما تبقى من مقومات الحياة قبل فوات الأوان.
آ
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news