تحدث وزير الثقافة والسياحة “المهندس مطيع دماج”، عن واقع السياحة في أرخبيل سقطرى خلال العقد الأخير، محذرًا من ممارسات وصفها بـ“المدمرة” للبيئة الفريدة في الجزيرة، ومؤكدًا أن مستقبل السياحة فيها مرهون بحماية إرثها الطبيعي وضمان استدامته.
وأشار الوزير دماج، في حديثه خلال “بودكاست برّان”، إلى أن الوزارة تعمل على رؤية متكاملة لتنشيط السياحة في الأرخبيل، تشمل تأمين الخطوط الملاحية، وإعداد برامج سياحية متخصصة، وتفعيل الشرطة والإرشاد السياحي، بالتوازي مع إعداد قانون خاص بسقطرى وقانون للسياحة البيئية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
سر سقطرى
وصف الوزير الأرخبيل بأنه “جوهرة فريدة حماها الله بالعزلة”، موضحًا أن هذه العزلة الطبيعية هي التي صنعت فرادته البيئية. وقال: “نمت أشجارها بطريقة فريدة ونمت حيواناتها وطبيعتها وبيئتها وبحرها بطريقة فريدة”.
وأضاف أن “هذا التنوع هو سر سقطرى، لا المنشأة ولا الفندق ولا الترفيه الذي يُقدم”، مؤكدًا أن “هذه الفرادة والعزلة هي التي سمحت لهذه الجزيرة أن تنشأ كلحظة فريدة ومميزة في التاريخ والوجود الإنساني”.
ممارسات مدمرة
ورغم الحديث الدائم عن جماليات سقطرى في السنوات الأخيرة، قال إن “مجمل الممارسات التي ارتبطت بالحركة السياحية في آخر 10 سنوات في سقطرى هي مدمرة للبيئة الفريدة داخل سقطرى”.
وأضاف أن “عدد السياح الذين وصلوا إلى سقطرى خلال العام الماضي بلغ 5500 سائح فقط”، واصفًا الرقم بأنه “هزيل جداً”، ومع ذلك، قال إن “العالم منبهر بسقطرى”.
وعن الممارسات التدميرية؛ أوضح الوزير أنها تشمل “صيدًا للسلاحف النادرة، وصيدًا للدلافين، وتدميرًا للنباتات، وتجريفًا للشعاب المرجانية، وإدخال حيوانات لم تكن موجودة في الجزيرة”.
ووفق الوزير، فإن هذا الأمر دفع اليونسكو لإعداد تقرير بشأن التهديدات التي تطال هذه الجزيرة، والتي قد أن تعرض فرادتها البيئية لحالة دمار، مؤكدًا أن هذا “جعل اليونسكو الآن يطرحها على قائمة الحماية المعززة”.
وحذر من أن عدم الاستجابة لحماية الأرخبيل “قد يخرجها من مواقع التراث الإنساني والطبيعي”، مؤكدًا أن “الذي حدث في سقطرى كان شكلاً من أشكال التدمير وراءه الربح”.
ركائز السياحة
شدد وزير السياحة على أن “الربح أو السياحة في سقطرى ينبغي أن تقوم على عدة ركائز؛ أولها حماية الفرادة البيئية لسقطرى، وثانيها احترام التفصيل الذي يجعل هناك مناطق لا تستطيع أن تتصرف فيها؛ فهناك مناطق خاضعة لحماية معززة وأخرى يمكن عمل فيها أشكال استثمار سياحي”.
وأكد أن أي برنامج سياحي يجب أن يبدأ بـ“حماية البيئة الفريدة، وإخراج الحيوانات الدخيلة على الجزيرة، ومنع تقطيع الأشجار وتهريبها من داخل سقطرى، ووقف الممارسات المدمرة للبيئة، ومنها صيد السلاحف والدلافين والشعاب المرجانية وصولًا إلى قطع الأشجار”.
وشدد على أهمية أن يكون كل هذا “جزءاً من برنامجك السياحي إذا ما أردت أن تكون السياحة عامل جذب واستثمار اقتصادي”.
وقال إن النشاط السياحي الحالي “لا يحقق عائداً اجتماعياً حقيقياً للسكان، ولا يستثمر ما تمتلكه سقطرى من موروث ثقافي فريد وثري بالرقصات والأشعار والأزياء والمطبخ المحلي”.
برنامج متكامل
وعن تطوير النشاط السياحي في سقطرى، أكد الوزير أن هذا يتطلب “برنامجًا متكاملًا يبدأ من تأمين الخطوط الملاحية، ويرتبط بتصميم البرامج السياحية، وتوفير الإرشاد السياحي، وتفعيل الشرطة السياحية لحماية البيئة ومنع أي ممارسات تضر بفرادة الجزيرة”.
وأضاف أن نجاح ذلك يرتبط أيضًا بتحقيق فائدة مباشرة لسكان الأرخبيل، موضحًا أن غياب العائد الاقتصادي يدفع بعضهم إلى الانخراط في ممارسات تضر بالبيئة بدافع تحسين معيشتهم.
وكشف عن مشروع مشترك تعمل عليه الوزارة مع وزارة المياه والبيئة لمعالجة أوضاع سقطرى، ضمن رؤية أشمل لحماية الجزيرة وتنظيم النشاط السياحي فيها.
قانون خاص
وفي إطار حديثه عن خطط وزارته الطموحة، قال الوزير دماج: “طلبنا من اليونسكو مساعدتنا بخبراء لإعداد قانون خاص بسقطرى، إلى جانب قانون خاص ينظم السياحة البيئية”.
وأضاف: “في تقديري أن كل شيء في اليمن تعرض للنهب والهدر، بما فيها الأشياء التي كنا نعتقد أن العالم يحتفل فيها؛ يحتفل فيها ويدمرها”.
وحذر من تداعيات غياب السياسات والمؤسسات والبرامج الإرشادية قائلًا: “إن لم تحم بيئتك، وتقدمها بالشكل المضبوط، إن لم تنتج سياسات واضحة، وأدوات ومؤسسات وبرامج سياحية وبرامج إرشادية، كل الذي يحدث أن سقطرى هذه- جنة الله الفريدة في الأرض- قد تتعرض للتدمير والخراب”، مؤكدًا أن حماية البيئة تمثل الأساس لأي مشروع سياحي مستدام.
واقع الجزيرة
في حديثه عن الوضع الحالي في الأرخبيل، قال الوزير إنه “لم يتغير شيء في وضع سقطرى"، باستثناء توقف الرحلات الجوية المباشرة التي كانت تصل من إحدى الدول العربية، وهو ما أدى إلى تراجع الحركة الجوية، لتصبح الرحلات تمر عبر مطاري عدن والمكلا. وإجمالًا، أكد أن “الأوضاع ما تزال قائمة بنفس الطريقة”.
وأضاف أن هذا الواقع، إلى جانب التعقيد الاجتماعي القائم، يحد من قدرة الوزارة على التدخل، مشيرًا في الوقت نفسه إلى وجود رؤية ومشاريع يجري العمل عليها بالشراكة مع اليونسكو ووزارة المياه والبيئة.
وأوضح أن الوزارة طلبت خبراء للمساعدة في إعداد التشريعات اللازمة، كما أجرت مباحثات مع المنظمة العربية للسياحة لتوفير خط ملاحي بين جدة وسقطرى، إلى جانب التعاون في إعداد برامج سياحية تحقق التنمية وتحافظ على البيئة.
ونوه إلى أن هذه التفاهمات “ما يزال اتفاقات شفاهية لم تتحول إلى ممارسة أو إلى اتفاقيات مكتوبة”.
وأضاف أن لقاءً جمعه قبل نحو شهر برئيس المنظمة العربية للسياحة، بندر بن فهد الفهيد، أسفر عن وعود إيجابية لدعم القطاع السياحي في اليمن، واصفًا الفهيد بأنه “شخص محب لليمن وللثقافة اليمنية وللسياحة اليمنية ويلعب دوراً رائداً في هذه المنظمة التي تتبع الجامعة العربية”.
مسؤولية الدولة
ورغم الوعود الإيجابية السابقة، شدد الوزير دماج على أن “الأساس هو الدولة اليمنية”، مجددًا التأكيد على أن “المسؤولية دائماً تقع على عاتق المجتمع اليمني وعلى عاتق الدولة اليمنية»، موضحًا أن “المجتمع اليمني هو مساند ورديف لكن الدولة هي مسؤولة عن كل هذه القضايا”.
وأضاف: “عندما نتحدث عن سقطرى علينا أن نعرف ما هو شكل السياحة المطلوب، وما هي المؤسسات، وإعادة تفعيل الشرطة السياحية وحماية الآثار، وتوفير الإرشاد السياحي، وتطوير البنية السياحية اللازمة لتنظيم النشاط السياحي.
ولفت إلى حديث قريب عن وجود مصنع تونة داخل سقطرى؛ واصفًا ذلك بأنه “جريمة كبرى”، لما قد يترتب عليه من آثار بيئية في منطقة تتميز بحساسيتها الطبيعية.
كما تطرق إلى التحديات التي تواجه شجرة “دم الأخوين”، موضحًا أن الأشجار الموجودة حاليًا “بمئات الآلاف لكنها كلها في عمر واحد”، مشيدًا بمبادرة محلية يقودها أحد أبناء الجزيرة لإنتاج شتلات جديدة وإعادة زراعتها، مشيرًا إلى وجود “مبادرات شعبية عظيمة في هذا الاتجاه”.
وفي إطار الحديث عن الأمل والمشاريع، قال إن الوزارة تعمل على إصدار قانون خاص بسقطرى، وإنشاء إطار قانوني للسياحة البيئية، وتوفير خطوط نقل مناسبة، وتأهيل مرشدين سياحيين يضمنون تطبيق معايير اليونسكو، خاصة في المناطق الخاضعة للحماية المشددة.
واعتبر أن تطوير برامج الإرشاد السياحي يُعد “مشروع قومي وطني”، مشددًا على ضرورة أن تكون “سقطرى واحدة من جواهر التاج اليمني الذي الجميع يكرس جهده فيها”.
سياحة مختلفة
في سياق حديثه عن السياحة، أوضح المهندس مطيع دماج أن سقطرى تحتاج إلى نموذج سياحة غير تقليدي يعتمد على الحفاظ على خصوصيتها البيئية.
وقال إن السياحة في سقطرى “مغرية جداً”، لكنها في نفس الوقت “مكلفة إلى حد ما”، مضيفًا أن “الموسم السياحي في الجزيرة يمتد عادة من نوفمبر حتى نهاية أبريل أو بداية مايو، قبل أن تتوقف الحركة السياحية بسبب الرياح والعواصف، وهو ما يتطلب شراكات مدروسة مع شركات سياحية كبرى”.
وأضاف أن هذه الشراكات يجب أن تقوم على حماية البيئة، لا على تغيير طبيعة الجزيرة، وتابع: “ما تحتاج تجيب خيول أو حيوانات لم تكن موجودة في الجزيرة؛ هذا تدمير للجزيرة”.
وختم بالتأكيد على أن سقطرى لا ينبغي أن تتحول إلى نسخة من الوجهات السياحية التقليدية القائمة أساسًا على سواحل جميلة وترفيه عال، مؤكدًا أن قيمتها الحقيقية تكمن في “الفرادة البيئية، والسواحل البكر، والتنوع البيئي غير الموجود في أي مكان آخر في العالم”، وهو ما يتطلب، “شغلاً حقيقيًا ومؤسسيًا وبناءً”.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news