الميثاق نيوز، تقرير خاص-
آ في سباقٍ محموم ضد الزمن والتخلف الموروث، اجترح اليمن معجزةً تنموية حوّلت البلاد من عهد "البغال والشموع" إلى عصر النفط والجسور والكهرباء الغازية، في ورشة بناء كبرى لم تتوقف طيلة ثلاثة عقود.
بينما كانت عواصم العالم تتباهى بأضواء "النيون" وناطحات السحاب في أواخر السبعينيات، كان اليمن يغط في سباتٍ عميق من العزلة والظلام؛ حيث كانت الحمير والبغال هي "الأسطول" الوحيد للتنقل، و"المعلامة" والكتاتيب هي أقصى طموح التعليم، بينما تفتك الأمراض والأوبئة بالأجساد التي لم تعرف سوى "الكي والقطران" وسيلة للعلاج.
في هذه البيئة المشبعة برائحة الفقر والجهل، استلم المقدم علي عبدالله صالح دفة الحكم في 17 يوليو 1978، ليبدأ معركةً من نوع آخر: معركة "البناء فوق الأنقاض".
صناعة السيادة
آ
من استجداء الوقود إلى "نادي الغاز" العالمي لم تكن النهضة الاقتصادية في فكر "صانع المنجزات" مجرد أرقام، بل كانت قضية سيادة وطنية.
ففي لحظة فارقة عام 1984، استيقظ اليمنيون على صرخة الفرح الأولى مع تدشين إنتاج النفط من حقول صافر في مأرب، وتلاها حقول المسيلة في حضرموت وشبوة.
لم يكن الأمر مجرد استخراج للثروة، بل كان "تحريرًا للقرار السياسي"؛ حيث تم توطين الشركات المنتجة بإنشاء شركة صافر (بديلة لهنت الأمريكية) وشركة بترومسيلة (بديلة لنكسن الكندية)، في خطوة عكست ذكاء القيادة في استعادة ملكية الموارد الوطنية.
القفزة الكبرى التي هزت الأوساط الاقتصادية الإقليمية تمثلت في مشروع الغاز الطبيعي المسال في بلحاف، وهو أضخم مشروع استثماري في تاريخ اليمن، بتكلفة تجاوزت 4.5 مليار دولار.
وبفضل هذا الوهج، دخل اليمن مصاف الدول المصدرة للغاز، ممدًا أنابيب الحياة بطول 320 كيلومترًا من مأرب إلى بحر العرب، ليحجز لليمن مقعدًا دائمًا في الخريطة الطاقوية العالمية.
هندسة الأرض
17 ألف كيلومتر تكسر طوق العزلة قبل عام 1978، كانت الطرق الإسفلتية في اليمن لا تتجاوز 3000 كيلومتر، مما جعل القرى والمدن جزرًا معزولة يقتلها البعد.
لكن ورشة البناءآ لم تهدأ؛ فشقت الدولة في عهد صالح أكثر من 17 ألف كيلومتر من الطرق الحديثة، وحولتها إلى شرايين تربط "نقم بشمسان" و"ميدي بحوف".
هذه الثورة في البنية التحتية لم تتوقف عند الطرق، بل امتدت لتشمل بناء الجسور والأنفاق العملاقة، وتدشين المنطقة الحرة بعدن عام 1991 كعاصمة اقتصادية وتجارية لليمن الموحد، لتصبح عدن بوابة اليمن نحو المستقبل والمنافسة العالمية.
المعجزة المائية والكهربائية
استعادت
آ مأرب د مجدها في قلب الصحراء، أعادآ الزعيم صالح صياغة التاريخ بإعادة بناء سد مأرب العظيم بتمويل من الأشقاء في الإمارات، لينهي قرونًا من "سيل العرم" والجفاف، ويحول مئات الآلاف من الهكتارات إلى واحات خضراء.
وتوسعت الدولة في بناء أكثر من 3000 سد ومنشأة مائية وحاجز مائي في مختلف المحافظات، محققةً قفزة هائلة في الأمن الغذائي والزراعي .
وعلى صعيد الطاقة، انتقل اليمن من محطات الديزل الصغيرة إلى محطة مأرب الغازية (المرحلتين الأولى والثانية) بقدرة تتجاوز 800 ميجاوات، لتصل الكهرباء إلى القرى النائية والوديان السحيقة التي لم تكن تعرف سوى ضوء القمر.
بناء الإنسان:
آ اكثر من 20 ألف مدرسة وجيل "ثورة التكنولوجيا"، هو ما آمن به الزعيم صالحآ وأن الحجر لا يبني دولة إذا لم يُبنَ البشر؛ فدشن ثورة تعليمية شاملة، حيث ارتفع عدد المدارس من بضع مئات إلى أكثر من 20 ألف مدرسة.
وبدلاً من جامعة وحيدة، انتشرت الجامعات والمعاهد التقنية في كل محافظة، من جامعة عدن إلى حضرموت والحديدة وتعز... الخ، لتخلق جيلاً متسلحاً بالمعرفة لا بالخرافة.
أما في قطاع الصحة، فقد استبدل صالح "الشعوذة" بآلاف المستشفيات والمراكز الصحية المجهزة بأحدث المعدات الطبية، وأطلق شبكة اتصالات حديثة وصلت حتى القرى الحدودية، لتنتهي عزلة اليمن إلى الأبد .
عدالة التنمية:
وعند الحديث عن المحافظات الجنوبية والشرقية بعد صيف 1994، انتهج صالح سياسة "التمييز الإيجابي" لتعويض المحافظات الجنوبية والشرقية عما فاتها من تنمية في ظل "اشتراكية الفقر" السابقة.
وتشير الأرقام الموثقة إلى أن الدولة وجهت 70% من ميزانية التنمية نحو هذه المحافظات.
بين عامي 2003 و2008 فقط، نُفذ في ست محافظات جنوبية 6019 مشروعاً بتكلفة تجاوزت 668 مليار ريال.
حضرموت وحدها حصدت المركز الأول في عدد المشاريع بنحو 1858 مشروعاً، بينما تحولت عدن في عهد "صالح" إلى ورشة لا تهدأ، مستحوذة على نصيب الأسد من الزيارات الرئاسية الميدانية التي استهدفت تلمس احتياجات المواطنين .
خلاصة العصر الذهبي لقد كانت الـ 33 عاماً من حكم صالح هي "العصر الذهبي" الذي تحول فيه اليمن من "بلد يواري الثرى" إلى دولة ذات كيان اقتصادي واجتماعي متميز.
استطاع "الربان الماهر" تحويل الانهيار إلى بناء، والدمار إلى استقرار، واليأس إلى أمل، تاركاً خلفه إرثاً من المنجزات التي لا ينكرها إلا "جاحد"، وشواهد حية تنطق في كل طريق ومدرسة وحقل نفط .
اليوم، وبينما يتجرع اليمنيون مرارة الفوضى، يدركون أن ذكرى 17 يوليو لم تكن مجرد ذكرى تولٍ، بل كانت "صافرة الانطلاق" لرحلة اليمن نحو المجد والرفعة .
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news