تصدت القوات المسلحة اليمنية لاختراق إيراني بطائرة مدنية الأجواء اليمنية، وقصفت القوات اليمنية مدرجي مطار صنعاء الدولي ومنعت الطائرة الإيرانية من الهبوط ظهر اليوم الأحد، وأجبرت الطائرة الإيرانية على تحويل مسارها، وسمحت لها الحكومة بالهبوط في مطار الحديدة، في اختبار إرادة جديدة ظهرت فيها الحكومة قوية أيضا.
في الثالث من يوليو الماضي اختبرت القيادة الحوثية وإيران عزم الحكومة اليمنية والجيش ومن خلفه التحالف إرادتهم للقتال بعد أسابيع من توقف حرب إيران والولايات المتحدة، وأرسلت طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء دون إذن من الحكومة، وعلق الحوثي على ذلك بالقول إن “مرحلة الحصار انتهت” وهددوا باستهداف منشآت حيوية سعودية.
وقالت الحكومة اليمنية في بيان لها في ذلك الوقت إن الطيران الإيراني اختراق الأجواء اليمنية والسيادة اليمنية وإنها ستتصدى له بكل الوسائل بما فيها العسكرية. وقال بيان للتحالف إنه سيتصدى لأي هجمات حوثية وسيحافظ أيضا على السيادة اليمنية وحذر الحوثي من رد غير مسبوق، وبأن الحوثي يعاني مشكلات داخلية يسعى لتصديرها خارجيا.
يوم الجمعة الماضية أعلن مجلس القيادة رفضه السماح لطائرة إيرانية بالهبوط في مطار صنعاء قدمته إيران عبر التحالف العربي، واقترح نقلا تجاريا للوفد الحوثي، فتحدت إيران قرار مجلس القيادة وحلقت طائرتها اليوم فوق الأجواء اليمنية لكن القوات المسلحة اليمنية شنت غارات لأول مرة منذ بداية الحرب وقصفت مطار صنعاء وأجبرت الطائرة على تحويل المسار. وثبتت معادلة أن كلفة اختراق المسار الجوي اليمني ليس سهلا وليس ميسورا.
ودعت الحكومة اليمنية قبل أيام مجلس الأمن لمناقشة اختراق إيران الأجواء السيادية اليمنية، ومن المقرر أن يعقد جلسة في وقت لاحق الاثنين.
مساء الاثنين أيضا هاجمت مليشيا الحوثي مطار أبها السعودي بعدة صواريخ، وقال تحالف دعم الشرعية إنه يتعامل مع هجمات حوثية، ويتصدى لها، وأعلن الحوثي أيضا في وقت سابق أن مرحلة خفض التصعيد القائمة منذ 2022 انتهت، على لسان متحدثها العسكري يحيى سريع، ومتحدثها الإعلامي محمد عبدالسلام.
الحكومة تدرك أنها أقوى
قال رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة في بيان له اليوم إن القوات المسلحة في أعلى درجات الجاهزية والاستعداد ونفذت الإجراءات الدفاعية بمنع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء وحمت السيادة اليمنية وأثبتت كفاءتها العالية، وأن الدولة اليمنية ستحمي سيادتها وأجوائها ومنافذها البرية والبحرية والجوية ولن تتهاون في ذلك.
تدرك الحكومة اليمنية أن وضع الحوثي ليس جيدا كما كان عليه في السنوات الماضية، وقال ياسين سعيد نعمان السفير اليمني في بريطانيا على صفحته بفيسبوك إن الحوثي يعيش أسوأ أيامه، فالتهدئة فضحته وفضحت انحطاط قدراته وفساده، وهو يريد إشعال حرب للهروب من أزماته الداخلية ويتخلص من الاستحقاقات المفروضة عليها اجتماعيا وشعبيا.
وأشار نعمان بأن معركة الردع والخلاص من هذا الكابوس الحوثي مسألة مصيرية لا تحتمل إلا النجاح ويجب أن تحدد الحكومة موعدها وليس الحوثي.
وأشار إلى أن “جميعنا يدرك أين تكمن نقطة البداية لتكوين منظومة الردع تلك، وأن إدراكها المتأخر هو الذي أخذ يغير معادلة القوة على الأرض”.
أما أحمد عبيد بن دغر فقد قال إن المعركة القادمة تستعد لها الحكومة اليمينة ولم يعد هناك من يمنح الحوثي الحصانة والأمان وستكون معركة فاصلة في تاريخ هذا الصراع في اليمن، وأن الحوثي سيتحمل كل النتائج المترتبة على عدوانه الحاقد.
وأشار إلى ثقته بقدرات القيادة العسكرية اليمنية على حماية السيادة اليمنية من الاختراقات الحوثية الإيرانية، وكذا القرار السياسي اليمني كما جاء في منشوره على فيسبوك.
مالذي يريده الحوثي؟
يعاني الحوثي من وضع شديد داخليا مع عدد من القبائل اليمنية، وتحرك التنظيم الاجتماعي اليمني هذه الأيام بطريقة صعبت على الحوثي روايته محليا، ونكفت القبائل اليمنية للحرب عليه وفقا للأسلاف والأعراف، وجردت الكثير من روايته تجاه الحرب في اليمن.
اشتدت الضغوط الحوثية الداخلية عليه وانتقل الكثير من أنصاره وعناصره إلى النقد العلني ضده كما رأينا في حملة أنا جاوع في الأسابيع الماضية، وأثبتت عدد من القبائل اليمنية كما في إب في حالة خطف الشيخ سيف الشاهري وهو موال لهم أن القبيلة اليمنية لها نفوذها، وكذلك منعت قبائل محلية في بني صريم حملة حوثية من تفجير منزل في خمر بمحافظة عمران، وتجرأت قبائل أخرى للحديث والنقد العلني للجماعة.
وانسحبت عناصر قبلية محلية من عدة نكفات قبلية كان يريد الحوثي إظهارها أنها تابعة له مثل نكف أرحب أواخر الشهر الماضي، ونكف خولان مطلع الشهر الجاري، ونكفين على الأقل في الحزم واليتمة بالجوف. ويواجه تحديات أخرى في مسائل عديدة اقتصادية ومالية وعسكرية وغيرها. ويريد التخلص من هذه التحديات بتصديرها للخارج.
يريد الحوثي اختبار موقعه ضمن وحدة الساحات مع المحور الإيراني الذي يشمل الجماعات العراقية وحزب الله ويريد الحوثي أن يضمن أن أي حرب يخوضها في اليمن سيتدخل معه المحور الإيراني ويثبت هذه المعادلة.
وتطور هذا الموقف الحوثي بعد ما شعر أن مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية لوقف إطلاق النار ثبتت وحدة الساحات بالنص على وقف الحرب بين إيران وحلفائها وأمريكا وحلفائها، وكان يريد تعريف نفسه تحديدا بأنه حليف إيران ولا يمكن محاربته بينما لا يمكن تعريف الحكومة اليمنية والسعودية على أنهم حلفاء للولايات المتحدة، وبالتالي فإن أي حرب مقبلة ستكون بين المحور الإيراني والسعودية والحكومة اليمنية بدون دعم أمريكي كما يتصور.
وبني الموقف الحوثي هذا من حقيقة أن الهدنة بينه وبين الولايات المتحدة السنة الماضية لم تمنع الحوثي من شن الهجمات على الاحتلال الإسرائيلي ومصالحه دون تدخل أمريكي فعال.
مالذي تريده إيران؟
خلال الأسابيع الماضية التزمت إيران الصمت أمام التطورات في اليمن، وركزت أولوياتها على تثبيت سيطرتها على مضيق هرمز، وحرصت على علاقتها مع السعودية، ولم تشن خلال الأيام الماضية أي هجمات على المملكة، رغم أنها شنت هجمات على دول الخليج الأخرى بما فيها سلطنة عمان أكثر من مرة، رغم اللقاءات الدبلوماسية بين السلطنة وإيران.
وأصدرت الخارجية الإيرانية اليوم الاثنين بيانا شديدا ردا على منع طائرتها من الهبوط في مطار صنعاء. وقال إسماعيل بقائي في بيان مساء الاثنين إن الغارات اليمنية على مطار صنعاء انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة و يتنافى مع اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2022 والتفاهمات اللاحقة لمنع تصعيد التوتر.
وأضاف المتحدث الإيراني “هذه الأعمال المتهورة تعرض العملية السياسية والجهود المبذولة للتوصل إلى حل سلمي للقضية اليمنية للخطر”.
ومن خلال الموقف الإيراني يتضح أن طهران تفاجأت بالرد اليمني السعودي على محاولة اختبار الإرادة والقوة في اليمن، ونظرة الخليج لإيران خاصة السعودية.
وكانت طهران تهدف لمعرفة هل تسلم السعودية بالنفوذ الإيراني كما تتخيله الحكومة الإيرانية، أم أنها تنظر إلى إيران على أنها أضعف نتيجة الضربات التي تعرضت لها والتحديات التي تواجهها على جميع المستويات؟
ويثبت الرد والتعامل القوي عبر الحكومة اليمنية على الطائرة الإيرانية والموقف الإيراني الرسمي منها، والحوثي أيضا الذي قال إنه هاجم مطار أبها الدولي وحذر شركات الطيران من التحليق في الأجواء السعودية حتى فتح الأجواء اليمنية أن خيار التصعيد الحوثي والإيراني قائم على فرضية كانت قائمة قبل سنوات الهدنة مضمونها أن الحوثي -ومعه إيران- قوي في المعارك الخارجية أمام التحالف.
بينما يعاني داخليا من نقاط ضعف عديدة ومزمنة وغير قابلة للإصلاح والمعالجة لأسباب عديدة، وهو الأمر الذي ذكره التحالف في بيانه يوم الرابع من يوليو بأن التحديات الداخلية والقبلية والاجتماعية التي يعانيها الحوثي تدفعه لتصديرها خارجيا، ولذا جاء الرد اليوم باسم الحكومة اليمنية والجيش اليمني، أي بإعادة مسار الحرب إلى المسار الداخلي حيث يضعف فيه الحوثي ولا يمتلك أوراقا كثيرة.
ما الذي تريده السعودية؟
يفهم الخليج بمعظم دوله كما ورد على لسان رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أن التصعيد الحوثي في اليمن ضمن تحرك إيراني يستهدف دول الخليج ردا على الولايات المتحدة، كما جاء في منشوره الأخير الأيام الماضية، واتهم صراحة إيران بالوقوف وراءه. وكان حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وسيطا قطريا بين الحكومة والحوثي في اليمن أثناء الحروب الست في صعدة قبل عقدين من الزمن.
وتشعر السعودية بالثقة والقوة في اليمن لأسباب عديدة، منها أن إيران صارت أضعف بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، وأن تحدياتها الداخلية والأمنية والسياسية والاقتصادية ومع حلفائها أيضا ومع ترتيب النظام الداخلي الإيراني يستنزف أولوياتها وجهدها.
كما تشعر السعودية بوضح مريح أيضا بسبب تخلصها من المشاكل المزدوجة الداخلية المزمنة التي كانت تعيق الحكومة قبل توحيد التشكيلات العسكرية اليمنية المناهضة للحوثي وقوة الانفصاليين ومنافسة الإمارات لها، ولجوء دول الخليج المتعددة بما فيها سلطنة عمان وقطر للتنسيق أكثر مع المملكة في قضايا عديدة خاصة في مواجهة الهجمات الإيرانية وأيضا في اليمن كما رأينا في الأيام الماضية بين وزيري خارجية السعودية وعمان، وكما حدث بين مسقط والرياض في مسألة طرد الإمارات من اليمن أواخر السنة الماضية.
اختبرت السعودية بنجاح كبير هجمات كثيفة من إيران على المنشآت الحيوية السعودية وتصدت لها بشكل حاسم رغم بعض الخسائر، لكن التجربة ولدت لديها رؤية لكثافة الهجمات المحتملة وطورت قدراتها في التصدي لها، وتبين أن حساباتها الشديدة تجاه رؤيتها ومصالحها الحيوية لها قوة حماية فعالة تستطيع التعامل مع التهديد الإيراني الذي تجلى في الحرب الأمريكية الإيرانية.
وتفهم السعودية أن إيران تجاوزت الاتفاق السعودي الصيني الإيراني الموقع في 2023 وأنه لم ينتج آثارا ذا أهمية، وأن الاستفادة السعودية منه أكثر من الاستفادة الإيرانية حتى الآن على الأقل. وبالمقابل تحسنت العلاقات السعودية الباكستانية التركية وحتى المصرية في وجه الاعتداءات الحوثية، وأدى الاعتراف الحاسم بالدور السعودي في جنوبي اليمن للرياض أواخر السنة الماضية ومطلع العام الجاري إلى تعزيز الدور السعودي في اليمن، وثقة سعودية كبيرة بقوتها بجانب الحكومة اليمنية.
لم تحسم نتائج صراع الإرادة في اليمن حتى الآن بعد تطورات الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، مع انهيار مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، لكن المواقف اليمنية الحكومية والسعودية أثبت أن الحسابات الحوثية الإيرانية ليست دقيقة، وأن العوامل المحلية بالدرجة الأولى خاصة بعد طرد الإمارات وتوحيد التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين تحت قيادة موحدة بالحد الأدنى وازدياد المقاومة القبلية والاجتماعية ضد الحوثيين وتململ أنصار الحوثيين أنفسهم كان لها دور حاسم، بالإضافة إلى العوامل الإقليمية الناشئة منذ ديسمبر الماضي في اليمن، وأيضا بالحرب على إيران ساهم في سوء تلك الحسابات حوثيا وإيرانيا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news