الأرض التي تحكمها الألغام.. كيف حوّلت مليشيات الحوثي ساحل تهامة إلى أكبر حقل موت في اليمن؟

يمن فويس             عدد المشاهدات : 21 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الأرض التي تحكمها الألغام.. كيف حوّلت مليشيات الحوثي ساحل تهامة إلى أكبر حقل موت في اليمن؟

لم يكن يعرف أن الحقل الذي رعى فيه الماشية طوال حياته صار كميناً. هذا هو المشهد الذي يتكرر، بصيغ مختلفة، في قرى حيس والتحيتا والدريهمي والخوخة منذ سنوات: مزارع يعود إلى أرضه، أو طفل يجري خلف قطيع من الماعز، أو نازح يحاول أخيراً العودة إلى بيته المهجور — وتحت خطواته، لغم لا يعرف أحد متى زُرع ولا من زرعه بالضبط.

هذه ليست مبالغة صحفية. فبحسب تقرير "لاندماين مونيتور 2025"، الصادر عن الحملة الدولية لحظر الألغام، سجّل اليمن 247 ضحية من الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة خلال عام 2024 وحده، ليحتل مرتبة متقدمة عالمياً خلف ميانمار وسوريا وأفغانستان وأوكرانيا مباشرة. أما تقرير المفوضية الأوروبية للحماية المدنية والمساعدات الإنسانية، الصادر في نوفمبر 2025، فذهب أبعد من ذلك: صنّف اليمن في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث ضحايا الألغام، مشيراً تحديداً إلى محافظتي تعز والحديدة باعتبارهما الأكثر تضرراً على الإطلاق.

والأرقام الأولية لعام 2025، التي كشفت عنها بيانات "لاندماين مونيتور" في يونيو 2026، لا تحمل بشرى: 164 ضحية موثقة، ضمن تسع دول فقط في العالم سجّلت أكثر من مئة ضحية خلال العام نفسه. اليمن ما زال هناك، في القائمة التي لا يريد أحد أن يكون اسمه فيها.

ساحل بطول 400 كيلومتر، وحقل ألغام بلا خريطة

يمتد ساحل تهامة نحو 400 كيلومتر من ميدي شمالاً حتى باب المندب جنوباً، وهو السهل الساحلي الذي شكّل، بين عامي 2018 و2019، الجبهة الأكثر دموية في الحرب اليمنية. حينها تقدمت قوات "المقاومة التهامية و الجنوبية   من مديرية الخوخة جنوباً باتجاه حيس فالتحيتا، في معارك بطيئة ومكلفة بشرياً، وسط ما وصفته تقارير عسكرية وإعلامية بأنه "كثافة حقول ألغام" زرعتها مليشيا الحوثي في السلسلة الجبلية المطلة على المنطقة.

ثمان  سنوات مرّت على تلك المعارك. ومع ذلك، لا تزال فرق إزالة الألغام تعثر أسبوعياً على ألغام مضادة للدبابات وذخائر غير منفجرة في حيس والخوخة والدريهمي، بحسب البيانات التشغيلية المتكررة لمشروع "مسام" السعودي. والسبب ليس فقط بطء عمليات التطهير: فالسيول الموسمية، كتلك التي اجتاحت المنطقة في أغسطس 2025، تجرف الألغام من مواقعها الأصلية إلى الطرقات والمزارع والأحياء السكنية، فتُعيد رسم خريطة الخطر كل موسم أمطار.

وما يجعل تهامة استثنائية في هذا الملف ليس فقط كثافة الألغام، بل التقاطع القاسي بين عدة أزمات في آن واحد:

 اقتصاد يقوم بالكامل تقريباً على الزراعة والصيد، وهما نشاطان يستحيل ممارستهما دون التنقل اليومي في أراضٍ لم تُطهَّر بالكامل؛ ونسبة نزوح هي الأعلى في اليمن، إذ يشكّل نازحو محافظة الحديدة وحدها 26% من إجمالي النازحين داخلياً في البلاد بحسب مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية؛

 ومستويات سوء تغذية حاد وصفتها التقارير بأنها "حرجة للغاية" في مساحات واسعة من المحافظة.

الأرقام التي لا يراها أحد

خلف كل رقم في هذا الملف طفل أو امرأة أو مزارع. دراسة أجرتها منظمات حقوقية يمنية وثّقت أن الفترة الممتدة من أبريل 2014 إلى مارس 2022 وحدها شهدت مقتل 534 طفلاً و177 امرأة بالألغام في 17 محافظة يمنية، إضافة إلى إصابة 854 طفلاً و255 امرأة و147 مسناً بجروح. ومنذ هدنة أبريل 2022 وحتى مطلع 2026، وثّقت منظمة "إنقاذ الطفولة" مقتل 339 طفلاً وإصابة 843 آخرين بالألغام ومخلفات الحرب — وهو ما يعني أن قرابة نصف ضحايا الأطفال المرتبطين بالنزاع اليمني منذ الهدنة سببهم لغم، لا رصاصة.

وفي النصف الأول من عام 2025 فقط، سقط 107 مدنيين، غالبيتهم أطفال، بينهم خمسة أطفال قُتلوا وهم يلعبون كرة القدم على أرض ترابية في تعز — مشهد يتكرر بصيغ مشابهة في قرى تهامة، وإن كانت التغطية الإعلامية الدولية لحوادث حيس والتحيتا والدريهمي أقل بكثير مما تحظى به تعز، رغم أن كثافة الألغام في الجبهتين متقاربة تاريخياً.

في المقابل الآخر من المعادلة، تقف حصيلة مشروع "مسام" السعودي، الجهة التنفيذية الأكبر لإزالة الألغام في اليمن منذ انطلاقه في يونيو 2018. وبحسب آخر بيان رسمي بتاريخ 3 يوليو 2026، نزعت فرق المشروع 572,332 لغماً وذخيرة وعبوة ناسفة منذ الانطلاق — من بينها أكثر من 151 ألف لغم مضاد للدبابات و7,549 لغماً مضاداً للأفراد و8,554 عبوة ناسفة يدوية الصنع — وطهّرت أكثر من 82.3 مليون متر مربع من الأراضي اليمنية.

رقم ضخم بكل المقاييس. لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: كم تبقّى؟ فلا يوجد حتى الآن مسح وطني شامل ومعلن يحدد الحجم الكلي المتبقي من التلوث في اليمن، ما يجعل من المستحيل معرفة ما إذا كانت هذه الأرقام تمثّل نصف المهمة أم عُشرها.

حياة معلّقة على أرض لا يمكن الوثوق بها

يروي ناجون من مناطق أخرى في اليمن، في شهادات وثّقتها تقارير صحفية دولية، كيف غيّر لغم واحد مسار حياتهم بالكامل. فتاة من محافظة تعز فقدت ساقها وهي في الثالثة عشرة من عمرها، أثناء رعيها الماشية قرب منزلها، اضطرت أسرتها بعدها للنزوح، وباتت تحلم بأن تصبح محامية "تدافع عمّن يواجهون الظلم" — على حد تعبيرها.

القصة نفسها، بتفاصيل مختلفة، تتكرر في تهامة: عائلات نازحة لا تستطيع العودة إلى قراها لأن أحداً لا يضمن سلامة الطريق أو المسكن؛ مزارعون يخسرون أراضيهم — رغم أن محافظة الحديدة تحتل المرتبة الأولى وطنياً في إنتاج عدد من المحاصيل الزراعية بنسبة 28.6% من الإنتاج القومي — لأن الوصول إليها بات مقامرة بالحياة؛ وأطفال يضطرون لمسارات أطول وأكثر خطورة للوصول إلى مدارسهم في مناطق لم تُطهَّر بعد.

المفارقة أن هذا الجانب الإنساني تحديداً — الشهادات المباشرة من سكان حيس والتحيتا والدريهمي أنفسهم — يبقى الأقل توثيقاً بين كل عناصر هذا الملف. فجوة تستحق أن تُسدّ ميدانياً، لا أن تُترك للأرقام وحدها لتروي القصة.

من يُحاسَب؟ الجواب القانوني المعقّد

هنا يبدأ الجزء الأكثر إحباطاً في هذه القصة: اليمن دولة موقّعة على اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد، لكن التزامها الرسمي بحظر هذا السلاح لا يشمل مليشيا الحوثي، التي لا تخضع كجماعة مسلحة غير حكومية لالتزامات تعاهدية مباشرة — وإن كانت الأعراف الدولية تحثّ كل الأطراف المسلحة، حكومية وغير حكومية، على الالتزام بالمبدأ ذاته.

لكن حتى بمعزل عن معاهدة أوتاوا، يظل القانون الدولي الإنساني العرفي سارياً على جميع أطراف النزاع دون استثناء: مبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وحظر الأسلحة العشوائية الأثر التي يستحيل توجيهها بدقة نحو هدف عسكري محدد. وزرع الألغام دون خرائط أو علامات تحذيرية، أو الامتناع عن تطهيرها بعد انتهاء المعارك، يندرج ضمن ما تصفه منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، بأنه نمط ينتهك هذه المبادئ بوضوح — وإن كانت الإدانة الجنائية الفردية لأي طرف تستلزم تحقيقاً قضائياً مستقلاً لم يحدث بعد.

لماذا لا تصل القضية إلى لاهاي؟

السؤال الذي يطرحه كل متابع لهذا الملف: لماذا لم تُحَل هذه الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن؟

 الجواب يبدأ من واقعة قد تصدم كثيرين: اليمن وقّع على نظام روما الأساسي في ديسمبر 2000، لكنه لم يصادق عليه حتى اليوم — بل كان واحداً من سبع دول فقط صوّتت ضد اعتماد هذا النظام أصلاً عام 1998، إلى جانب الولايات المتحدة والصين والعراق وإسرائيل وليبيا وقطر.

هذا الوضع القانوني يعني أن المحكمة لا تملك اختصاصاً تلقائياً على الأراضي اليمنية، إلا في حالتين: أن تتقدم الحكومة اليمنية بإعلان خاص تقبل بموجبه اختصاص المحكمة، أو أن يحيل مجلس الأمن الملف بموجب الفصل السابع — وهو ما لم يحدث ولا يبدو مرجحاً في ظل الانقسامات داخل المجلس نفسه.

وحتى لو توفّر الاختصاص، فإن إثبات جريمة حرب مرتبطة بالألغام يستلزم معايير دقيقة تتجاوز التوثيق الإحصائي العام: ربط نوع اللغم وتاريخ زرعه بوحدة عسكرية محددة، وسلسلة أدلة تصمد أمام معايير الإثبات الجنائي الصارمة — وهو نوع من التحقيق يحتاج وصولاً ميدانياً مستمراً وفرق تحقيق متخصصة، تعذّر توفيرها في اليمن منذ أن أنهى مجلس حقوق الإنسان، بتصويت ضيق في أكتوبر 2021، ولاية فريق الخبراء البارزين المعني باليمن — آخر آلية أممية مستقلة لرصد الانتهاكات وإرساء أساس للمساءلة.

والفراغ يتّسع أكثر: في 31 مارس 2026، انتهت رسمياً ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (UNMHA)، بعد تصويت مجلس الأمن بموجب القرار 2813 لعام 2026 — لتنتهي معها آخر آلية مراقبة أممية مباشرة في محافظة الحديدة، بما في ذلك إشرافها على عمليات إزالة الألغام. المفوض السامي لحقوق الإنسان نفسه أشار، في تقرير رفعه إلى مجلس حقوق الإنسان في يونيو 2026، إلى أن برامج العمل ضد الألغام في اليمن توقفت جزئياً إثر تجميد التمويل الأمريكي لهذا القطاع مطلع 2025 — تماماً كما حدث في أفغانستان والعراق وكولومبيا.

جهد ضخم لكنه غير مكتمل

في المقابل، يمثّل مشروع "مسام" السعودي أكبر جهد فعلي على الأرض، بتمويل سنوي متجدد تجاوز 52.5 مليون دولار في عقد تنفيذ واحد فقط، وبيانات تشغيلية أسبوعية دقيقة نسبياً تغطي معظم المحافظات المتضررة. لكن الصورة تبقى منقوصة: تحظى محافظات كحضرموت وحجة ومأرب بعمليات مكثفة نسبياً، بينما تبقى مديريات في ساحل تهامة القريبة من خطوط التماس الحالية مع الحوثيين، كأجزاء من التحيتا، أقل انتظاماً في التغطية بحكم صعوبة الوصول الأمني.

والحلقة الأضعف في كل هذا المشهد هي رعاية الضحايا أنفسهم: تراجع التمويل الدولي المخصص لمساعدة ضحايا الألغام بنسبة 23% خلال عام 2024 وحده، بحسب "لاندماين مونيتور 2025" — أرقام تكشف أن العالم يهتم بإزالة الألغام أكثر بكثير مما يهتم بمن فقدوا أطرافهم أو ذويهم بسببها.

خيط لم يُروَ بعد

يبقى في قلب هذا الملف سؤال سياسي لم يُغلق حتى الآن: ماذا حدث فعلاً في نوفمبر 2021، حين انسحبت قوات طارق عفاش"  من مساحات واسعة جنوب الحديدة، متخلّية عن أكثر من 100 كيلومتر لصالح مليشيا الحوثي؟ برلمانيون ومسؤولون محليون من أبناء تهامة وصفوا ما جرى بأنه "تسليم" متعمد للمحافظة عبر اتفاق دولي غير معلن، بينما قدّمته مصادر عسكرية أخرى بوصفه "إعادة تموضع" تنفيذاً لتفاهمات أممية لمنع انهيار هدنة الحديدة.

هذا الجدل السياسي ليس بعيداً عن قضية الألغام؛ بل هو متشابك معها مباشرة: فكل تأخير في استعادة هذه المناطق يعني تأخيراً مماثلاً في مسحها وتطهيرها، وكل غموض حول من قرر الانسحاب هو أيضاً غموض حول من يتحمل مسؤولية ترك آلاف السكان في مواجهة أرض لا يمكن الوثوق بها. وهذا هو بالضبط الخيط الذي يستحق أن يُطرح، بلا مواربة، على محافظ الحديدة في المقابلة المقبلة.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

الكشف عن القيادي الذي اجبر مسلحين ردفان على الانسحاب من ساحة العروض بعدن والكشف عن ماحدث

كريتر سكاي | 980 قراءة 

محلل سياسي يكشف طلبًا تقدمت به إيران إلى السعودية بشأن اليمن.. فما هو؟

موقع الأول | 782 قراءة 

"القيق" ينقلب على عيدروس الزبيدي.. ويُعلن الاستسلام الكامل!

المشهد اليمني | 658 قراءة 

بعد إعلانه القدوم من الرياض للمشاركة مع فدغم.. إصابة أسامة الزهيري بطلق ناري في مطرح الكرامة داخل المسجد

كريتر سكاي | 628 قراءة 

قيادي حوثي : هكذا نجا الصبيحي ورجب من مصير محمد قحطان  

موقع حيروت | 589 قراءة 

شاهد اول صورة للمواطن الذي تعرض للاغتيال والكشف عن هويته

كريتر سكاي | 544 قراءة 

قبائل مطارح الريان تبدأ ترتيبات عسكرية استعدادا لمواجهة الحوثيين

الميثاق نيوز | 542 قراءة 

“مجتبى” يشق طريقه من طهران إلى صنعاء داخل عبوات غازية

يمن ديلي نيوز | 527 قراءة 

كشف هوية صاحب "عصير الكبش" الذي أشعل الجدل في مطارح الكرامة

نيوز لاين | 518 قراءة 

الشيخ حمد فدغم يصدر إعلانًا عاجلًا بشأن حسابات التبرعات الخاصة بـ"نكف الكرامة" في الجوف

نيوز لاين | 504 قراءة