تحلّ اليوم، السادس من يوليو، الذكرى الأربعينية لرحيل الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، الذي وافته المنية في الثامن والعشرين من مايو الماضي عن عمر ناهز الثمانين عاماً، في مقر إقامته بالعاصمة السعودية الرياض، بعد أربعين يوماً على مغادرته الدنيا، فيما لا تزال سيرته حاضرة في الذاكرة الجمعية لليمنيين، بوصفه أحد أبرز رجالات الدولة الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة مفصلية من تاريخ اليمن الحديث.
هادي، الذي ولد في الأول من سبتمبر عام 1945 في محافظة أبين الساحلية، ونشأ في ظل الحماية البريطانية لجنوب اليمن، خاض مساراً عسكرياً وسياسياً طويلاً قبل أن يصل إلى سدة الرئاسة. تخرّج من أكاديمية ساندهرست العسكرية البريطانية، وخدم في مصر والاتحاد السوفييتي، قبل أن يتدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح وزيراً للدفاع عام 1994، ثم نائباً للرئيس في العام ذاته، منصب ظل فيه قرابة ثمانية عشر عاماً تحت ظل الرئيس علي عبدالله صالح.
تولي المسؤولية في لحظة الانهيار
تولى هادي قيادة البلاد في ظرف استثنائي بالغ التعقيد، كانت فيه الدولة تواجه أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة، إلى جانب حالة من الانقسام والتوتر ألقت بظلالها على مختلف مؤسسات الدولة. ففي العشرين من فبراير عام 2012، أدى اليمين الدستورية رئيساً للجمهورية اليمنية، خلفاً لصالح الذي تنحى تحت ضغوط الانتفاضة الشعبية خلال موجة الربيع العربي. وكان هادي المرشح الوحيد في انتخابات شهدت مقاطعة الحوثيين في الشمال والانفصاليين في الجنوب، لكنه حظي بدعم دولي واسع من الولايات المتحدة ودول الخليج.
وفي خضم تلك الظروف العاصفة، حمل هادي مسؤولية وطنية جسيمة، وسعى، وفق رؤيته وما أعلنته سياساته، إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة، وترسيخ المسار السياسي، في وقت كانت فيه الأحداث تتسارع بصورة غير مسبوقة. لكن المهمة لم تكن سهلة؛ فقد واجه تحديات أمنية جسيمة، أبرزها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي نفذ تفجيراً في صنعاء عام 2012 راح ضحيته أكثر من مئة شخص، فضلاً عن اتهامات من خصومه بأنه يميل لصالح المحافظات الشرقية الغنية بالنفط على حساب المناطق الجبلية التي يسيطر عليها الحوثيون.
مؤتمر الحوار الوطني.. محاولة أخيرة
وشهدت تلك المرحلة محطات مفصلية، في مقدمتها مؤتمر الحوار الوطني، الذي انطلق في مارس 2013 واستمر حتى يناير 2014، ومثل محاولة جادة لإيجاد رؤية جامعة لمستقبل البلاد. جمع المؤتمر ممثلين عن مختلف القوى السياسية والاجتماعية والشبابية والنسوية، بهدف صياغة دستور جديد وإعادة هيكلة الدولة على أسس فيدرالية. لكن تلك المحاولة لم تكتمل؛ فقد دخلت اليمن في منعطفات سياسية وعسكرية عميقة، بدأت بسيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014، ثم احتجاز هادي في مقر إقامته، وإجباره على تقديم استقالته في يناير 2015، قبل أن يفلت إلى عدن، ثم إلى الرياض، مع انطلاق التحالف العسكري بقيادة السعودية في مارس 2015.
وستظل تلك الحقبة، بما حملته من نجاحات وإخفاقات، موضع دراسة وتحليل من قبل المؤرخين والباحثين، بعيداً عن الانفعال وقريباً من الإنصاف الذي يقتضيه حكم التاريخ. فقد أثبتت تجارب الأمم أن القادة الذين يتولون المسؤولية في أوقات الأزمات الاستثنائية يواجهون قرارات معقدة وخيارات صعبة، وتبقى أعمالهم خاضعة لتقييم الأجيال وتعاقب الأحداث.
سنوات المنفى والتنحي المفاجئ
على الرغم من بقائه الرئيس المعترف به دولياً، إلا أن هادي أمضى معظم سنوات حكمه الأخيرة في العاصمة السعودية الرياض، بعيداً عن الأضواء، بعدما اقتصرت سلطته الفعلية على مناطق متفرقة في الشرق، فيما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً على عدن وأجزاء واسعة من الجنوب. وفي أبريل 2022، وبعد إعلان هدنة أممية، أعلن هادي في خطاب متلفز تنحيه عن الرئاسة، ونقل سلطاته التنفيذية إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة وصفت آنذاك بأنها "تخلٍّ" عن السلطة، رغم تقارير أفادت بأن الرياض مارست ضغوطاً عليه للتنحي.
رسالة في الأربعينية
ومن هذا المنطلق، ستظل تجربة الرئيس عبدربه منصور هادي جزءاً من السجل السياسي لليمن الحديث، بما لها وما عليها، في إطار القراءة الموضوعية التي تنشد الحقيقة وتستخلص العبر.
وفي أربعينيته، فإن استذكار الراحل لا ينبغي أن يكون مناسبة لإحياء الخلافات، بل محطة للتأمل في واقع وطن أنهكته سنوات الحرب والانقسام، وتجديد الإيمان بأن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى إلا بالحوار، وسيادة القانون، وتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ قيم التعايش والعدالة، بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون وحدة المجتمع.
نسأل الله تعالى أن يتغمد الرئيس عبدربه منصور هادي بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه بحسب ما اجتهد فيه، وأن يلهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان.
كما نسأل الله أن يحفظ اليمن وأهله، وأن يرفع عنهم ويلات الحرب والمعاناة، وأن يهيئ للبلاد طريقاً يقود إلى الأمن والاستقرار والتنمية، وأن يجمع أبناء الوطن على كلمة سواء، ويجعل مستقبل اليمن أكثر أمناً وازدهاراً للأجيال القادمة.
رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي، وأحسن مثواه، وجعل ذكره مناسبة لاستلهام دروس التاريخ، وتعزيز قيم المسؤولية الوطنية، والعمل المخلص من أجل وطن يتسع لجميع أبنائه، تسوده المحبة والعدل والسلام.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news