الميثاق نيوز، لم يكن يدرك أنه يحزم حقيبته متجهاً إلى خنادق حرب لا ناقة له فيها، بل إلى مصيرٍ ظلّ مختبئاً خلف ستار الصمت لشهرين كاملين.
في الثامن من أبريل، كان الصوت يتقطع عبر الشاشة، ومعه كانت تتسرب ملامح الحقيقة لأول مرة. لم يكن أسامة يظهر في التسجيل وحده، بل كانت مجموعة من الشبان اليمنيين يلهثون بكلمات تحذر من فخاخٍ نُصبت لهم، ومطالبَ مختلفة تماماً عن تلك التي وُعدوا بها قبل مغادرتهم أرضهم.
كان الأب عبد الباسط يراقب الشاشة وعيناه تبحثان عن طمأنينة، لكن الصمت الذي أعقب تلك اللحظات كان أثقل من أي ضجيج، وتحوّل الانتظار إلى كابوس يزداد قتامة مع كل دقيقة تمر.
قبل أشهر من ذلك التاريخ، وتحديداً في الثالث من رمضان، كان أسامة السبئي يغادر منزله في مديرية المسراخ بتعز، حاملاً في قلبه حلماً بسيطاً؛ أن يجد عملاً يعيل به أسرته في بلد أنهكته الحروب والأزمات.
حاول الأب ثنيه عن الرحلة، محذراً من غموض العروض التي تستهدف الشباب، لكن جاذبية الأمل كانت أقوى من تحذيرات الوالد. انقطع التواصل تدريجياً، تاركا العائلة بين رجاء وقلق، حتى ذلك التسجيل الذي لم يكن سوى جرس إنذار متأخر.
لم تكن قصة أسامة حالة شاذة، بل مجرد فصل واحد من فصول مأساة أكبر، حيث تتحول عقود التوظيف الوهمية إلى بوابات تجنيد خفية.
مئات الشباب وجدوا أنفسهم يرتدون بزات عسكرية في جبهات بعيدة، وسط وعود بالجنسية والرواتب الخيالية التي سرعان ما تتبخر لتكشف عن واقع القتال كمرتزقة.
الفقر المدقع وانهيار المنظومة الاقتصادية في اليمن، حيث يحتاج نحو 19.5 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، كانا الوقود الذي أشعل هذه التجارة، ودفع الشباب للمراهنة بأرواحهم مقابل فرصة للنجاة، وهو ما تؤكده شهادات حقوقيين وباحثين اقتصاديين.
رغم أن بعض الأسر تمكنت في اللحظات الأخيرة من سحب أبنائها من براثن هذه الشبكات، كما حدث مع الشاب أواب الخطيب الذي أقنعته عائلته بالتراجع قبل يومين من سفره، إلا أن آخرين لم يحالفهم الحظ.
وفي حين تتحرك منظمات كـ"سام" لتوثيق هذه الانتهاكات، ويحذر قانونيون من أنها ترقى لجرائم اتجار بالبشر، تبقى العائلات تواجه واقعاً مريراً وجثامين عالقة في بلدان الغربة.
بالنسبة لعبد الباسط السبئي، لم يكن الصمت الذي عاشه خلال أسابيع الانتظار مجرد غياب للأخبار، بل كان ستاراً يخفي حقيقة مدمرة.
الميثاق نيوز
ففي الوقت الذي كان الأب يترقب رسالة واحدة تطمئن قلبه، كان خبر الرحيل قد حسم منذ أسابيع، وظل الأب يجهل أن ابنه لم يعد بين الأحياء.
لم يصل نداء الابن، ولم تُفتح حقيبة السفر من جديد، بل جاءه النبأ في الثاني عشر من يونيو ليخبره أن ابنه فارق الحياة في العاشر من أبريل. وبينما لا يزال الجثمان حبيساً في روسيا، تعجز الإجراءات المعقدة عن لملمة شتات العائلة، تاركاً وراءه سؤالاً يثقل كاهل آلاف الأسر؛آ كم من الحقائب ستُحزم بعد اليوم، وكم من الأسماء ستُضاف إلى قائمة الغائبين الذين لن يعودوا او ربما يعودون مثقلين بالجراح والاعاقات وقد يقرأ اهاليهم يوما ماآ رواية محمد عبد الولي ليته لم يعد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news