الميثاق نيوز، عدن، متابعة خاصة
؛ بعد سنوات من الصمت القسري، تعيد عدن فتح ستائرها لتُعيد للأذهان إرثاً يمتد لأكثر من قرن، في رسالة تُثبت أن المدينة لم ترمّم جدرانها فحسب، بل أعادت بعث روحها.
تتوسط القاعة التي غصت بالجماهير، أصوات الضحك المتناثرة تتسلل بين المقاعد، بينما تتراقص الأضواء على خشبة "مسرح رائد طه" في مديرية المعلا.
لم يكن الحضور مجرد طقس روتيني لاستئناف عرض، بل كان احتشاداً بشرياً يعيد رسم ملامح مدينة ظنّ البعض أنها فقدت روحها للأبد.
على مدى يومين، لم تترك شخصيات مسرحية "إلى الخلف دُر" الجمهور يلتقط أنفاسه، مزيجةً بين الكوميديا الساخرة ورسائل الأمن والاستقرار، في تفاعل حي بدد سنوات طويلة من الجمود.
خلف هذا المشهد، تدرك السلطة المحلية أن رصاصة الثقافة قد تكون أبلغ في بناء السلام من أي خطاب رسمي.
فبرعاية محافظ عدن وإشراف مكتب الثقافة، لم تكن عودة المسرح مجرد صدفة عابرة، بل جاءت متزامنة مع استكمال تجهيز أول دار سينما في العاصمة المؤقتة.
هذا التوقيت يحمل دلالة عميقة؛ فالمدينة لا ترمم منشآتها فحسب، بل تعيد ترميم ذاكرتها البصرية والفنية.
الأرض التي يقف عليها الممثلون اليوم شهدت قبل أكثر من قرن بقليل، وتحديداً في العام 1904، أولى العروض المسرحية المنظمة في الجزيرة العربية، قبل أن يخطو أبناء عدن بأنفسهم على نفس الخشبة في 1910 ليؤدوا "يوليوس قيصر".
ومنذ تلك اللحظات، ترسخت عدن كمهد للسينما والمسرح، تخرج منها أجيال صنعت ملامح الهوية الثقافية، قبل أن تجتاح الحرب المدينة في 2015 وتحول تلك المنارات إلى ركام.
لكن بين الركام، كانت هناك شرارات لم تنطفئ. مبادرات شبابية كـ"فرقة خليج عدن" للمخرج عمرو جمال حافظت على شعلة الإبداع حية في أحلك الظروف، ممهدة الطريق لما يحدث اليوم.
وتؤكد سميرة المشجري، مديرة مكتب الثقافة، أن ما نراه ليس مجرد عروض عابرة، بل هو خطة متكاملة لاستعادة الدور التنويري للفن، وإتاحة الفرصة لشباب المدينة ليقولوا كلمتهم بلغة فنية معاصرة.
وفي خضم هذا الاحتفاء، يكتشف المتأمل أن ما يحدث يتجاوز بكثير مجرد افتتاح قاعة سينما أو استئناف عرض كوميدي.
فالرسالة الحقيقية التي تخرج من بين طيات المشهد وهتافات الجمهور، هي أن المدينة التي قاومت الحرب ببنادقها، تقرر اليوم أن تقاوم النسيان بفنها، لتثبت أن الستار لم يسدل على عدن، بل كان مجرد استراحة قصيرة قبل أن يعود الممثلون ليؤدوا دورهم الأهم: إعادة كتابة مسرحية الحياة من جديد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news