أعاد تحقيق نشرته صحيفة “دي فيلت” الألمانية تسليط الضوء على ملف المساعدات التنموية في اليمن، بعد الكشف عن شبهات فساد واحتيال ممنهج داخل مشاريع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، وسط تقديرات تشير إلى احتمال خسائر مالية قد تصل إلى نحو 100 مليون يورو.
وبحسب ما أورده التحقيق، فإن الوثائق الواردة من اليمن لم تكن مكتملة، إذ يُزعم أنه عند قرار الوكالة الانسحاب من شمال اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين عام 2025، تم إتلاف أجزاء من ملفات المشاريع.
وتشير تقارير إلى أن وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية (BMZ) وافقت على هذا الإجراء، في خطوة أثارت تساؤلات قانونية حول شفافية إدارة الوثائق.
ويرى التقرير أن استمرار نشاط الوكالة في شمال اليمن لفترة طويلة كان معقدًا بطبيعته، في ظل سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من الشمال منذ عام 2014، ما فرض على المنظمات الدولية العمل عبر ترتيبات تفاوضية مع سلطات الأمر الواقع لضمان تنفيذ المشاريع الإنسانية والتنموية.
ويكشف التحقيق أن القسم المختص داخل GIZ كان قد أعدّ تقييمًا مبكرًا لحجم المخالفات المشتبه بها قبل عام على الأقل، فيما جرى تداول تقديرات أولية منذ منتصف عام 2023 تشير إلى أن الأضرار المحتملة قد تصل إلى عشرات الملايين من اليورو.
ووفقًا للتقرير، فإن هذه التقديرات كانت مطروحة على طاولة الإدارة العليا، لكنها لم تُعرض في حينه على مجلس الإشراف، رغم أن القوانين المنظمة تلزم بإطلاعه بما يمكّنه من ممارسة رقابة فعالة على الأداء المؤسسي.
كما يلفت التحقيق إلى أن إدارة الوكالة كانت على علم بمؤشرات المخالفات منذ وقت مبكر، لكنها وصفتها في الخطاب العلني بأنها “مخالفات تجارية”، قبل أن تتوسع التوصيفات الداخلية لاحقًا لتشمل شبهات “احتيال منظم”.
شبهات فساد ممنهج وآليات تلاعب :
وتشير محتويات التحقيق إلى أن المخالفات المزعومة لم تكن مجرد أخطاء إدارية، بل تضمنت شبهات فساد مؤسسي منظم، شملت عمليات مالية غير دقيقة مرتبطة بندوات ودورات تدريبية يُزعم أنها لم تُعقد فعليًا، إلى جانب تضخيم فواتير الوقود وصيانة المركبات لرحلات ميدانية غير منفذة.
كما امتدت الشبهات، وفق التقرير، إلى إجراءات مالية أكثر تعقيدًا تضمنت التلاعب بأسعار صرف العملات، والتحويلات المالية، وإجراءات المشتريات، بما يُشتبه أنه استُخدم لتدوير الأموال خارج نطاقها الرسمي.
ويشير التحقيق كذلك إلى استمرار تعامل GIZ مع بنك كويتي–يمني رغم تلقي تحذيرات داخلية في عام 2023، قبل أن يُدرج البنك لاحقًا على قوائم العقوبات الأمريكية على خلفية شبهات تتعلق بغسل الأموال وتمويل جماعات مسلحة.
ومن أبرز ما أثاره التحقيق، ما يتعلق بإتلاف أجزاء من ملفات المشاريع والوثائق الحساسة في مكتب اليمن، والذي تم تبريره داخليًا باعتبارات “الحماية” خلال عملية الانسحاب من مناطق سيطرة الحوثيين عام 2025.
ويشير التقرير إلى أن هذه الخطوة تمت بموافقة من وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية (BMZ)، ما يفتح باب التساؤلات حول الإطار القانوني الذي حكم إدارة الوثائق الرسمية في واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا من الناحية الأمنية والسياسية.
تداعيات سياسية في برلين :
على المستوى السياسي، خلّفت القضية تداعيات واسعة داخل ألمانيا، حيث طالبت أحزاب معارضة، خصوصًا الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، بفتح تحقيق شامل وشفاف لتحديد نطاق المسؤوليات ومستوى التورط المحتمل.
في المقابل، استغل حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف القضية لتجديد دعواته بوقف أو إلغاء وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية، وإنهاء المساعدات الخارجية الألمانية، في موقف يعكس تصاعد الجدل حول جدوى السياسة التنموية الألمانية في مناطق النزاع.
كما انخرطت أطراف سياسية أخرى في النقاش، داعية إلى تعزيز أدوات الرقابة والشفافية بدلًا من تقليص برامج المساعدات، مع التأكيد على أهمية استمرار الدعم الإنساني مع تحسين آليات الحوكمة.
إداريًا، تشير المعلومات إلى أن GIZ اتخذت إجراءات شملت فصل وإيقاف 24 موظفًا في مكتب اليمن منذ أواخر عام 2022، بالتزامن مع ظهور أولى مؤشرات المخالفات، إضافة إلى الاستعانة بشركة التدقيق الدولية “KPMG” لتقييم حجم الأضرار والتحقق من المخالفات.
كما نفذت الوكالة تعديلات تنظيمية داخل مكتبها في اليمن، شملت مراجعات للأنظمة المالية وإجراءات المشتريات، مع التأكيد على تبني سياسة “عدم التسامح المطلق” تجاه أي انتهاكات.
ويخلص التحقيق إلى أن القضية تجاوزت بعدها الإداري لتصبح ملفًا سياسيًا واسع التأثير داخل ألمانيا، أعاد فتح النقاش حول فعالية المساعدات التنموية، ودرجة الرقابة على المشاريع الخارجية، خصوصًا في بيئات معقدة مثل اليمن.
كما أثارت القضية تساؤلات أوسع حول مستقبل الدبلوماسية التنموية الألمانية، بين ضرورة الاستمرار في تقديم الدعم الإنساني للدول المتأثرة بالنزاعات، وبين الحاجة إلى تعزيز آليات الرقابة والشفافية لمنع تكرار مثل هذه الإشكالات.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news