يمن إيكو|تقرير:
تتجه الحكومة المصرية إلى إعادة تشكيل منظومة الدعم الغذائي الأوسع في البلاد، عبر رفع سعر رغيف الخبز مجدداً ولكن هذه المرة مع قرار خفض وزنه، في خطوة وُصفت بأنها الأوسع منذ عقود، وتشمل بشكل مباشر رغيف الخبز المدعم الذي تعتمد عليه عشرات الملايين من الأسر ذات الدخل المحدود، وفقاً لما نشره موقع عربي 21 ورصده موقع “يمن إيكو”.
وبحسب بيانات مجلس الوزراء، يستفيد نحو 68 مليون مواطن من منظومة الخبز المدعم، في حين يصل إجمالي المستفيدين من بطاقات التموين إلى 61 مليون مواطن، بكلفة دعم سنوية تُقدّر بنحو 160 مليار جنيه للعام المالي 2025/2026، مع إنتاج يتراوح بين 250 و270 مليون رغيف يومياً، وهو ما تحاول الحكومة المصرية الاستفادة من معطياته عبر رفع السعر وخفض الوزن.
وفيما يعتبر المستهلك هذه الخطوة “مخاطرة شراء يومية” تجعل الأسر الفقيرة أمام تقلبات الأسعار، تعكس هذه الأرقام حجم الاعتماد الشعبي شبه الكامل على الرغيف، ما يجعل أي تغيير في السعر أو الوزن بمثابة ضغط مباشر على الأمن الغذائي اليومي لملايين الأسر.
وفي السياق، أعلن وزير التموين المصري، شريف فاروق، رفع سعر رغيف الخبز من 20 قرشاً إلى 1.5 جنيه، بالتزامن مع خفض وزنه من 90 إلى 70 غراماً، وهو ما اعتبره مراقبون نقطة تحول جوهرية في سياسة الدعم، تمهد تدريجياً لإنهاء الدعم العيني المباشر، في زيادة تضاعف عبء المعيشة على أسر تعتمد على الرغيف كمصدر رئيسي لسد رمق جوعها اليومي، في ظل محدودية البدائل الغذائية.
وأشارت تصريحات رسمية سابقة إلى أن تكلفة إنتاج الرغيف الواحد بلغت نحو 1.84 جنيه، ما يعني أن السعر الجديد يقترب من تكلفة الإنتاج الفعلية، ما يعني عملياً تقليص هامش الدعم الذي كان يحمي الفئات الأضعف من تقلبات السوق.
ويأتي هذا التحول ضمن سلسلة إجراءات بدأت منذ سنوات، إذ رفعت الحكومة سعر الرغيف من 5 قروش إلى 20 قرشاً منتصف عام 2024، بعد أن ظل السعر ثابتاً عند 5 قروش منذ عام 1988، قبل أن تقر الزيادة الجديدة بنسبة تتجاوز 650% خلال أقل من عامين، في تطور يعمّق شعور الأسر بأن الدعم يتآكل تدريجياً، وأن الاستقرار السعري التاريخي للرغيف يتم تفكيكه بوتيرة متسارعة تمس الحياة اليومية مباشرة.
أما على مستوى الوزن، فقد شهد الرغيف سلسلة تخفيضات متوالية، إذ انخفض من 130 غراماً في تسعينيات القرن الماضي إلى 120 غراماً عام 2014، ثم إلى 110 غرامات عام 2016، وصولاً إلى 90 غراماً عام 2020، قبل القرار الأخير بخفضه إلى 70 غراماً، في انهيار يعتبره المستهلكون “تقليصاً صامتاً” للدعم، حيث تتراجع الكمية الفعلية من الغذاء المتاح للأسرة رغم بقاء شعار الدعم قائماً.
وتربط الحكومة هذه الإجراءات بمحاولة تقليل فاتورة الدعم الضخمة، حيث تشير تقديرات رسمية إلى تسرب نحو 25% من الدعم المخصص للخبز، بما يعادل قرابة 35 مليار جنيه سنوياً لا تصل إلى المستحقين، ضمن إجمالي دعم يتجاوز 140 مليار جنيه للخبز وحده، وهو ما يكشف عن مغالطات تفضي إلى مضاعفة معاناة الأسر الفقيرة التي تتحمل تبعات خطاب ترشيد الدعم المتمثل في كلفة ما تسميه الحكومة “معالجة اختلالات منظومة الدعم الغذائي”.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن هذه السياسات تأتي استجابة لاشتراطات صندوق النقد الدولي، الذي يطالب منذ سنوات بإعادة هيكلة منظومة الدعم السلعي في مصر شعارات “ترشيد الإنفاق العام”، و”ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي” المتفق عليه، غير أن تلك الشعارات في واقعها العملي تشكل ضغوطاً خارجية تنعكس مباشرة على موائد الفقراء اليومية، بدون وضوح كافٍ لآليات الحماية الاجتماعية البديلة.
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن التحول نحو الدعم النقدي بدأ عملياً منذ توقيع مصر اتفاقات القروض المتوالية مع الصندوق، حيث ربطت برامج التمويل بين الاستقرار المالي وتقليص الدعم السلعي، وهو ما انعكس تدريجياً على أسعار الخبز والوقود والكهرباء، في مسار تراكمي خلق لدى الأسر شعوراً بأن “كلفة الإصلاح” تُدفع بشكل غير متوازن من الفئات الأقل قدرة على التحمل.
يشار إلى أن قرار الحكومة الأخير أثار جدلاً واسعاً في الشارع المصري، بالتزامن مع تزايد المخاوف الاجتماعية من أن يؤدي خفض وزن الرغيف ورفع سعره إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع الدخول، ما يجعل رغيف الخبز أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news