تمثل القضية اليمنية إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المنطقة العربية خلال العقد الأخير، نظراً لتداخل أبعادها السياسية والأمنية والاجتماعية مع المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة. فمنذ عام 2011 شهد اليمن سلسلة من التحولات العميقة التي أعادت تشكيل طبيعة الصراع وموازين القوى المحلية، وأثرت بصورة مباشرة في مسار الدولة اليمنية ومستقبل مؤسساتها ووحدتها الوطنية.
وقد تجاوزت تداعيات الأزمة اليمنية حدودها الداخلية لتصبح جزءاً من منظومة صراعات إقليمية ودولية ترتبط بأمن الخليج العربي، وأمن البحر الأحمر، والتنافس الدولي على الممرات البحرية الاستراتيجية، فضلاً عن ارتباطها بالملف الإيراني والتطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وفي ظل هذه التحولات المتلاحقة، تبرز الحاجة إلى قراءة تحليلية تستعرض أهم المحطات التي مرت بها القضية اليمنية، وتبحث في انعكاسات المتغيرات الإقليمية والدولية على المشهد اليمني، واستشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل الدولة اليمنية.
وانطلاقاً من ذلك، تتناول هذه الورقة أبرز التحولات التي شهدتها القضية اليمنية خلال الفترة (2011–2026)، وارتباطاتها الإقليمية والدولية، وانعكاسات تلك التحولات على مستقبل الدولة اليمنية ومكانتها ضمن محيطها الخليجي والإقليمي.
المقـــــــــــدمة
شهد اليمن منذ إندلاع ثورة الشباب الشعبية السلمية في فبراير ٢٠١١ م وحتى عام ٢٠٢٦ م تحولات عميقة أنتقل بها حال البلاد من أزمة سياسية داخلية إلى حرب أهلية و صراعات عمت الجغرافيا الوطنية وتطورت بحكم إرتباطات بعض أطرافها لتدخل خط الصراع الإقليمي و الدولي في ظل واقع هش و إنقسام مستمر حتى اليوم .
و مع إنتهاء أحداث ديسمبر من العام ٢٠٢٥م التي وقعت في حضرموت و المهرة شرق اليمن تكون القضية اليمنية قد دخلت في واقع سياسي جديد بحكم التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها اليمن و المنطقة حتى أوائل عام ٢٠٢٦ م بما نتج عنها من تحول جذري في طبيعة الصراع في اليمن على المستوى المحلي و الإقليمي و الدولي لتخرج قضية ما يجري باليمن من كونه ملفاً مستقلًا كان يتم التعاطي معه كأزمة داخلية و تحولها الى جزء من ورقة ضمن ملف الشرق الاوسط بوضعها ضمن أدوات الضغط و التأثير في ملفات إقليمية ودولية أوسع أبرزها الملف الإيراني و الحرب الإسرائيلية على غزة وأمن الملاحة في البحر الأحمر و الخليج العربي خاصة مع تعاظم دور مليشيا الحوثي و نشاطها ضمن أدوات إيران الإقليمية وتحول جنوب اليمن إلى ساحة تنافس على النفوذ من قبل حلفاء و شركاء إقليميين.
وبما نتج وينتج عن كل ذلك من تطورات محورية سيكون لها آثارها بالتأكيد في تشكيل مصير اليمن ومستقبل دولته وشكل نظامه و طبيعة شراكاته و علاقاته مع دول مجلس التعاون الخليجي و باقي المنظومة الإقليمية و الدولية هذا ما سنحاول تناولهُ من خلال هذه الورقة و ذلك على النحو الأتي :
محــــــــــور إرتكــــــاز الـــــــورقة :
حيث تقف إشكالية الورقة في مناقشة كيفية التأثيرات للتحولات المتسارعة خلال الفترة ٢٠١١-٢٠٢٦ م على بنية الصراع اليمني؟ وماهية الإرتباطات الدولية و الإقليمية التي تتصل بها و إنعكاسات ذلك على مستقبل الدولة اليمنية ؟
الإطـــــــار المنهـــــجي للــــــورقة :
حيث جرى بها الإعتماد على إجراء تتبع تحليلي لأبرز المحطات التي شهدتها اليمن و المنطقة وصولاً لإستشراف السيناريوهات المحتملة في ضوء ذلك وإنتهاءً بالخاتمة والتوصيات .
اولاً : أبــــرز المحطــــــات التـــي دخــل بهــا اليمنـــيون:
فكما هو معلوم فقد مرت القضية اليمنية بسلسلة تحولات محورية كشفت عن طبيعة القضية اليمنية و أزمة أطرافها في التعامل معها و تركيبتها التي جعلت منها قضية مركبة و معقدة بإمتداداتها التاريخية و بتعدد أبعادها وأطرافها المحلية المتشكلة من قوى سياسية و إجتماعية تتنازع على السلطة والثروة والسيطرة في اليمن و أطراف خارجية حاضرة بإدارة الأحداث في إطار مساعي الدول ذات المشاريع التوسعية و تنافسها على التمدد و النفوذ في المنطقة و سعيها في سبيل ذلك لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب والنفوذ خاصةً السيطرة على المناطق الجيوستراتيجية في البحرين الاحمر و العربي كمضيق باب المندب المتحكم في حركة الملاحة والتجارة العالمية التي تمر عبره و الوصول للثروات الطبيعية غير المستغلة في اليمن , وهو ما جعل من اليمن ساحة للصراع المتداخل داخلياً و خارجياً و لبيان ذلك بشكل أفضل فإن من المهم إستعراض أبرز المحطات التي دخل بها اليمنيون و الأطراف الفاعلة إقليميا و دولياً بعد مرحلة الربيع العربي الذي شكل في حينه منطلقاً حقيقياً لسلسلة التحولات التي شهدها تاريخ اليمن المعاصر بعد ثورة الشباب الشعبية السلمية في شهر فبراير من العام ٢٠١١ م و ما تمخض عنها من تغيير لم يُستكمل في السلطة و إنحساره على إنتقال منصب رئاسة الدولة من الرئيس السابق علي عبدالله صالح الى خلفه الرئيس عبدربه منصور هادي و بما أعقب ذلك من أحداث و مفاعيل مثلت محطات مفصلية في حياة اليمن و اليمنيين و التي يمكن تناول أبرزها على النحو التالي :
١- إتفــــاق المبــــادرة الخليجيــــة و آليتــها التنفيـــــذية :
في الثالث و العشرين من فبراير ٢٠١١ م و برعاية كريمة من العاهل السعودي السابق الملك عبدالله بن عبدالعزيز شهدت العاصمة السعودية الرياض بمقر مجلس التعاون الخليجي مراسم توقيع إتفاق سياسي لحل الأزمة اليمنية تمثل بالمبادرة الخليجية تركزت غاية المبادرة و هدفها لتحقيق إنتقال سلمي للسلطة والحفاظ على وحدة وأمن اليمن وقد تضمنت ابرز نقاط المبادرة والآلية التنفيذية:
- النص على إنتقال سلس للسلطة عبر مرحلة إنتقالية لمدة سنتين.
- تكليف المعارضة بتشكيل "حكومة وفاق وطني" مناصفة خمسين بالمية لكل طرف) خلال مدة زمنية محددة.
- جاءت الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية لتضع خطوات تفصيلية مزمنة تم التوقيع عليها لإنهاء الأزمة اليمنية، برعاية خليجية ودولية من خلال المبعوث الاممي لليمن حينذاك جمال بن عمر و بالقرارات الأممية الرئيسية الداعمة للآلية و المتمثلة بالقرار رقم ٢٠١٤ اكتوبر ٢٠١١ و هو القرار المحوري الأول الذي أيد المبادرة الخليجية و القرار رقم ٢٠٥١ يونيو ٢٠١٢ م الذي صدر بعد التوقيع على الآلية التنفيذية وأكد على ضرورة تنفيذها "بشكل كامل ومزمن" و قد ركز هذا القرار على متطلبات المرحلة الإنتقالية الثانية بما في ذلك عقد مؤتمر الحوار الوطني وإعادة هيكلة الجيش والأمن، والتحضير للإنتخابات. كما لوّح لأول مرة بإمكانية فرض عقوبات بموجب المادة ٤١ من ميثاق الأمم المتحدة ضد من يعرقلون العملية الإنتقالية .
كما أن تأثيرات ذلك لن تقف في حدود الجغرافيا اليمنية بل ستمتد لتصل إلى المنطقة والعالم فما يحدث في اليمن لم يعد حرب أهلية داخلية بل أصبحت جزءاً أساسياً مما يدور لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية .
و هنا يظهر مدى الإرتباط الوثيق في مصير اليمن و جيرانها من دول الخليج و ما يجمعها من مصالح و ضرورات إستعادة الدولة اليمنية بما يربطها من وحدة المصير المشترك في ظل أجندات القوى ألدولية و الإقليمية المتنافسة على المصالح في الأقليم والمنطقة و الحاجة لضمان أمن مصادر الطاقة العالمي و سلامة الملاحة في الممرات البحرية الدولية المترتبات السياسية و الأمنية لمشاريع التقسيم الجهوية و الطائفية و مساعي الإنفصال في اليمن و أثرها على مستقبل وحدة دول الخليج و امنها و إستقرارها .
و يبقى مستقبل اليمن مرهوناً على قدرة قيادة الشرعية اليمنية و المملكة العربية السعودية بعد توليها لإدارة الملف اليمني في التهيئة للسناريو الأنسب الذي يضمن الخيار الأنسب لمستقبل الدولة اليمنية التي تُرضي جميع اليمنيين وتحقق تطلعاتهم في عدالة الشراكة في السلطة و الثروة و التنمية و سيادة دولة النظام و القانون من خلال نجاح المملكة العربية السعودية في مواجهة التحديات الماثلة أمامهم اليوم في فرض سيادة الدولة وعودة قياداتها في المجلس الرئاسي و الحكومة و إنتظام عمل مؤسساتها من داخل العاصمة عدن و تفعيل دور المؤسسات التشريعية و الرقابية بأحياء نشاط مجلسي النواب و الشورى و تعزيز سلطات ومهام القضاء و النيابة العامة و اجهزة الرقابة و المحاسبة و هيئة مكافحة الفساد و توفير الخدمات ومنع الإنهيار الإقتصادي وتوحيد التشكيلات العسكرية والأمنية وإعادة ضبط خريطة السيطرة الجديدة وانهاء الفراغات الأمنية و العسكرية والسياسية في وجه مليشيا الحوثي و الجماعات الإرهابية و عصابات التهريب و التعامل مع ملف القضية الجنوبية وفي سبيل ذلك توصي الورقة بالاتي :
* أهمية الدعم الدولي لقيادة الشرعية و المملكة العربية السعودية لضمان النجاح في إدارة مؤتمر الحوار الجنوبي الحنوبي و مناقشة كافة جوانب القضية الجنوبية و إبعادها و الإتفاق على حلول جذرية لها و إنهاء كافة المظالم وضمان الحفاظ على وحدة اليمن و إستقراره و سيادة النظام و القانون على كامل ترابه الوطني على طريق الحل الشامل لإستعادة الإستقرار باليمن و إحلال السلام المستدام .
* تعزيز التواصل بكل المكونات السياسية و الإجتماعية في الحراك الجنوبي لإدراك أهمية إدارة المملكة العربية السعودية للملف اليمني بعد إنسحاب الإمارات العربية المتحدة و تغليب المصلحة الوطنية بالإنخراط الإيجابي في حوارات الرياض على طريق مؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي لحل القضية الجنوبية الذي دعا له رئيس مجلس القيادة برعاية السعودية .
* تحفيز اليمنين بتوسعة برامج الشراكة الإستراتيجية بين اليمن و السعودية بتسريع مشاريع الربط الكهربائي والبنية التحتية و مد خطوط تصدير النفط السعودي عبر اليمن و بناء نموذج تعاون ثنائي قابل للتعميم على مستوى الخليج .
* أهمية إستغلال المرحلة الإنتقالية التي تقودها المملكة العربية السعودية لفرض الإصلاحات في مؤسسات الدولة و تعزيز عملها و الحد من الفساد و توريد أموال الدولة للبنك المركزي و رعاية إطلاق برنامج إصلاح مالي وقضائي شامل من قبل الحكومة اليمنية و بناء إجماع وطني حول خيار التكامل الخليجي .
* تفعيل دور ومكانة السعودية للتأثير على دول مجلس التعاون الخليجي لإعتماد إطار جديد لدعم اليمن بإنتهاج مسار الشراكة الموسعة و الإستثمار في مشاريع إنتاجية لا في منح إستهلاكية و ربط الدعم بإصلاحات مؤسسية واضحة المعايير على طريقإدماج اليمن في المنظومة الخليجية و منحها العضوية الكاملة في مجلس تعاون دول الخليج العربي .
* أهمية مبادرة مكونات الحراك الجنوبي و الأحزاب و المكونات السياسية لأداء دورها المسؤول للإستجابة للإنخراط بمؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي برعاية السعودية و تفعيل المكونات لحضورها بالميدان و الإسهام لإحتواء الأمور بالوقوف في مواجهة كل مطاهر التصعيد و توعية الرأي العام بعدم الإندفاع بالإستجابة لكل ما من شأنه ان يشكل إصطداماً مع توجهات الرياض في ترتيب الأوضاع في مناطق سيطرة الشرعية .
* أهمية إستثمار الشرعية و التحالف الداعم لها لإنشغال النظام الإيراني بالحرب مع أمريكا و إسرائيل و ما يترتب عنها من أثار إستراتيجية على مستقبل مليشيا الحوثي التي ستدخل في مراحل متفاوتة من الضعف و الإنكشاف على المستوى الوطني و الإقليمي .
* أهمية إستيعاب الشرعية اليمنية ضمن جهود تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لخفض عسكرة البحر الأحمر، والحد من نفوذ الجهات المسلحة غير الحكومية.
* النظر في زيادة التكامل الإقتصادي لليمن ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، كإستراتيجية طويلة المدى تدعم تنمية اليمن وتعافيه، وتساهم في إستقرار المنطقة.
* دعوة الاُمم المتحدة و الدول الراعية للتسوية باليمن بالملف لإتباع إستراتيجية شاملة طويلة المدى بشأن اليمن، تعالج الأسباب الجذرية لعدم الإستقرار .
* التأكيد على قيادة المجلس الرئاسي و الحكومة و مكونات الشرعية بضرورة اليقظة و مسايرة الأحداث و المسارعة في ضوئها لبناء و إصلاح المؤسسات الوطنية خاصة منها الجيش و الأمن و البنك المركزي لتكون على مستوى عالي من القوة و القدرة وفاعلية الأداء و تهيئة نفسها لمواجهة أي تقلبات قد يشهدها الموقف الدولي في ظل ما يعيشه الإقليم بالحرب على إيران و ما قد يتمخض عنها من صفقات .
*بورقة عمل تم تقديمها في ندوة مركز دراسات مستقبل اليمن المنعقدة بالقاهرة بتاريخ ١٦/يونيو ٢٠٢٦م
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news