في المشهد اليمني المزدحم بالصراعات والاستقطابات السياسية والعسكرية وحتى الولاءات، تبرز شخصيات استطاعت أن تحافظ على حضورها ومكانتها رغم تقلبات الأحداث وتعاقب المراحل.
عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود أحمد الصبيحي يأتي في مقدمة تلك الشخصيات التي ارتبط اسمها بالمؤسسة العسكرية وبمحطات مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، الأمر الذي جعلها محط احترام واسع لدى قطاعات كبيرة من اليمنيين، وفي الوقت ذاته أصبح هدفاً لحملات سياسية وإعلامية متكررة تسعى للنيل من مكانته الوطنية.
وخلال الأيام الأسابيع الأخيرة تصاعدت بعض الأصوات التي تحاول تستهدف الفريق الركن محمود الصبيحي والتشكيك في دوره ومواقفه، في حملات يرى مراقبون أنها لا يمكن فصلها عن الثقل السياسي والعسكري والشعبي الذي يمثله الرجل، ولا عن حضوره المتنامي داخل المشهد الوطني باعتباره أحد أبرز القادة الذين دفعوا ثمناً شخصياً كبيراً نتيجة تمسكهم بمواقفهم الوطنية.
قائد تشكل في الميدان
لا يُنظر إلى محمود الصبيحي باعتباره مجرد مسؤول شغل مناصب عسكرية رفيعة، بل كأحد القادة الذين صنعوا تجربتهم من الميدان قبل أن يصلوا إلى مواقع القيادة.
الرجل تدرج في السلك العسكري على مدى عقود طويلة، وتولى قيادة عدد من الوحدات والتشكيلات العسكرية المهمة، واكتسب خبرات ميدانية واسعة جعلته من أبرز القيادات العسكرية اليمنية. وعندما تم تعيينه وزيراً للدفاع عام 2014 كانت البلاد تمر بمرحلة استثنائية تتسم بضعف مؤسسات الدولة وتصاعد التهديدات الأمنية والعسكرية.
ومنذ تلك اللحظة ارتبط اسمه بإدارة واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث، حيث واجهت الدولة تحديات غير مسبوقة تمثلت في تمدد مليشيا الحوثي وسيطرتها على مؤسسات الدولة ومحاولاتها فرض واقع جديد بالقوة.
موقف تاريخي في لحظة فارقة
يرى كثير من المراقبين أن المحطة الأبرز في مسيرة الصبيحي تمثلت في موقفه خلال الأحداث التي شهدتها البلاد عام 2015.
فعلى الرغم من اتساع رقعة المواجهات وتدهور الأوضاع الأمنية والعسكرية، رفض مغادرة مواقع المواجهة أو التخلي عن قواته، مفضلاً البقاء في الميدان في وقت كان كثيرون يبحثون عن النجاة الشخصية.
وظل الصبيحي في خطوط المواجهة حتى وقع في الأسر لدى مليشيا الحوثي، في حدث ترك صدى واسعاً داخل اليمن وخارجها، باعتباره أول وزير دفاع عربي يقع في الأسر أثناء أدائه لمهامه العسكرية.
وبالنسبة لكثير من اليمنيين، شكل ذلك الموقف دليلاً على تمسك الرجل بمسؤولياته الوطنية والعسكرية، وعلى استعداده لتحمل التبعات الشخصية دفاعاً عن الدولة والجمهورية.
سنوات الأسر.. اختبار الصمود
قضى الفريق الركن محمود الصبيحي قرابة ثماني سنوات في الأسر، وهي فترة طويلة كان يمكن أن تؤدي إلى غياب أي شخصية عن المشهد العام، إلا أن ما حدث كان مختلفاً تماما ...
خلال سنوات احتجازه ظل اسمه حاضراً بقوة في الوعي الشعبي، وتحول إلى رمز للصمود والثبات بالنسبة لقطاع واسع من اليمنيين الذين رأوا في تجربته نموذجاً للتضحية من أجل الوطن.
وكانت قضيته حاضرة باستمرار في مختلف المحافل السياسية والإعلامية والحقوقية، إلى أن تم الإفراج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى التي جرت عام 2023، في مشهد استقبله اليمنيون باهتمام واسع عكس حجم المكانة التي يتمتع بها الرجل.
عودة عززت الحضور الوطني
لم تكن عودة الصبيحي إلى الحياة العامة بعد الإفراج عنه مجرد عودة شخصية لمسؤول سابق، بل مثلت عودة لرمز عسكري ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ اليمن.
فقد حظي باستقبال واسع، وتم تكريمه وترقيته إلى رتبة فريق ركن، قبل أن يتم اختياره عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وهو ما اعتبره كثيرون تقديراً لدوره الوطني وخبرته العسكرية الطويلة.
وأعادت هذه الخطوات اسمه إلى صدارة المشهد السياسي والعسكري، وجعلته جزءاً من عملية صناعة القرار في مرحلة تواجه فيها البلاد تحديات معقدة على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
لماذا يتعرض للهجوم؟
يرى مراقبون أن تصاعد الهجمات ضد الفريق الركن محمود الصبيحي لا يرتبط بأخطاء أو مواقف طارئة بقدر ما يرتبط بجملة من العوامل السياسية والعسكرية والشعبية التي جعلت منه شخصية مؤثرة في المشهد اليمني.
ومن أبرز هذه العوامل:
- امتلاكه رصيداً وطنياً واسعاً يتجاوز الانقسامات الحزبية والمناطقية، الأمر الذي يمنحه مساحة قبول لدى شرائح مختلفة من المجتمع.
- تمتعه بحضور شعبي واضح في المحافظات الجنوبية، إلى جانب احترام واسع داخل المؤسسة العسكرية نتيجة تاريخه المهني الطويل.
- تمسكه بمفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، ورفضه الانخراط في المشاريع الضيقة التي تقوم على أسس فئوية أو مناطقية.
- اعتباره شخصية توافقية قادرة على بناء جسور التواصل بين مكونات سياسية وعسكرية متعددة.
- عودته إلى دائرة التأثير وصناعة القرار من خلال عضويته في مجلس القيادة الرئاسي، وهو ما أعاد حضوره بقوة إلى الساحة السياسية.
شخصية وطنية جامعة
ويشير متابعون إلى أن ما يميز الفريق الركن محمود الصبيحي هو أنه من الشخصيات القليلة التي ما تزال تحظى بدرجة عالية من الاحترام لدى أطراف مختلفة رغم حالة الانقسام التي تعيشها البلاد.
فالرجل لا يُعرف بخطاب تصعيدي أو بمواقف تدفع نحو الانقسام، بل ارتبط اسمه بالدعوة إلى تعزيز دور الدولة ومؤسساتها والحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الرئيسي للاستقرار.
ولهذا السبب يرى البعض أن استهدافه لا يتعلق بشخصه فقط، بل يعكس أيضاً رفض بعض الأطراف لأي شخصية تمتلك مشروعاً وطنياً جامعاً أو تحظى بقبول يتجاوز حدود الانتماءات الضيقة.
بين حملات التشويه وشهادة التاريخ
على امتداد التاريخ السياسي والعسكري في مختلف الدول، غالباً ما كانت الشخصيات ذات الحضور الواسع عرضة لحملات التشويه والاستهداف، خصوصاً عندما تمتلك رصيداً شعبياً أو تاريخاً نضالياً يصعب تجاهله.
وفي الحالة اليمنية، يبدو أن الفريق الركن محمود الصبيحي يواجه جزءاً من هذه المعادلة، حيث تتزامن حملات الهجوم عليه مع تنامي حضوره في المشهد العام واستمرار النظرة إليه باعتباره أحد أبرز القادة الذين دفعوا ثمناً شخصياً كبيراً نتيجة مواقفهم الوطنية.
ومهما اختلفت المواقف السياسية تجاهه، فإن سجل الرجل العسكري وتجربة أسره الطويلة ومواقفه خلال أصعب مراحل الأزمة اليمنية تظل حقائق يصعب تجاوزها أو محوها من الذاكرة الوطنية.
في المحصلة، يرى كثير من المراقبين أن الحملات التي تستهدف الفريق الركن محمود أحمد الصبيحي لا تعبر عن تراجع مكانته بقدر ما تعكس حجم تأثيره وحضوره في الحياة العامة.
الرجل الذي واجه الانقلاب، ورفض مغادرة الميدان، وقضى سنوات طويلة في الأسر، عاد ليشغل موقعاً متقدماً في قيادة الدولة، محتفظاً بصورة القائد الذي دفع ثمناً باهظاً مقابل مواقفه.
وبينما تستمر محاولات الاستهداف والتشكيك، يبقى التاريخ الشخصي والمهني للفريق الركن محمود الصبيحي أحد أبرز عناصر القوة التي يستند إليها في مواجهة تلك الحملات، فيما تظل شهادته في الميدان أكثر حضوراً وتأثيراً من أي سجال سياسي أو إعلامي عابر.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news