لأن التعليم ليس مجرد قطاع خدمي، بل هو خط الدفاع الأول عن مستقبل الأمم، والضمانة الحقيقية لبناء الإنسان وصناعة التنمية والاستقرار. واليوم يقف اليمن أمام واحدة من أخطر الأزمات التعليمية في تاريخه الحديث، حيث لم تعد تداعيات الحرب والنزاع مقتصرة على تدمير المباني والمنشآت، بل امتدت لتطال عقول الأطفال، ومستقبل الأجيال، وفرص التنمية والسلام في البلاد.
ومن هذا الإدراك تنطلق المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن باعتبارها استجابة وطنية شاملة لإنقاذ رأس المال البشري اليمني، وإعادة الاعتبار للتعليم بوصفه أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل. فإعادة بناء المدارس وحدها لا تكفي، ما لم تترافق مع إعادة بناء المعلم، والمناهج، والقيم، والبيئة التعليمية، وضمان حق كل طفل يمني في تعليم آمن وعادل وعصري.
وفي هذا السياق، تستند المبادرة إلى قراءة واقعية لحجم الأزمة التعليمية الراهنة ومبررات التحرك العاجل، والتي يمكن تلخيصها في الآتي:
ثانياً: سياق الأزمة ومبررات التحرك
يمرّ التعليم في اليمن بمرحلة هي الأصعب والأخطر في تاريخه الحديث؛ فالحرب والنزاعات لم تدمّر البنية التحتية والمباني المدرسية فحسب، بل امتدت شظاياها لتهدد عقل الإنسان اليمني نفسه، وتفكيره، وفرصه في الحياة، وقيم تعايشه ومستقبله ككل.
منطلق التحرك
تتحرك المبادرة لمواجهة واقع استثنائي يهدد رأس المال البشري لليمن، حيث تشير البيانات والمؤشرات إلى جملة من التحديات الخطيرة، أبرزها خروج أكثر من 4.5 مليون طفل من المدارس، بما يعادل نحو 39% من إجمالي الأطفال في سن الدراسة، واستمرار الفجوة التعليمية بين الريف والحضر.
كما يواجه القطاع أزمة حادة في الكادر التعليمي، إذ يعيش أكثر من 171 ألف معلم ومعلمة دون رواتب منتظمة منذ عام 2016، الأمر الذي دفع أعداداً كبيرة من الكفاءات إلى مغادرة المهنة وأضعف استدامة العملية التعليمية.
وتعاني المناهج الدراسية من حالة جمود معرفي وتقادم مزمن نتيجة عدم تحديثها منذ عقود، بالتوازي مع تعرضها لعمليات تسييس وإقحام للأجندات الأيديولوجية، ما أضعف حياديتها العلمية ورسالتها التربوية.
وتكشف مؤشرات التعلم عن أزمة أكثر خطورة، حيث يعجز نحو 95% من تلاميذ الصفوف الأولى عن قراءة أو فهم النصوص الأساسية، وهو ما يعكس مستويات مقلقة من فقر التعلم وتراجع التحصيل المعرفي.
وفي جانب البنية التحتية، تعرضت آلاف المدارس للتدمير أو الأضرار الجزئية والكاملة، فيما تحولت مئات المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين أو مواقع ذات استخدامات غير تعليمية، مما أفقدها دورها الطبيعي كبيئة آمنة للتعلم.
كما تفاقمت مخاطر الحماية وتجنيد الأطفال خلال سنوات النزاع، مع توثيق حالات واسعة لاستخدام الأطفال في أنشطة عسكرية، إضافة إلى تعرض العديد منهم لمخاطر الألغام ومخلفات الحرب أثناء تنقلهم إلى المدارس.
وأدى تراجع التعليم الحكومي إلى اتساع الفجوة بين التعليم الخاص والتعليم العام، بما أفرز طبقية تعليمية متنامية تهدد مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص بين أبناء المجتمع.
وفي الوقت نفسه، شهدت المنظومة التعليمية تراجعاً في دورها التربوي والقيمي نتيجة تغذية بيئات الانقسام والصراع، ما أضعف رسالتها في تعزيز المواطنة والسلام والتعايش.
أما على الصعيد التقني، فيعيش الطالب اليمني عزلة رقمية متزايدة في ظل ضعف البنية التحتية للاتصالات والكهرباء والإنترنت، بينما يتجه العالم بخطى متسارعة نحو اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يوسع الفجوة بين الأجيال اليمنية ونظرائها في العالم.
وتقود هذه التحديات مجتمعة إلى نتيجة خطيرة تتمثل في تهديد مستقبل رأس المال البشري اليمني، وزيادة هشاشة المجتمع، وتقويض فرص الاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار، وهو ما يجعل التحرك الوطني العاجل لإعادة بناء التعليم ضرورة وجودية لا خياراً سياسياً أو تنموياً فحسب.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news