لم يكن التغيير الذي شهده مجلس القضاء الأعلى خلال السنوات الأخيرة مجرد تبدل في الأسماء والمناصب، بل مثّل، وفق مراقبين ومصادر قضائية، جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل السلطة القضائية اليمنية، بما يتوافق مع موازين القوى الجديدة التي فرضتها الحرب، ويعكس تنامي نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي والداعم الإقليمي الأبرز له، دولة الإمارات.
وهذا النص جزء من تحقيق موسع أعدته منصة الهدهد حول التحولات التي شهدتها السلطة القضائية اليمنية خلال السنوات الأخيرة، وكيف تشكلت مراكز النفوذ الجديدة داخلها، والأدوار التي لعبتها شخصيات وجهات سياسية وإقليمية في إعادة رسم خريطة القضاء اليمني.
ويمكن الاطلاع على التحقيق كاملاً عبر الرابط
.
وتكشف تركيبة مجلس القضاء الأعلى عن حضور شخصيات يُنظر إليها باعتبارها قريبة من المجلس الانتقالي أو مدعومة من أبوظبي، من بينها رئيس المحكمة العليا علي الأعوش، والنائب العام قاهر مصطفى، والقاضية صباح علوان، التي تُعد من أبرز الوجوه المرتبطة بـ"نادي القضاة الجنوبي".
وترى أوساط قضائية أن مراكز الثقل داخل المجلس تتركز بصورة أساسية لدى هذه الشخصيات، وهو ما منح هذا المحور قدرة واسعة على التأثير في اتجاهات القرار القضائي، خصوصاً في القضايا والملفات ذات الحساسية السياسية، لتتحول المؤسسة القضائية تدريجياً إلى ساحة تعكس موازين النفوذ السياسي القائم أكثر مما تعكس استقلال السلطة القضائية.
ولم تمر هذه التحولات دون اعتراضات داخلية. فقد كان رئيس المحكمة العليا السابق القاضي حمود الهتار من أوائل الأصوات التي انتقدت هذا المسار، إذ وجّه قبيل إقالته انتقادات علنية لما اعتبره مخالفة للدستور وإضعافاً لاستقلال القضاء، في واحدة من أكثر الإشارات وضوحاً إلى طبيعة التحولات الجارية داخل المؤسسة القضائية.
غير أن عملية إعادة تشكيل النفوذ لم تتوقف عند مستوى مجلس القضاء الأعلى، بل امتدت إلى المحافظات، حيث بدأت آثارها تظهر في القرارات القضائية والإدارية اليومية.
ففي محافظة حضرموت برزت قرارات وصفها قضاة وحقوقيون بأنها "عقابية"، استهدفت قضاة طالبوا بحقوق مالية أو شاركوا في تحركات مطلبية، وشملت عزل ونقل عدد من رؤساء المحاكم، من بينهم رئيس محكمة شرق المكلا عبدالله بلفقيه، ورئيس محكمة غيل باوزير سالم الهدار، ورئيس محكمة ريدة الشرقية رأفت باشامخة.
وفي أواخر عام 2024، كشفت بيانات صادرة عن قضاة في حضرموت عن تعرض عدد منهم لضغوط وتهديدات مباشرة، شملت اتصالات هاتفية وتحريك أطقم عسكرية باتجاه الوقفات الاحتجاجية، إضافة إلى إجراءات إدارية مثل إيقاف المرتبات وإلغاء العقود.
ووفق تلك البيانات، فإن هذه الممارسات عكست مستوى غير مسبوق من التدخل في عمل السلطة القضائية، وانتقال التأثير من الضغوط الإدارية التقليدية إلى ما يشبه فرض موازين قوة داخل المؤسسة نفسها.
وفي هذا السياق، ترى تقديرات قضائية أن المجلس الانتقالي تمكن، عبر مجلس القضاء الأعلى، من بسط نفوذ واسع داخل المنظومة القضائية في حضرموت قبل تحركاته السياسية والميدانية في المحافظة، وهو ما يعزز فرضية وجود ترابط بين التوسع في النفوذ القضائي والتحولات السياسية والعسكرية اللاحقة، ويضع كثيراً من القرارات القضائية ضمن سياق أوسع يتجاوز الإطار القانوني البحت.
ولفهم آلية تشكل القرار داخل هذه المنظومة، تتجه الأنظار إلى عدد من الشخصيات التي يُنظر إليها باعتبارها مفاتيح النفوذ داخل المؤسسة القضائية. وفي مقدمة هذه الأسماء يبرز النائب العام قاهر مصطفى، الذي تشير معلومات حصلت عليها "الهدهد" إلى امتلاكه شبكة علاقات واسعة داخل القضاء، إلى جانب ارتباطات عملية مع المجلس الانتقالي والإمارات تعود إلى فترة توليه رئاسة نيابة الاستئناف في عدن خلال سنوات الحرب.
وتتهمه مصادر قضائية بلعب دور محوري في إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل المؤسسة، وممارسة ضغوط منظمة داخل المنظومة القضائية بما يعزز حضور التيار المقرب من الانتقالي داخل المحاكم والنيابات، ويجعله أحد أبرز الفاعلين في رسم التوازنات الداخلية للقضاء اليمني خلال السنوات الأخيرة.
وتضيف معطيات قضائية أخرى أن قاهر مصطفى، الذي عُيّن في سبتمبر/أيلول 2015 رئيساً للجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، لعب دوراً مؤثراً في تعطيل مسار التحقيقات المتعلقة بالانتهاكات والجرائم المنسوبة للمجلس الانتقالي ضمن إطار عمل اللجنة الوطنية.
وبحسب هذه المعطيات، فقد قام مصطفى بعد نحو عامين من تعيينه باستقدام القاضية صباح علوان من النيابة العامة وتعيينها عضواً في اللجنة الوطنية، وهو المنصب الذي ما تزال تشغله حتى اليوم. وتُتهم علوان بأنها كانت من أبرز الأصوات الرافضة للاعتراف بالانتهاكات المنسوبة للمجلس الانتقالي، بما في ذلك نفي وجود السجون السرية، رغم التقارير الحقوقية المحلية والدولية التي وثقت هذه القضية على مدى سنوات.
كما تفيد المعلومات بأن عدداً من القضاة اليمنيين سافروا إلى دولة الإمارات عام 2015، وكان من بينهم القاضي قاهر مصطفى والقاضية صباح علوان. وينظر بعض المتابعين إلى تلك الزيارة باعتبارها إحدى المحطات المبكرة في مسار بناء شبكة العلاقات التي ساهمت لاحقاً في إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل السلطة القضائية اليمنية، في سياق أوسع يرى منتقدون أنه أفضى إلى إعادة هندسة القضاء بما يتوافق مع التوازنات السياسية والعسكرية الجديدة التي أفرزتها الحرب.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news