كيف تحولت البيانات إلى سلاح يغير مصير الدول؟

كيف تحولت البيانات إلى سلاح يغير مصير الدول؟

في سباق لا تسمع فيه أصوات المدافع ولا ترى فيه الدبابات، تتشكل ملامح حرب عالمية جديدة تدور رحاها في أعماق البحار وغرف الخوادم ومختبرات التكنولوجيا المتقدمة. إنها "حرب الشيفرة"، حيث أصبحت البيانات الخام المورد الأكثر قيمة في العالم، وتحولت الكابلات البحرية والرقائق الإلكترونية ومراكز تخزين المعلومات إلى أسلحة إستراتيجية لا تقل أهمية عن الترسانات العسكرية التقليدية.

ويكشف تقرير لقناة الجزيرة أن الصراع الدولي لم يعد يقتصر على التنافس للحصول على المعلومات، بل تجاوز ذلك إلى السيطرة على البيانات نفسها، التي باتت توصف بـ"النفط الجديد". وتسعى الدول إلى امتلاك الأدوات والتقنيات التي تطورها الشركات العملاقة للتنقيب في هذه البيانات وتحليلها، بهدف بناء ترسانة رقمية قادرة على توفير رؤى إستراتيجية تساعد في توجيه القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

ويرى خبراء أن جذور هذه الحرب ليست حديثة العهد كما قد يبدو للوهلة الأولى. ويؤكد الخبير في الشؤون الأمنية والسيبرانية جوزيف فيتساناكيس أن مفهوم حرب البيانات أو حرب التكنولوجيا موجود منذ اختراع التلغراف في القرن التاسع عشر، إلا أن ما تغير جذريا هو حجم البيانات وسرعة انتقالها والقدرات الهائلة المتاحة اليوم لتحليلها واستغلالها.

من جانبه، يوضح جاستن شيرمان، مدير في مؤسسة إستراتيجيات الأمن السيبراني، أن الدول مارست عمليات التنصت على شبكات الاتصالات منذ أكثر من قرن. ويشير إلى أن الحكومة البريطانية استغلت في أواخر القرن التاسع عشر شبكات التلغراف التي كانت تسيطر عليها لجمع البيانات والتنصت على الاتصالات، في نموذج مبكر للصراع على المعلومات الذي تطور لاحقا إلى حرب رقمية عالمية.

وبحسب التقرير، بدأت الملامح الأولى لهذا الصراع مع مد أول كابل اتصالات بحري عبر المحيط الأطلسي بين بريطانيا والولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الوقت تحولت الكابلات الممتدة في قاع البحار إلى شرايين حيوية للاقتصاد العالمي والاتصالات الدولية، وفي الوقت نفسه إلى أهداف إستراتيجية تستخدم في التجسس وجمع البيانات والتأثير في موازين القوى بين الدول.

تسليح الكابلات البحرية

وشكلت الحرب العالمية الأولى محطة مفصلية في تاريخ تسليح الكابلات البحرية، إذ سارعت بريطانيا مع اندلاع الحرب إلى قطع الكابلات الألمانية، في خطوة هدفت إلى عزل خصمها وإجباره على استخدام قنوات اتصال بديلة يسهل مراقبتها.

ويستعيد فيتساناكيس تلك المرحلة موضحا أن الحكومة الألمانية اضطرت بعد قطع كابلاتها البحرية إلى الاعتماد على الكابلات الدبلوماسية الأمريكية لإرسال رسائلها، وهو ما أتاح للبريطانيين اعتراض إحدى أشهر البرقيات في التاريخ، وهي برقية وزير الخارجية الألماني آرثر زيمرمان.

وكانت تلك البرقية تتضمن دعوة للمكسيك للتحالف مع ألمانيا مقابل وعود باستعادة أراض أمريكية فقدتها سابقا. وعندما كشفت الرسالة للرأي العام الأمريكي، أسهمت بشكل كبير في دفع الولايات المتحدة إلى دخول الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي غير مسار الصراع وأعاد رسم موازين القوى الدولية.

ويشير الخبراء إلى أن هذه الحادثة التاريخية تقدم نموذجا واضحا لكيفية تحول البنية التحتية للاتصالات إلى سلاح إستراتيجي. فبحسب فيتساناكيس، فإن قطع كابل بحري لا يهدف بالضرورة إلى تعطيل الاتصالات فقط، بل قد يكون وسيلة لإجبار الخصم على استخدام وسائل اتصال أكثر عرضة للتنصت والاختراق.

واليوم، وبعد أكثر من قرن على تلك الأحداث، تبدو الحرب أكثر تعقيدا واتساعا. فبدلا من برقيات التلغراف، تتدفق تريليونات البيانات عبر شبكات الألياف الضوئية والكابلات البحرية العملاقة التي تنقل معظم حركة الإنترنت العالمية. وأصبحت السيطرة على هذه الشبكات، إلى جانب امتلاك الرقائق الإلكترونية المتطورة ومراكز البيانات وتقنيات الاتصالات اللاسلكية، جزءا أساسيا من معادلات القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين.

وبينما تواصل الدول الاستثمار في جيوشها التقليدية، تتشكل في الخفاء جبهة أخرى للصراع العالمي، عنوانها البيانات وسلاحها التكنولوجيا، حيث لم يعد الانتصار مرتبطا فقط بما تمتلكه الدول من أسلحة، بل أيضا بما تستطيع جمعه وتحليله والسيطرة عليه من بيانات.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

قرار "سري" للعليمي بتعيين قيادة جديدة للاستخبارات.. هل يجدد نفوذ "الانتقالي"؟

الهدهد اليمني | 296 قراءة 

بدء الحصار على مأرب وسط ترحيب شعبي واسع

كريتر سكاي | 284 قراءة 

حديث سعودي يحسم مصير الانتقالي ويكشف حقيقة عودته بعدن

كريتر سكاي | 273 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الأول من محرم إجازة رسمية لكافة موظفي الدولة

حشد نت | 226 قراءة 

الف ريال على كل غرابي في عدن

كريتر سكاي | 188 قراءة 

مناشدة يمنية للأشقاء في المملكة: إعادة النظر في رسوم تجديد الإقامة حفاظاً على استقرار أكثر من نصف مليون أسرة

البلاد نت | 181 قراءة 

اليمن: التحقيق في ملابسات العثور على امرأة متوفاة داخل فندق بمدينة عدن

يمن فيوتشر | 180 قراءة 

البخيتي والمقطري يتبادلان الاتهامات في سجال حاد حول قضية علي عشال

عدن الغد | 166 قراءة 

قطر تخصص تذاكر مجانية للجمهور اليمني لكأس العالم (تفاصيل)

كريتر سكاي | 161 قراءة 

شرطة الشيخ عثمان تفتح تحقيقًا في ملابسات وفاة داخل أحد فنادق عدن

الوطن العدنية | 142 قراءة