ذاكرة تُمحى… ووطن يُعاد تعريفه

ذاكرة تُمحى… ووطن يُعاد تعريفه

*عزالدين سعيد الأصبحي:

**انشغل العالم بحربٍ لا مستقرّ لها. ولم نعد نتحدث عن السلام في المنطقة، وقضية الشعب الفلسطيني، والحشد العالمي من أجل غزة.

ولكن أهم ما يلفت النظر حول موضوع الحشد العالمي للسَِلم لأجل غزّة أمران:

الأول: غياب إسم فلسطين عن طاولة اللقاءات، كأن الوطن كلمةٌ زائدة يمكن حذفها من دون أن يختلّ المعنى.

الثاني: الإصرار الضمني من البعض على التخلّص من الشعب الفلسطيني، حتى يبدو المشهد أرضاً بلا أصحاب، وذاكرةً بلا شهود.

يُركَّز على غزّة كأنها مدينةٌ هبطت من مدارٍ آخر، لا جزءاً من فلسطين، ولا من الجغرافيا العربية، ولا من نبض التاريخ.

يعقد الاجتماع وينفضّ، ولا حديث عن شعبٍ ووطن؛ نتحدث عن تطويرٍ وتنسيقٍ وإزالة ألغام، ثم ننزلق إلى صراعات تفاصيل أهداف الشركات، حول العقارات والأمن والخدمات، فتتساقط مفردات الحقوق والعودة وأهل الأرض كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة.

أما الأمر الثاني فقد بدأ بالفعل: التوقّف عن ذكر الفلسطينيين، أو حتى الغزّيين؛ أي بدء نسيان البشر أنفسهم. وسنستيقظ قريباً (كما يحلم العابرون)، على لغةٍ تتحدث عن أرضٍ بلا سكان، وكأن الناس كانوا تفصيلاً عابراً في الهامش.

لقد بدأت الحكاية منذ سنوات، حين ركّز الإعلام العربي — بوعيٍ موجَّه — على قضية غزّة لا قضية فلسطين؛ حين استُبدل “الشعب الفلسطيني” بعبارة “سكان غزّة”، من حينها ضاقت مساحة الضوء لتكشف جزءاً من جرح القطاع فقط، ويترك الجسد الفلسطيني كله في العتمة.

وبينما نحن نحدّق في الركام وسط غزة، لا نرى كيف تُخطف الضفة بصمت.

هناك تُدار العملية بقسوةٍ باردة:

 مصادرةٌ الحقوق القانونية،

 إلغاءٌ سياسيٌّ ممنهج، تشويه التاريخ، وفرضُ واقعٍ أشدُّ قسوةً من الحرب ذاتها.

في الضفة والقدس يُراد للقضية أن تموت في زاويةٍ مهملة، في ركنٍ من الظلام، من دون أن يلتفت أحد.

 بجرّة قلم يُقتل الناس، يُسجنون، تُهدم بيوتهم، وتُمحى عناوينهم من الذاكرة،

بلا صورةٍ معبرة في الإعلام، ولا صدىً في الضمير الدولي.

حملات كثيفة من التضليل تريدنا أن نبقى في عالمٍ مواز، يقول لنا الإعلام الدولي إنه قريباً سيُقدَّم “مجلس غزّة”. صورةٌ خياليةٌ أخرى.

 سيُقدَّم بصفته مشروعاً لقطعة أرضٍ مطلّة على المتوسط الجميل، بأسواقٍ مدهشة وأبراج بورصة، وساكنين جددٍ بربطات عنقٍ زاهية وحقائبٍ جلدية محشوّة بعقود المناقصات، لا بقصائد الصمود ولا بوثائق ملكية الأرض.

هكذا يُراد لغزّة أن تتحوّل من رئة الوطن الفلسطيني إلى شركةٍ دولية… لا أكثر.

أما السكان، فيعاد صوغ مصيرهم عبر الترحيل القسري أو “الطوعي”،

والاستيعاب في الجغرافيا المتناثرة والمنافي البعيدة، وفتح معابرٍ للهجرة والشتات

أو مقابرٍ جديدة حتماً.

وإن بقي بعضٌ من الصامدين، فسيُراد لهم أن يكونوا بقايا للذكرى، مثل ظلٍّ بعيدٍ لقبائل الهنود الحمر. وحتى من دون صورة المحارب الهندي الأحمر، سنكون من دون رماحٍ للطعن ولا خيولٍ للكرّ،

 مجرّد نشاطٍ رمزيٍّ لبعض المجتمع المدني، بلا أدوات مقاومةٍ أو حضورٍ فعلي.

هذه ليست صورةً متخيّلة، بل حلمٌ معلنٌ يردّده الطامعون بغزّة. رؤيةٌ تنعكس في ذهنية الكاوبوي الذي يختصر المشهد بلقطةٍ مكرّرةٍ شهيرة من أفلام الإثارة، بحيث يسير وحزام مسدسه يتدلّى على خصره، يمتصّ عقب سيجارته حتى آخر نفس، ثم يرميه خلفه ليحرق به آخر خيام الصمود.

لكن ما يغيب عن أصحاب هذه الرؤية — أو ما لا يريدون تصديقه — أن فلسطين ليست كسائر بقاع الأرض. ليست مجرد أرضٍ خلاء.

 ينسون أن موقع هذه الخيام مهبطٌ للديانات السموية، بل موطنُ شعبٍ تعلّم أن يقف وحيداً في وجه أعاصير الغزاة. مكرراً بصبر الواثقين

“خذوا حصّتكم من دمنا وانصرفوا”.

لقد مرّت على هذه الأرض غزواتٌ وحملات، وخلّفت الحملات خراباً يفوق ما نراه اليوم، ثم ذهبت إلى زوال، وبقي أطفال فلسطين يحرسون الحجارة والجبال والسماء. ويعيدون من كومة الخراب مدناً للصمود.

تلك هي معادلتنا، وما يجعلنا مُصابين بـ”عدوى الأمل”. ونقول إن بين هذا الركام ما يستحق الحياة.

 “عشبٌ عَلَى حجرٍ،

 أُمَّهاتٌ تَقِفْنَ عَلَى خَيْطِ نايٍ,

 وخوفُ الغُزَاةِ مِنَ الذِّكْرياتْ”.

أما عدا ذلك، فنخجل أن ننظر إلى مرايا الصباح العربي حين يشرق الضوء ممزوجاً بالخوف.

*سفير بلادنا لدى المملكة المغربية الشقيقة

** نقلا عن جريدة النهار اللبنانية

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

جريمة بشعة تهز عدن .. العثور على امرأة مقتولة داخل أحد الفنادق

كريتر سكاي | 312 قراءة 

قرار "سري" للعليمي بتعيين قيادة جديدة للاستخبارات.. هل يجدد نفوذ "الانتقالي"؟

الهدهد اليمني | 276 قراءة 

بدء الحصار على مأرب وسط ترحيب شعبي واسع

كريتر سكاي | 249 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الأول من محرم إجازة رسمية لكافة موظفي الدولة

حشد نت | 219 قراءة 

الف ريال على كل غرابي في عدن

كريتر سكاي | 175 قراءة 

اليمن: التحقيق في ملابسات العثور على امرأة متوفاة داخل فندق بمدينة عدن

يمن فيوتشر | 175 قراءة 

البخيتي والمقطري يتبادلان الاتهامات في سجال حاد حول قضية علي عشال

عدن الغد | 156 قراءة 

قطر تخصص تذاكر مجانية للجمهور اليمني لكأس العالم (تفاصيل)

كريتر سكاي | 156 قراءة 

مناشدة يمنية للأشقاء في المملكة: إعادة النظر في رسوم تجديد الإقامة حفاظاً على استقرار أكثر من نصف مليون أسرة

البلاد نت | 153 قراءة 

شرطة الشيخ عثمان تفتح تحقيقًا في ملابسات وفاة داخل أحد فنادق عدن

الوطن العدنية | 135 قراءة