قررتُ أن أَزورَ نفسي!

قررتُ أن أَزورَ نفسي!

“الوحدة التي تعيشها في مدينة، وأنت محاط بالملايين من البشر. قد يعتقد البعض أن هذه الحالة مناقضة لأسلوب الحياة في المدينة، للحضور البشري الهائل من حولك، ولكن القرب المادي وحده لا يكفي لتبديد الشعور الداخلي بالعزلة. إنه من الممكن- والسهل حتى- أن تشعر بأنك بائس ومهجور وأنت محاط بالآخرين. بإمكان المدن أن تتحول إلى أماكن وحيدة، وباعترافنا هذا سنتمكن من اكتشاف أن الشعور بالوحدة لا يقتضي بالضرورة الانعزال الجسدي، بل يقتضي غياب أو ندرة العلاقة، القرب العطف: إن الشعور بالوحدة يأتي من عدم القدرة، لسبب أو لآخر، على العثور على القدر المراد من الألفة”.

ذهبت بي المؤلفة أوليفيا لاينغ، في كتابها المدينة الوحيدة (مغامرات في فن البقاء وحيدًا) لاستكشاف عوامل العزلة، في المساحات المعاصرة لعالمنا. في السنوات العشر الأخيرة، شَهَدتْ الجغرافيا اليمنية تحولات كارثية، حَالتْ بين الناس والألفة التي كان عليهم أن يصبغونها على مدنهم وقراهم. فلشخص أنفق سبعًا من العشرية الأخيرة في عاصمة البلاد، تكفي زيارة واحدة لمسقط الرأس، أو لمناطق التماس الحربي، لتعرف كيف غيّر القتال شروط العيش والعلاقات الإجتماعية.

عِشتُ في مدينة تعز لما يقارب من تسعة أعوام أي في الفترة من 2001 إلى 2009، فتعرفت على مأزقها سريعًا؛ الماء والزحام، ما جعل منها جسرًا معبّدًا لعبور الناس إلى العاصمة صنعاء. أنا أيضًا عبرتُ مع الحشد، لكن إلى مدينة يعتور تآلفك معها، قابليتها للاجتياح. ليمني غادر صنعاء بعد العام 2014، من المستحيل أن يتعرف على شيء هنا، إلا من جهة كونها مدينة تتمتع بهواء نظيف وطقس نادر. لقد تبعثر النسيج الأهلي وتشتتْ خيوطه، حتى لكأن المرء بإمكانه أن يتخذها نموذجًا لكيف للمدن أن تذهب باتجاه العزلة طواعيةً.

أخرجُ كل ظهيرة إلى الشوارع. كل شيء يبدو على حاله، كما تركتهُ آخر دولة مرت من هنا. محلات تجاربة، بائعو خضروات وفواكه، عربيات لبيع الخردة اليومية، وحافلات نقل عام، لكن ما يتحول بين كل هذا، هو الإنسان. مزاجه، وشعوره الخائب بالانتماء. تقول: ما أجملها من مدينة لو أنها لنا. ثم تذهب لإكمال روتينك اليومي المتخم بالتكرار.

في السنتين الأخيرتين توطدتْ الصلة بيني وبين دكتور وأديب يمني معروف. شخصية هادئة ومرهفة، ويكتنفها العزلة. في سنوات ما قبل الحرب، كانت العزلة تأخذ طابعًا رومانسيًا، فكل مثقفي اليمن، من البردّوني إلى المقالح إلى هاشم علي، شاب سلوكهم نوع من العزلة المفهومة، لكن اعتناقها في سنوات الحرب، لا يعدو عن كونها شيء من أمرين: البحث في مناطق الحماية، أو التكفير عن ذنب العمل في المجال العام.

بين وقت وآخر، أطرق باب صديقي الدكتور؛ فيفتح لي بنفسه؛ بسمته الهادئ. فقد اختار العيش وحيدًا، في شقته الجامعية، رغم زواجه. فُتنتُ بمقدرته صناعة روتين يومي يخلو من الضجيج، ومزاجه الصافي الذي يمكّنه ترتيب كل شيء ووضعه في مكانه. أحسبني- خاطئًا – على علاقة وطيدة، بهذه السيكيولوجية الخجلى، إذ تحتفظ بهدوئها الخارجي، لموارة تلك الحالة من الصخب التي تعصف بداخلها، فينعكس كل ذلك على هيئة كراكيب وفوضى مكانية؛ لكن لصديقي قول آخر.

يحرص على جلب عيدان قليلة من القات، وعند الخامسة يكون مقيله قد انتهى، ما يستدعي منّا مغادرته باكرًا. ينهض ويعد لنفسه كوبًا من النسكافيه، ويتحرك برشاقة جالبًا كتابًا وآخذًا آخر. ما الذي تفعله بتلك السجادة؟ سألته.

ينهض عند الثالثة فجرًا، ويستخدمها- أي السجادة- في جلسات علاج يومي بواسطة اليوغا. لقد عانى سنوات من آلام ضاربة في الظهر، وصار عليه أن يدوام على شكل من العلاج بالتأمل. ما أعني من كل هذا، هو أنه أشاد عالمه، وأثثه على العزلة. إنه لا يزال يتذكر المرة التي فتح فيها حسابًا له في مواقع التواصل الاجتماعي، وراعه الكم الهائل من تحول الناس في حياته الافتراضية تلك نحو العدوانية والنفاق، فأغلق على نفسه هذه النافذة سريعة، لإنه ليس بحاجة إليها.

“العالم لم يزرني

فقررتُ أن أزور نفسي”.

تقول الشاعرة الأمريكية المخضرمة إيميلي دكينسون.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

قرار "سري" للعليمي بتعيين قيادة جديدة للاستخبارات.. هل يجدد نفوذ "الانتقالي"؟

الهدهد اليمني | 323 قراءة 

بدء الحصار على مأرب وسط ترحيب شعبي واسع

كريتر سكاي | 320 قراءة 

حديث سعودي يحسم مصير الانتقالي ويكشف حقيقة عودته بعدن

كريتر سكاي | 308 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الأول من محرم إجازة رسمية لكافة موظفي الدولة

حشد نت | 235 قراءة 

تعيين مثير للجدل.. العليمي يمنح منصباً رفيعاً لضابط سبق أن هاجم الحكومة وجيشها

موقع الجنوب اليمني | 224 قراءة 

الف ريال على كل غرابي في عدن

كريتر سكاي | 204 قراءة 

مناشدة يمنية للأشقاء في المملكة: إعادة النظر في رسوم تجديد الإقامة حفاظاً على استقرار أكثر من نصف مليون أسرة

البلاد نت | 199 قراءة 

شرطة الشيخ عثمان تفتح تحقيقًا في ملابسات وفاة داخل أحد فنادق عدن

الوطن العدنية | 147 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الاول من محرم إجازة رسمية 

شمسان بوست | 128 قراءة 

مكافأة منتظرة للنجم المغربي إسماعيل صباري بعد هدفه التاريخي أمام البرازيل

حشد نت | 100 قراءة