البحر الأحمر على صفيح ساخن: دعوات لتنسيق إقليمي شامل لإنقاذ الأمن والتجارة
كشفت التطورات المتسارعة في اليمن والسودان والصومال عن حاجة ملحّة إلى تنسيق إقليمي واسع بين الدول المطلة على البحر الأحمر، في ظل تحوّل الأزمات المحلية إلى صراعات معقدة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية. وأصبحت هذه النزاعات تمثل تهديداً مباشراً لأمن الملاحة البحرية واستقرار المنطقة بأكملها، خاصة مع استمرار تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي، والخلاف المصري الإثيوبي حول مياه النيل، والمساعي الإثيوبية للوصول إلى البحر.
ويؤكد خبراء أن الهدف الأساسي لهذا التنسيق يجب أن يتمثل في استعادة الأمن والاستقرار، إلى جانب دعم التجارة والاستثمار، وتعزيز التنمية المستدامة، وحماية البيئة البحرية، بما يسهم في بناء منظومة أمنية متكاملة قادرة على حماية أحد أهم الممرات المائية في العالم.
وقد انعكست حالة عدم الاستقرار بشكل واضح على حركة التجارة الدولية، حيث تراجعت معدلات العبور في البحر الأحمر وقناة السويس بصورة حادة، بعد تصاعد الهجمات على السفن منذ أواخر عام 2023. وأدى ذلك إلى اضطرار شركات الشحن إلى سلوك طرق أطول وأكثر تكلفة حول القارة الأفريقية، ما تسبب في ارتفاع تكاليف النقل وتأخر الإمدادات العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن حجم التجارة عبر مضيق باب المندب انخفض في عام 2025 إلى نحو ثلث مستوياته قبل الأزمة، فيما تراجعت حركة المرور في قناة السويس إلى أقل من النصف مقارنة بعام 2023. كما باتت السفن العملاقة تتجنب المرور عبر المنطقة، في ظل المخاطر الأمنية المتزايدة.
ولا يقتصر التهديد على التجارة فقط، إذ يمثل البحر الأحمر شرياناً رئيسياً لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا وأسواق أخرى، حيث كانت تمر عبره قبل الأزمة نحو 9.2 مليون برميل يومياً. ويثير تدهور الأوضاع الأمنية مخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.
وفي الوقت الذي استعادت فيه الحكومة اليمنية السيطرة على بعض المناطق الاستراتيجية، لا تزال أجزاء واسعة من الساحل تحت سيطرة الحوثيين، ما يبقي المخاطر قائمة. كما أسهمت تطورات الأوضاع في السودان، والتوترات في الصومال، في تعقيد المشهد الأمني، إلى جانب تنامي تهديدات الإرهاب والقرصنة والاتجار بالبشر والمخدرات.
وتشهد المنطقة في المقابل وجوداً عسكرياً أجنبياً مكثفاً، خاصة في جيبوتي، حيث تتواجد قواعد للولايات المتحدة والصين وفرنسا ودول أخرى، إضافة إلى عمليات بحرية دولية تهدف إلى تأمين الملاحة. ورغم أهمية هذه الجهود، يؤكد مراقبون ضرورة أن تقود دول المنطقة بنفسها مسار التنسيق والتكامل، ضمن رؤية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية المؤقتة.
وفي هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية كطرف محوري مؤهل لقيادة هذا التنسيق، نظراً لامتلاكها أطول ساحل على البحر الأحمر، وثقلها الاقتصادي، وعلاقاتها التاريخية مع دول الإقليم. كما أن استثماراتها الكبرى في السياحة والتجارة ضمن “رؤية 2030”، واستعدادها لاستضافة فعاليات عالمية كبرى، تجعل من استقرار البحر الأحمر أولوية استراتيجية قصوى.
ويجمع خبراء على أن أمن البحر الأحمر لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل قضية دولية تتطلب تحركاً عاجلاً ومنسقاً، لضمان حماية التجارة العالمية، وتأمين إمدادات الطاقة، والحفاظ على استقرار واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
د. عبد العزيز العويشق هو الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات بمجلس التعاون لدول الخليج العربية. الآراء الواردة هنا شخصية ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر المجلس.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news