الميعنة.. صوت الأرض ووجدان الإنسان في إب الخضراء

الميعنة.. صوت الأرض ووجدان الإنسان في إب الخضراء

بشرى العامري:

تُعدّ الميعنة أحد الوجوه النادرة للتراث اليمني الأصيل، وفناً شعبياً عميق الجذور ارتبط بالأرض والإنسان في محافظة إب، ولا سيما في المنطقة الوسطى، الممتدة من مديريات السدة والنادرة، مروراً بوادي بنا والعود، وصولاً إلى مخلاف الشِعر. هناك، حيث الخضرة الدائمة والحقول المتدرجة والوديان المفتوحة على السماء، وُلد هذا الفن وتشكّل بوصفه لغة وجدانية يتواصل بها الإنسان مع أرضه ومع ذاته.

الميعنة ليست مجرد موال أو أهزوجة عابرة، بل هي حالة شعورية كاملة، تصدح منذ اللحظات الأولى للفجر بين الحقول والسهول، خصوصاً في موسم العَلان، ذلك الموسم الزراعي المفصلي الذي يمثل فاصلاً زمنياً بين الصيف والخريف. في هذا الموسم، وأثناء خلع أوراق الذرة قبل الحصاد، يعلو صوت المزارع – رجلاً كان أو امرأة – ليبوح بما يختلج في صدره من مشاعر صادقة، دون تكلف أو تصنّع.

في الميعنة، يتجاور الحب مع الفقد، والاشتياق مع الحكمة، وتطل الذكريات القديمة محمّلة بحكايات الغربة التي اشتهر بها أبناء هذه المناطق، حيث الهجرة بحثاً عن الرزق كانت قدراً متوارثاً. تتحول الميعنة هنا إلى سجل شفهي للوجدان الجمعي، تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، وأوجاع الفراق، وحنين الأرض لمن غادروها، وأحلام البسطاء التي لم تُكتب في كتب، لكنها حُفرت في الذاكرة بالصوت والنغمة.

هذا الفن هو الاقرب لفن الملالة المعروفة في مناطق اليمن المختلفة خاصة تعز ،حيث تشبه ملالة تعز بالفكرة ومضمون الموال وأداء النساء للحن الشجي

ويمتاز هذا الفن بعفويته المطلقة؛ فلا مسرح له سوى الحقل، ولا جمهور سوى الطبيعة المفتوحة. ومع ذلك، فإن تأثيره بالغ العمق، إذ يحمل نغماً شجياً قادراً على لمس الروح، حتى لمن لا ينتمي إلى المكان. وعندما تنتقل الميعنة من الحقول إلى المناسبات الاجتماعية، كالأعراس أو اللقاءات الشعبية، يرافقها المزمار، ليمنحها بعداً احتفالياً، دون أن يفقدها بساطتها الأولى أو صدقها العاطفي.

الميعنة، بهذا المعنى، ليست فناً غنائياً فحسب، بل جزء من هوية ثقافية متكاملة، تعكس علاقة الإنسان اليمني بأرضه، وبالمواسم، وبالعمل الزراعي الذي لم يكن مجرد مصدر رزق، بل أسلوب حياة. وهي شاهد حي على قدرة المجتمعات الريفية على تحويل التعب اليومي إلى جمال مسموع، وعلى صون ذاكرتها الجمعية عبر الصوت.

وفي زمن تتسارع فيه مظاهر الحداثة، وتبهت فيه الكثير من الملامح التراثية، تظل الميعنة واحدة من الكنوز الثقافية المهددة بالنسيان، ما يستدعي توثيقها وحمايتها، بوصفها إرثاً إنسانياً يعكس روح إب الخضراء، ويجسد أصالة اليمن، حيث كان الصوت دائماً أصدق تعبير عن الإنسان والأرض والحياة.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

قرار "سري" للعليمي بتعيين قيادة جديدة للاستخبارات.. هل يجدد نفوذ "الانتقالي"؟

الهدهد اليمني | 318 قراءة 

بدء الحصار على مأرب وسط ترحيب شعبي واسع

كريتر سكاي | 311 قراءة 

حديث سعودي يحسم مصير الانتقالي ويكشف حقيقة عودته بعدن

كريتر سكاي | 304 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الأول من محرم إجازة رسمية لكافة موظفي الدولة

حشد نت | 232 قراءة 

تعيين مثير للجدل.. العليمي يمنح منصباً رفيعاً لضابط سبق أن هاجم الحكومة وجيشها

موقع الجنوب اليمني | 219 قراءة 

الف ريال على كل غرابي في عدن

كريتر سكاي | 200 قراءة 

مناشدة يمنية للأشقاء في المملكة: إعادة النظر في رسوم تجديد الإقامة حفاظاً على استقرار أكثر من نصف مليون أسرة

البلاد نت | 195 قراءة 

شرطة الشيخ عثمان تفتح تحقيقًا في ملابسات وفاة داخل أحد فنادق عدن

الوطن العدنية | 144 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الاول من محرم إجازة رسمية 

شمسان بوست | 127 قراءة 

مكافأة منتظرة للنجم المغربي إسماعيل صباري بعد هدفه التاريخي أمام البرازيل

حشد نت | 96 قراءة