تقرير خاص – يمن ديلي نيوز:
لم يكن سقوط المدن اليمنية تباعًا بيد الميليشيات حدثًا عسكريًا مفاجئًا أو نتيجة تفوق ميداني بقدر ما كان ثمرة سلسلة من القرارات السياسية الخاطئة، والرهان القاتل على الحياد في لحظات كان يُفترض فيها الانحياز الواضح للدولة والجمهورية.
فمن عمران إلى صنعاء، ومن شبوة وسقطرى وصولًا إلى حضرموت، يتكرر المشهد ذاته: حملات تشويه منظمة تستهدف القيادات الموالية للدولة الجمهورية، يعقبها تغيير إداري أو عسكري بدعوى التهدئة أو التوافق، ثم اجتياح سريع يطيح بالمؤسسات ويرفع أعلام الميليشيا.
في هذا التقرير يتتبع “يمن ديلي نيوز” بالوقائع والشهادات، كيف تحوّل “الحياد” من خيار سياسي مُعلن إلى أداة ناعمة مكّنت جماعات مسلحة من إسقاط الدولة، وكشف كيف دفعت اليمن ثمن الخلط بين التوافق والضعف، وبين الحكمة والتنازل، في واحدة من أخطر مراحل تاريخها الحديث.
قبل سقوط صنعاء
بينما كانت جماعة الحوثي المصنفة إرهابية تتأهب لاجتياح محافظة عمران عام 2014 كان نشطائها وأنصارها والموالون لها يشنون هجوماً شديد اللهجة على محافظها الراحل الذي كان يشغل منصباً قيادياً في حزب الإصلاح اليمني، تدعو لإقالته لتجنيب المحافظة السقوط بيد جماعة الحوثي بمبرر محاربة الإصلاح والإخوان.
كانت الرئاسة اليمنية بقيادة عبدربه منصور هادي حينها تخيفها تلك الأطروحات وتسارع مباشرة للاستجابة لمثل هذا التبريرات، وهو الأمر الذي تحقق فيما بعد بتعيين محافظ جديد لعمران هو محمد صالح شملان، منتصف يونيو/حزيران 2014 الذي اعتبر حلاً وسطاً بين الحكومة والحوثيين.
كان الأمل لدى ساسة الحكومة اليمنية في صنعاء بهذا التعيين أن يتخلى الحوثيون عن إسقاط محافظة عمران، لكن الحوثيين اعتبروا التعيين أول انتصاراتهم نحو اجتياح المحافظة، فقد كثف الحوثيون هجومهم وحشدوا أنصارهم وبدأوا هجوماً مسلحاً على نقاط ومعسكرات الجيش والأمن.
رفع الحوثيون لافتة إعلامية جديدة لإسقاط محافظة عمران عسكرياً، وشن نشطائها وقوتها الناعمة في صنعاء، هجوماَ شديد اللهجة ضد اللواء 310 الذي وصموه بالإخواني، كما شنوا هجوماً شديد اللهجة على قائده حميد القشيبي ساهمت فيه قوى حزبية وسياسية.
وصفوا حميد القشيبي بالتكفيري والداعشي والإرهابي، واتهموه بالتمرد على قرارات رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي بترك منصبه، وغيرها من الاتهامات التي اتضح فيما بعد عدم صحتها، وكانت تتصدر الهجمة حينها صحيفة الشارع والأولى واليمن اليوم.
في 8 يوليو/تموز 2014 أي بعد شهر كامل من إبعاد المحافظ محمد حسن دماج من منصبه كمحافظ عمران، قتل القشيبي، وأصبحت المحافظة عسكرياً بيد الحوثيين، على عكس ماكان متوقعاً من قرارات التغيير التي تماشت مع مطالب المحايدين.
قوة الحياد الناعمة التي استخدمها الحوثيون والموالون لها حينها لم تكن وحدها التي قتلت القشيبي، فالقشيبي دفع ثمن الحياد الذي سلكته نخبة من قيادات الدولة والأحزاب السياسية، في صنعاء والتي لم تتعامل مع الحوثيين كجماعة متمردة خارجة عن الدولة.
وصل وزير الدفاع محمد ناصر أحمد رسمياً إلى منصبه في 14 فبراير/شباط من العام 2006 بقرار جمهوبي أصدره الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، لكنه كان يشغل منصب الوزير ضمنيا منذ العام 2001 عقب إعفاء “صالح” للوزير عبدالملك السياغي من منصبه.
كان معيار التعيين له هو كفاءته الإدارية والحياد تجاه الجميع، وخلال توليه لهذا المنصب، سقطت صعدة وحجة والجوف وعمران وصولاً إلى صنعاء، حيث ظهر قبيل سقوط صنعاء إلى جانب القائد العسكري للحوثيين علي أبو الحاكم ضمن ما أطلق عليها تطبيع الأوضاع بعد سيطرة الحوثيين على محافظة عمران.
أقدم الحوثيون على قتل القائد العسكري حميد القشيبي وإسقاط اللواء 310 دون إسناد عسكري حقيقي من وزارة الدفاع حينها، وفق تقرير خبراء مجلس الأمن الدولي للعام 2015 الذي قال إن المؤسسة العسكرية عند سقوط عمران وصنعاء أصيبت بالشلل ونخاذل القيادات العليا.
انتقل الحوثيون لإسقاط صنعاء وكانت اللافتة إسقاط الجرعة السعرية، وإسقاط الإخوان وجامعة الإيمان وبيت الأحمر، وهي اللافتة التي قوبلت برضى كثير من المحايدين وأنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي اتخذ موقفاً مساندا للحوثيين حينها.
إلى جانب وزير الدفاع اليمني كان محايداً آخر يشغل منصب رئيس جهاز الأمن السياسي، هو جلال الرويشان، والذي كان يعول عليه أيضا استخدام جهازه لحماية الدولة من السقوط، إلا أن الجهاز ذاته اتخذ موقف الحياد تجاه سقوط العاصمة، وكان من أوائل الأجهزة الأمنية التي تسلمها الحوثيون عند سقوط العاصمة.
عقب سقوط صنعاء خرج الرويشان عن حياده، وأصبح مطلب الحوثيين لشغل منصب وزير الداخلية، وهو الأمر الذي تحقق في إصدار قرار بتعيينه في هذا المنصب في 7 نوفبمر/تشرين الثاني 2014.
في مقابلة مع قائد الشرطة العسكرية وقائد العمليات الخاصة الأسبق مجلي مجيديع المرادي، مع بودكاست اليمن نشرت مؤخراً قال إن من أدخل الحوثي إلى صنعاء هي ثلاثة عوامل رئيسية هي مكر علي عبد الله صالح، وسذاجة عبدربه منصور هادي، وتواطؤ وزير الدفاع محمد ناصر أحمد.
وفي مقال نشره نائب وزير الإعلام اليمني حسين باسليم في 18 سبتمبر/أيلول 2025 عن سقوط التلفزيون الرسمي بيد الحوثيين، حيث كان حينها رئيساً للقطاع، كشف عن أنه لم يتلق أي توجيهات من أي من قيادات الدولة بالاستمرار أو المغادرة، وأنهم تركوا يواجهون مصيرهم.
تحدث عن خذلان وصدور توجيهات قاصرة، ساعدت الحوثيين في إسقاط التلفزيون، كما تحدث عن صمود قوات التلفزيون والموظفين، حتى بلغ بهم الأمر إلى أنهم لم يحصلوا على الطعام والماء.
ويتداول عسكريون كانوا يتواجدون في معسكر التلفزيون قبل سقوطه بيد الحوثيين أن وزير الدفاع محمد ناصر أحمد زارهم قبل ساعات من سقوطه وبعد صمود استمر ثلاثة أيام، وسأل الجنود حينها قائلاً: ليش عادكم جالسين؟ بمعنى لماذا لاتتركوا مواقعكم.
ساعات فقط وسقط معسكر التلفزيون في صنعاء بيد الحوثيين، وسقط معها وزير الدفاع محمد ناصر أحمد، كما سقط كل من اتخذ موقف الحياد تجاه الحوثيين.
ومن القرارات التي ساهمت في سقوط صنعاء تعيين محمد يحيى
الحاوري
قائداً للمنطقة العسكرية السادسة، خلفاً لعلي محسن الأحمر، ليس وفقاً لمعايير الولاء الوطني، وإنما لمعايير من ضمنها أنه محايد ومقبول لدى الحوثيين.
شرقاً وبينما كان الحوثيون ينتشرون في المحافظات بكل سلاسة وسهولة، بعملية أشبه باستلام وتسليم، وبينما أصبحت جميع المناطق العسكرية بيد الحوثيين، وقفت واحدة من المناطق العسكرية للجيش اليمني ضد تمدد الحوثيين وأعلنت موقفاً صريحاً رافضة التسليم للحوثيين.
لعبت المنطقة الثالثة التي كان يقودها محمد علي المقدشي وبعده عبدالرب الشدادي دورًا محوريًا وحاسمًا في إفشال مشروع الحوثيين للسيطرة على محافظة مأرب، وخاضت مع المجتمع المحلي معركة استمرت سبع سنوات حتى إبريل من العام 2022، فشلت خلالها جماعة الحوثي في إسقاط المحافظة.
موقف المنطقة الثالثة الواضح والصريح حرم الحوثيين من أهم أدواتهم المتمثلة في القوة الناعمة والاختراق من الداخل، حيث حاول الحوثيون دخول مأرب تحت شعارات سياسية وقبلية وأيضاً شعارات مواجهة الإرهاب والقاعدة.
شبوة وسقطرى
قد يكون المحايدون رافضين لتسليم الدولة للميليشيات، لكنهم لايحملون الحصانة الكافية تجاهها لذا تسقط المدن بكل سهولة عند أول تحرك للميليشيات المناهضة لها، فهم ينظرون للدولة من زاوية المصلحة الشخصية. كما يقول مناهضو حكومة التكنوقراط.
ففي 26 ديسمبر/كانون الأول 2021 أصدر الرئيس السابق عبدربه منصور هادي قراراً بتعيين محافظ بديل لمحافظ شبوة حينها محمد صالح بن عديو، الذي أعفي من منصبه بعد حملة هجومية شديدة اللهجة قادها المجلس الانتقالي، ركزت على اتهامه بانتمائه للإخوان وهي التهمة التي نجحت في دغدغة أصحاب القرار.
ظل العلم الوطني علم الدولة اليمنية مرفوعاً في شبوة ولم يسقط منذ 2015 وحتى إقالة “بن عديو” وظلت مؤسسات الدولة وقوات الجيش والأمن ترفع العلم في كل المؤسسات والنقاط الأمنية والعسكرية.
بعد تعيين عوض بن الوزير محافظاً لشبوة، اتخذ المحافظ موقفاً محايداً تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي والتحركات الانفصالية، الأمر الذي أغرى الانتقالي في تشكيل قوات أطلق عليها قوات دفاع شبوة، خارج إطار وزارة الدفاع وبدعم من الإمارات العربية المتحدة.
قادت هذه الميليشيات حملة عسكرية ضد قوات الحكومة اليمنية الجيش والأمن، وتمكنت من طردها، وتبنى المحافظ حينها موقفاً مسانداً لهذه القوات التي تسيطر حالياً على المحافظة.
تم إنزال العلم الوطني من المنشئات الحكومية في شبوة ومن نقاط التفتيش، ومن كل الدوائر الحكومية، ونشرت قوات دفاع شبوة مقاطع إهانة مسيئة للعلم الوطني، أثارت استياء شعبيا واسعا، في حين أعلن محافظها دعمه لاجتياح قوات الانتقالي الجنوبي لمحافظتي حضرموت والمهرة مؤخراً قبل أن يتراجع عقب التغير في خارطة المعركة لصالح الحكومة اليمنية.
وفي 31 يوليو/تموز 2022 أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قراراً أعفى فيه محافظة سقطرى الموالي للحزب الاشتراكي اليمني، من منصبه، وعين محافظاً محايداً، رغم أنه ظهر في تصريحات مساندة لجماعة الحوثي في العام 2015 على قناة المسيرة.
أقيل رمزي محروس بعد حملة إعلامية شرسة قادها المجلس الانتقالي، استهدفت شخصه واتهمته بموالاة الإخوان المسلمين، حيث كان يرفض بشكل صريح التدخلات الإماراتية في الجزيرة، ويرفض مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي.
وكما لم يسقط العلم الوطني في شبوة كان العلم الوطني في سقطرى محافظاً على صموده في جميع مؤسسات الدولة لم يسقط، برغم كل الضغوط التي واجهها رمزي محروس، لإعلان الولاء للانتقالي والبقاء في منصبه.
عين “العليمي” رأفت الثقفي محافظاً لسقطرى، لأن موقفه غير صدامي، أو “محايد” مع العلم أنه كان يوالي الانتقالي الجنوبي، وبعد التعيين لم يصمد العلم الوطني، وبدأت الإمارات في الاستفراد بجزيرة سقطرى والسيطرة الكلية عليها، وأصبح وجود اليمن والانتقالي الجنوبي فيها إسماً فقط.
حضرموت والمنطقة الأولى
يلحظ المتتبع لسقوط المحافظات والمعسكرات أنه وقبل سقوط أي محافظة أو معسكر يسبقه قرار تغيير للقيادات الوطنية، استجابة لضغوط الميليشيات وقواها الناعمة التي تستبق مخطط إسقاط المدن بحملات تشويه تستهدف قياداتها “الوطنية” وهو ماحصل في حضرموت.
فبعد حملات تشويه كبيرة استهدفت قائد المنطقة الأولى، استجاب العليمي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2024 لتلك الضغوط وقرر إعفاء قائد المنطقة صالح محمد طيمس الرافض لدخول ميلشيات الانتقالي وادي حضرموت، وتعيين صالح الجعيملاني بدلاً عنه.
ذات السيناريو الذي استبق سقوط عمران وصنعاء، تكرر في إسقاط المنطقة العسكرية الأولى ومحافظتي حضرموت والمهرة بيد ميليشيا الإنتقالي، حيث كان موقف قائد المنطقة العسكرية الأولى غير واضح ولم يظهر سوى قبل يوم واحد من سقوط المنطقة.
وفي عدن كان هناك وزير دفاع، محسن الداعري، يرتدي البزة العسكرية للجيش اليمني، لكنه لم يعلن أي موقف تجاه سقوط قواته بيد ميليشيا الانتقالي، بل عقد صبيحة اليوم التالي لسقوط المنطقة الأولى اجتماعاً مع رئيس المجلس الانتقالي قائد القوات المتمردة.
وتداول نشطاء أن وزير الدفاع كان يرفض دخول قوات الانتقالي، لكنه في المقابل واجه تهم أنه أغلق تلفونه، وغادر عدن إلى مصر للمشاركة في فعالية عسكرية، تزامناً مع التحشيدات الكبيرة للانتقالي لاجتياح المنطقة الأولى ومديريات وادي حضرموت والمهرة.
لم يصدر الداعري أي موقف علني، تجاه تطورات حضرموت والمهرة، مؤملاً أن المشهد العسكري سيظل كما هو، وأن حياده سيجعله مستمراً في منصبه كوزير للدفاع، إلا أن التدخل السعودي كان مفاجئاً للجميع وغير كل الحسابات.
جدل الكفاءة والمحاصصة
ومنذ نحو أسبوع تسود الشارع اليمني حالة من الجدل على تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة، شائع الزنداني، هل ستكون حكومة تكنوقراط كفاءات، أو حكومة محاصصة، تتقاسمها الأحزاب السياسية، والمكونات المساندة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
ومصطلح حكومة تكنوقراط يعني حكومة يُختار أعضاؤها الوزراء على أساس الكفاءة والخبرة الفنية المتخصصة في مجالاتهم، لا على أساس الانتماء الحزبي أو السياسي، حيث يؤكد رئيس الحكومة على سيره في هذا الاتجاه الذي ترفضه الأحزاب.
ومع أن مصدراً حزبياً أفاد “يمن ديلي نيوز” أمس بأنه تم التوافق على اختيار حكومة كفاءات من الأحزاب السياسية، إلا أن الجدل مازال مستمراً حيث يطرح أنصار حكومة التكنوقراط أن حكومات المحاصصة فشلت في السابق ولابد من حكومة محايدة قائمة على الكفاءات.
وتؤكد الأحزاب السياسية الرافضة لتوجه رئيس الحكومة المدعوم بتأييد رشاد العليمي، أن حكومة بعيدة عن الأحزاب ستكون حكومة منفصلة عن المعركة الوطنية، ومعركة استعادة الدولة وأنها ستكون تكراراً للأخطاء التي وقعت فيها السلطة وأسهمت في تسليم الدولة للميليشيات.
مرتبط
الوسوم
قرار جمهوري،
محمد ناصر أحمد،
محسن الداعري،
المقدشي،
المهرة،
المجلس الانتقالي،
الشدادي،
جماعة الحوثي،
حضرموت،
رأفت الثقلي،
صنعاء،
عوض بن الوزير،
عدن،
نسخ الرابط
تم نسخ الرابط
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news