مليشيا الحوثي تخنق العمل الخيري وتنهب الصدقات: قمع ممنهج وابتزاز واسع في رمضان يمتد من صنعاء إلى تعز
تشهد مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية تصعيدًا خطيرًا وغير مسبوق في استهداف العمل الخيري خلال شهر رمضان، حيث كثّفت الجماعة تدخلاتها القسرية في أنشطة البر والإحسان، وفرضت منظومة معقدة من القيود والابتزاز حولت الصدقات من عمل إنساني تطوعي إلى مورد إجباري للنهب والسيطرة والتمويل غير المشروع. وبحسب مصادر واسعة في قطاع تجارة الجملة، فإن المليشيا شنت حملة منظمة لإخضاع التجار وأصحاب المبادرات الخيرية، مستخدمة الترهيب والتهديد والملاحقة الأمنية، في محاولة لإحكام قبضتها على كل أشكال المساعدات الإنسانية وتجفيف منابع الخير خارج سيطرتها.
الخبر الموسّع:
أكدت مصادر تجارية وحقوقية أن مليشيا الحوثي ذهبت بعيدًا في عدائها للعمل الخيري، إلى حد منع التجار من تقديم الصدقات مباشرة للفقراء والمساكين، رغم أن هذه الصدقات لا تمت للزكاة بصلة ولا تخضع لأي إطار قانوني أو مالي. واعتبرت المصادر أن هذه الإجراءات تمثل اعتداءً صارخًا على القيم الدينية والإنسانية، وانتهاكًا فاضحًا لحق الفقراء في الحصول على المساعدة، وتجسيدًا واضحًا لسياسة القمع المنهجي التي تنتهجها الجماعة ضد المجتمع.
وأوضحت المصادر أن تدخل مشرفي المليشيا لم يعد مقتصرًا على التنظيم أو الإشراف الشكلي، بل تحوّل إلى هيمنة كاملة على آليات التوزيع وقوائم المستفيدين، حيث يُجبر التجار على إدخال أسماء محددة في الكشوفات بنسبة مفروضة، مقابل السماح لهم بتنفيذ أي نشاط خيري. ويؤدي هذا التدخل السافر إلى حذف عشرات الأسر الأشد فقرًا من القوائم، واستبدالها بأسماء موالية للجماعة أو محسوبة على دوائر النفوذ، في عملية تلاعب فجّة تحرم المستحقين من حقوقهم وتحوّل الصدقات إلى أداة للمكافأة السياسية والاجتماعية.
وللعام السادس على التوالي، تواصل مليشيا الحوثي فرض وصايتها القسرية على المساعدات الإنسانية في مناطق سيطرتها، مانعة أي توزيع مستقل، ومجبرة التجار والفاعلين الخيريين على العمل عبر لجان تابعة لها، وتحت رقابة أمنية مشددة. ويرى مراقبون أن هذه السياسة تهدف إلى إخضاع المجتمع وتفكيك شبكات التكافل الاجتماعي، وتحويل العمل الخيري إلى نشاط مركزي خاضع للأجندة الأمنية والمالية للجماعة.
وقال مصدر مقرّب من أحد كبار تجار الجملة في أمانة العاصمة إن المكتب الإشرافي للجماعة أبلغهم بلهجة تهديد واضحة أن أي توزيع للمساعدات خلال رمضان يجب أن يتم بإشراف مباشر من لجان حوثية، وبحضور مندوبين عنها أثناء إعداد القوائم وتسليم السلال أو المبالغ النقدية. وأضاف أن أي محاولة لتجاوز هذه التعليمات تُقابل بإجراءات انتقامية تشمل الإغلاق القسري للمحال التجارية، وفرض غرامات مالية باهظة، وملاحقة أمنية قد تصل إلى الاعتقال.
وأكد مصادر متعدده أن مشرفين في عدد من أحياء صنعاء طالبوا التجار بتسليمهم كميات كبيرة من السلال الغذائية لتوزيعها “بمعرفتهم”، دون تقديم أي كشوفات رسمية أو تقارير توضح مصير تلك المساعدات. وأشارا إلى أن التجار يضطرون للاستجابة جزئيًا لتجنب المضايقات، وسط مخاوف واسعة من استغلال تلك السلال في الإثراء غير المشروع أو إعادة بيعها في الأسواق.
وفي سياق متصل، كشف مصدر يعمل في لجنة شؤون الأحياء أن تعليمات صارمة صدرت لعقال الحارات بضرورة الإبلاغ الفوري عن أي شخص يقوم بتوزيع مساعدات مالية أو عينية دون تصريح مسبق، مع تكليف أقسام الشرطة بملاحقة هؤلاء واحتجازهم. وأكد أن هذه الإجراءات حولت العمل الخيري إلى “جريمة” بنظر المليشيا، وأدخلت الرعب في نفوس المتبرعين والمتطوعين.
ويروي شاب من سوق باب السباح بصنعاء حادثة اختطافه عمليًا من الشارع أثناء توزيعه مبالغ أرسلها أقاربه من الخارج لمساعدة أسر فقيرة في الحي. وقال إن المشرف الحوثي اقتاده إلى قسم الشرطة، حيث صودرت الأموال التي بحوزته، وأُجبر على توقيع تعهد بعدم تكرار التوزيع، عقب تحقيق مهين استمر لأكثر من ساعة. واعتبر أن ما تعرض له يعكس حجم القمع والانتهاك الذي يطال أبسط مظاهر الإحسان في مناطق سيطرة الجماعة.
وفي إطار الابتزاز المنظم، قال أحد القائمين على مخيمات إفطار الصائمين في صنعاء إن الحصول على تصريح لإقامة المخيمات أصبح مشروطًا بتقديم حصص يومية للمشرفين، مشيرًا إلى أن عدد الوجبات المفروضة ارتفع تدريجيًا من 20 وجبة إلى 35 وجبة يوميًا. وأكد أن هذه الزيادة تكشف تنامي جشع الجماعة وتحول العمل الخيري إلى مورد ثابت للنهب المنظم.
وأكد تجار جملة في صنعاء وتعز والحديدة وإب أن المكاتب الإشرافية الحوثية ألزمتهم بتجهيز سلال غذائية كاملة، تتولى هي توزيعها على أسر القتلى والجرحى والمقاتلين في الجبهات، في حين يتم نقل هذه السلال إلى مخازن خاصة بالجماعة، بعيدًا عن أي رقابة أو شفافية. وأوضحوا أن هذه المخازن تخضع لإدارة مشرفين نافذين، ولا يُعرف مصير جزء كبير من محتوياتها.
وقال مصدر في الحديدة إن بعض تلك المخازن تظل مغلقة لفترات طويلة، بينما يتصرف بها مشرفون نافذون، كاشفًا عن إعادة بيع كميات من تلك السلال في الأسواق لاحقًا. وأضاف أن هذه الممارسات تمثل نموذجًا صارخًا للفساد والاستغلال المنهجي للمساعدات الإنسانية.
وامتدت هذه الانتهاكات إلى محافظة تعز، حيث تشكو مناطق خاضعة لسيطرة المليشيا من فرض القيود نفسها على العمل الخيري. وأكدت مصادر تجارية أن المشرفين الحوثيين في شمال وغرب تعز يمنعون أي مبادرات إنسانية مستقلة، ويفرضون قوائم جاهزة للمستفيدين، ويطالبون بحصص من المساعدات مقابل السماح بالتوزيع. وأدى ذلك إلى تعليق عدد من التجار أنشطتهم الخيرية بالكامل، بعد تعرضهم لسلسلة من التهديدات والمضايقات.
وقال مصدر في تعز إن هذه الممارسات حولت العمل الخيري إلى عبء ثقيل ومصدر خوف دائم، بدلًا من كونه رسالة إنسانية، مشيرًا إلى أن بعض المشرفين يتعاملون مع المساعدات كغنائم حرب، لا كحق أصيل للفقراء والمحتاجين. وأضاف أن هذه السياسة تعمّق معاناة السكان في محافظة تعاني أصلًا من أوضاع إنسانية كارثية بسبب الحرب والحصار والانقسام.
وأكد تجار أن المليشيا تمنعهم صراحة من تقديم الصدقات المباشرة للفقراء والمساكين، وتفرض بدائل قسرية تخدم مصالحها المالية والسياسية، في انتهاك صارخ لأحكام الدين ومبادئ التكافل الاجتماعي. واعتبروا أن هذه الممارسات تمثل تجريفًا ممنهجًا للقيم الأخلاقية، وتحويلًا للدين إلى أداة للجباية والابتزاز.
ويرى مراقبون أن هذه السياسات تكشف الوجه الحقيقي لمليشيا الحوثي، التي لا تتورع عن مصادرة لقمة الفقراء وتجفيف منابع الخير وتسخير العمل الإنساني لخدمة مشروعها العسكري والأمني. ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي، ويقضي على ما تبقى من روح التضامن، ويفاقم الأزمة الإنسانية التي يعيشها ملايين اليمنيين.
ويؤكد ناشطون أن ما يجري في مناطق سيطرة الحوثيين خلال شهر رمضان يمثل انقلابًا على كل القيم الدينية والأخلاقية، حيث تحوّل شهر الرحمة والتكافل إلى موسم للقهر والنهب المنظم، في ظل صمت دولي مخزٍ وتراجع كبير في الضغوط الحقوقية، ما يشجع الجماعة على المضي قدمًا في سياساتها القمعية دون رادع.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news