استقرار اليمن يبدأ من الشمال

استقرار اليمن يبدأ من الشمال

استقرار اليمن يبدأ من الشمال

قبل 18 دقيقة

تُدار النقاشات السياسية والإعلامية حول اليمن منذ سنوات وكأن الأزمة محصورة في المناطق الجنوبية فقط، حتى يتكوّن انطباع مضلل بأن الشمال يعيش خارج دائرة الخطر المباشر، أو أنه أقل إلحاحًا في معادلة الصراع. هذا التصوير المبتور لا يبتعد عن الحقيقة فحسب، بل يساهم عمليًا في إطالة أمد الحرب، لأن جوهر الأزمة اليمنية لم يكن يومًا في الأطراف، بل في المركز الذي انهارت فيه الدولة، واختُطفت مؤسساتها، وتمزقت منه وحدتها، وتحول إلى منصة تهديد للداخل والخارج معًا.

إن خراب اليمن بدأ من صنعاء، وأي مقاربة تتجاوز هذه الحقيقة إنما تؤجل الانفجار ولا تمنعه. فحين سقطت العاصمة صنعاء بيد عصابة مسلحة تحمل مشروعًا عابرًا للحدود، لم تسقط مدينة فحسب، بل سقط مفهوم الدولة ذاته، وتحول الشمال كله إلى ساحة مغلقة تُدار بمنطق السلالة والغلبة، لا بمنطق المواطنة والقانون.

ومنذ تلك اللحظة دخل اليمن نفقًا مظلمًا تشابكت فيه الأزمات الإنسانية بالسياسية، وتحول الصراع من خلاف داخلي قابل للحل إلى عقدة إقليمية ودولية مفتوحة. فالتركيز الحصري على الجنوب يغفل أن ما يجري هناك ليس إلا أحد تداعيات انهيار المركز، لأن الدول لا تتشظى من أطرافها ما لم يكن قلبها قد تهشّم أولًا. وعندما تُختطف الدولة في الشمال وتُدار بالقوة والإقصاء، يصبح الحديث عن استقرار أي جزء من اليمن حديثًا نظريًا بلا سند واقعي. فالشمال اليوم ليس خارج الصراع، بل هو بؤرته، ومصدر اختلاله، ونقطة انطلاق موجات عدم الاستقرار التي تضرب البلاد من أقصاها إلى أقصاها.

وفي قلب هذه المعادلة تقف مليشيات الحوثي، لا بوصفها طرفًا سياسيًا محليًا، بل كمشروع أيديولوجي مسلح ارتبط منذ نشأته بأجندة إيران الإقليمية. وهذا الارتباط حوّل الشمال إلى ورقة ضغط في صراعات أكبر من اليمنيين، وأفقد الأزمة طابعها الوطني لتصبح جزءًا من لعبة نفوذ دولية. ومن هنا لم يعد خطر هذا المشروع محصورًا داخل اليمن، بل تمدد ليهدد أمن المنطقة وخطوط الملاحة الدولية، ويضع العالم أمام معادلة أمنية معقدة لا يمكن تجاهلها.

ويكفي النظر إلى تجارب دول أخرى لفهم هذه الحقيقة. فالعراق لم يتفكك إلا بعد سقوط بغداد، وليبيا لم تغرق في فوضاها إلا حين فُقدت طرابلس كمرجعية وطنية، ولبنان لم يخرج من حربه الأهلية إلا بعد استعادة بيروت لدورها كمركز سياسي واقتصادي. هذه الشواهد تؤكد أن استعادة المركز هي المدخل الحقيقي لإعادة بناء الأطراف، وأن أي محاولة سلام تتجاهل هذه القاعدة محكومة بالهشاشة والانهيار.

إن التعايش مع واقع السلاح المنفلت والسلطة المفروضة بالقوة ليس حلًا، بل وصفة دائمة لحروب مؤجلة. والمطلوب هو تحرك وطني شامل، تتجاوز فيه القوى اليمنية حساباتها الضيقة، وتعيد تعريف المعركة بوصفها معركة تحرير الشمال، واستعادة الدولة ومؤسساتها، وإعادة العاصمة صنعاء إلى دورها الطبيعي كعاصمة لكل اليمنيين لا كمعسكر مغلق لفئة بعينها. فاستقرار اليمن ليس شأنًا داخليًا فقط، بل ركيزة من ركائز أمن الإقليم والعالم.

ومن هنا، فإن الطريق إلى يمن آمن يبدأ من تحرير الشمال، ومن استعادة صنعاء، ومن إعادة الدولة إلى مكانها الطبيعي. وأي قوة تتجاهل هذه الحقيقة اليوم ستجد نفسها غدًا شاهدة على ضياع ما تبقى من الوطن. دون ذلك، ستظل الحلول ناقصة، والتسويات هشة، وسيبقى الحديث عن وحدة واستقرار اليمن مجرد وعد مؤجل لا أكثر.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

تعيين مثير للجدل.. العليمي يمنح منصباً رفيعاً لضابط سبق أن هاجم الحكومة وجيشها

موقع الجنوب اليمني | 294 قراءة 

شاهد | حلقة جديدة من “ ميكرفون بران” | تعاطي النساء للقات.. كيف ينظر له اليمنيون؟

بران برس | 257 قراءة 

غموض مقتل شابة داخل فندق بعدن.. الأمن يكشف آخر المستجدات ويترقب تقرير الطب الشرعي

نافذة اليمن | 222 قراءة 

اول توضيح بشان مقتل شابة داخل فندق بعدن

كريتر سكاي | 170 قراءة 

(وين عشال)!!.. تفاصيل صادمة لتبادل اتهامات بين قائد جهاز مكافحة الإرهاببعدن السابق وناشط سياسي

موقع الأول | 152 قراءة 

بين المنصورة وخور مكسر.. لقطات وثقتها كاميرا ناشط تكشف سراً خطيراً يهدد أمن عدن!

جنوب العرب | 132 قراءة 

بعد وصول المنحة السعودية.. تفاصيل بالأرقام لساعات (اللاصي والطافي) لكهرباء عدن

موقع الأول | 129 قراءة 

القات يقود يمني إلى حبل المشنقة في مصر… ومحكمة الجيزة تحيل أوراقه لمفتي الجمهورية

شمسان بوست | 103 قراءة 

إغلاق أسواق القات في ساحل حضرموت

كريتر سكاي | 93 قراءة 

السعودية تزيح الستار عن إعدام يمني قصاصا بعد ارتكابه جريمة مروعة في مكة

نافذة اليمن | 89 قراءة