أكد مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في إحاطته المقدمة لمجلس الأمن الدولي، الأربعاء 14 يناير/ كانون الثاني 2026م، أن مستقبل جنوب اليمن لا يمكن لأي طرف تحديده أو فرضه بالقوة، محذراً من التداعيات المحتملة لأي اضطراب أمني أو سياسي في المنطقة.
وقال المبعوث الأممي في إحاطته خلال جلسة مجلس الأمن التي خصصت لمناقشة مستجدات الأوضاع في اليمن، اطلع عليها "بران برس"، إن اليمنيين بما فيهم كامل تنوع الرؤى الجنوبية قادرون على معالجة القضية الجنوبية المعقدة والمتجذرة منذ زمن طويل.
وأشار غروندبرغ إلى أن اليمن شهد خلال الأشهر الماضية سلسلة من التطورات السريعة والهامة التي أعادت تشكيل الديناميات السياسية والأمنية، مؤكداً أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ 2022 لم يضمن حالة استقرار دائمة، بل شكل نافذة مؤقتة تتطلب توجيهاً سياسياً مستداماً لتحويل هذا الاستقرار الهش إلى حل شامل ونهائي.
وقال إن التطورات المتسارعة في جنوب اليمن يمكن أن يختل بها هذا التوازن الهش، وأهمية إعادة ترسيخ العملية ضمن مسار سياسي موثوق، مؤكداً أن غياب نهج شامل يعالج تحديات اليمن العديدة بطريقة متكاملة سيظل خطر تكرار دورات عدم الاستقرار المزعزعة سمة ثابتة في مسار البلاد.
وأضاف إنه من خلال متابعته للتطورات التي شهدتها المحافظات الشرقية، بما فيها تصعيد قوات الانتقالي وما واجهته من رد عسكري من قبل القوات الحكومية، واصل انخراطه النشط مع المعنيين من خلال مناقشات معمّقة أجرها في كلٍ من القاهرة ومسقط والرياض للمساعدة على خفض التوترات ودعم مسار سياسي للمضي قدماً.
ورحّب غروندبرغ بالجهود الإقليمية والوطنية الرامية إلى معالجة التطورات الأخيرة عبر الحوار، مشيراً إلى أن التوصل إلى حلول مستدامة وملموسة لليمن لا يتطلّب فقط إرادة فاعلة من الأطراف اليمنية، بل يستلزم أيضًا دعماً إقليمياً موحّداً ومنسّقاً.
وشدد على أن مبادرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، "رشاد العليمي"، لعقد حوار جنوبي تستضيفه المملكة العربية السعودية، فرصة لبدء معالجة قضية الجنوب من خلال المشاركة السياسية، ما يعكس أهمية المداولات الداخلية الشاملة لبناء توافق في الآراء والتحضير لعملية سياسية على مستوى اليمن برعاية الأمم المتحدة.
وتابع أن دفع العملية السياسية نحو تسوية تفاوضية يتطلب من جميع الأطراف، بما في ذلك جماعة الحوثي المصنفة دولياً في قوائم الإرهاب، تجنب التصعيد في الخطاب أو الإجراءات، والانفتاح على الانخراط برعاية الأمم المتحدة في خطوات لبناء الثقة وعملية سياسية شاملة.
وأكد المبعوث الأممي أن تقييم هذه الجهود يجب أن يتم بناءً على مدى الاستجابة لاحتياجات اليمنيين اليومية، حيث يركزون على توفير الخدمات الأساسية، وصرف الرواتب، والحفاظ على حرية التنقل، وضمان عمل المؤسسات لصالح الشعب وليس لصالح فئات محددة.
وأشار إلى هشاشة الاقتصاد وتأثير أي اضطراب سياسي أو أمني قصير المدى على العملة الوطنية والعجز المالي، داعياً الحكومة إلى تحييد المؤسسات الاقتصادية، بما في ذلك البنك المركزي، عن النزاعات السياسية والأمنية، واستكمال أجندة الإصلاح الاقتصادي لاستعادة الثقة والاستقرار.
وشدد على أن التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية في اليمن مترابطة، وأن أي تقدم في قضية الجنوب مرتبط بمستقبل الدولة والترتيبات الأمنية والحوكمة الاقتصادية، مؤكداً أن الحل المستدام يكمن في عملية سياسية شاملة تتيح لليمنيين مناقشة القضايا والتفاوض بشأنها معاً.
وفي إحاطته تطرق المبعوث الأممي إلى اتفاق تبادل الأسرى بين الحكومة اليمنية المعترف بها وجماعة الحوثي المصنفة دولياً في قوائم الإرهاب، الذي جرى توقيعه في العاصمة مسقط، مؤكداً أنه مثال على ما يمكن أن تحققه الإرادة السياسية للمفاوضات السلمية.
وأوضح غروندبرغ أن الاجتماع، الذي جرى برعاية الأمم المتحدة، تضمن اتفاقاً على الإفراج عن عدد من المحتجزين على خلفية النزاع في المرحلة المقبلة، كخطوة أولى نحو الوفاء بالتزام الأطراف بالإفراج عن جميع المحتجزين وفق مبدأ "الكل مقابل الكل".
وأعلن أن الأطراف بدأت العمل على استكمال التنفيذ، بما في ذلك الاتفاق على أسماء المحتجزين، مشيراً إلى أن الاجتماع بعينه وبنتائجه المشتركة بعث بإشارة مهمة وجدد الأمل لدى العائلات في مختلف أنحاء اليمن.
وعبر المبعوث الأممي عن تقديره لسلطنة عُمان على استضافتها هذه المناقشات، ولجنة الصليب الأحمر الدولي على دورها الحيوي في العملية، مشدداً على أن مسؤولية الانتقال من الاتفاق إلى التنفيذ تقع بالكامل على عاتق الأطراف، وأن ما يعرقل الإفراجات هو الإرادة السياسية فقط.
وفي المقابل، أعرب غروندبرغ عن بالغ قلقه إزاء استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة وغيرهم من العاملين لدى جماعة الحوثي في صنعاء، داعياً إلى الإفراج الفوري عن هؤلاء الموظفين، وإلغاء الإحالات القضائية، كما شدد على أهمية استخدام النفوذ الإقليمي والدولي لضمان تنفيذ ذلك.
ونوه إلى أن جماعة الحوثي أقدمت مؤخراً على احتجاز موظفين إضافيين وإحالة بعضهم إلى محكمتها الجنائية الخاصة، وهو ما يقوّض قدرة الأمم المتحدة على العمل ويؤثر سلباً على الشعب اليمني الذي تم تكليفها بدعمه.
وبين المبعوث أن اليمن يمر بمرحلة تتطلب من قادته الاستثمار في السياسة والمؤسسات والمصلحة الوطنية، بدلاً من اللجوء إلى القوة والانقسامات، مشيراً إلى أن الدعم الموحد لمجلس الأمن للعملية السياسية التي تيسّرها الأمم المتحدة يعد إشارة قوية على جدوى هذا النهج.
وحذّر غروندبرغ من الانزلاق نحو صراع داخلي جديد، مشيراً إلى أن الفرصة متاحة الآن للتحرك نحو الاستقرار وعملية سلام شاملة، مع التأكيد على أن وحدة مجلس الأمن وممارسة نفوذه المنسق ستكون عاملاً حاسماً في توجيه اليمن نحو المسار الصحيح.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news