الجنوب بين توازنات القوة وانكسار الدولة

صوت العاصمة             عدد المشاهدات : 107 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الجنوب بين توازنات القوة وانكسار الدولة

كتب : سمية المشجري

يعيش الجنوب مرحلة سياسية معقدة، تتجاوز توصيف الأزمات التقليدية إلى حالة من إعادة التشكل القسري لمعادلة السلطة والنفوذ، في ظل غياب الدولة بمفهومها المؤسسي، وتنامي مراكز القوى التي تدير المشهد وفق توازنات محلية وإقليمية متشابكة.

لم يعد الجنوب ساحة صراع عسكري مفتوح كما في السنوات الأولى للحرب، بل تحوّل إلى مساحة صراع ناعم، تُدار فيه المعارك بالأدوات السياسية والاقتصادية أكثر من المدافع، وتُحسم فيه القرارات خلف الكواليس لا في ميادين المواجهة. هذا التحول لم يكن نتاج استقرار حقيقي، بقدر ما كان نتيجة إرهاق شامل أصاب جميع الأطراف، ودفعها للبحث عن صيغ مؤقتة لإدارة الواقع بدل حسمه.

في هذا السياق، تبرز حالة الازدواج في السلطة كأحد أخطر مظاهر المشهد الجنوبي؛ فالقوى المسيطرة ميدانيًا تمتلك النفوذ الأمني، لكنها تفتقر إلى بنية مؤسسية قادرة على تحويل هذا النفوذ إلى نموذج حكم مستقر، فيما تبدو الحكومة الشرعية حاضرة بالاسم وغائبة بالفعل، محكومة بقيود سياسية واقتصادية أفقدتها القدرة على الفعل والتأثير.

أما عدن، التي يُفترض أن تكون عاصمة الاستقرار ونقطة ارتكاز الدولة، فقد تحولت إلى مرآة تعكس عمق الأزمة. الخدمات المتدهورة، والضغوط المعيشية المتصاعدة، والانهيار الاقتصادي المتواصل، لم تعد مجرد أزمات طارئة، بل تحولت إلى نمط حياة يومي يهدد العقد الاجتماعي بين المواطن والسلطة. في ظل هذا الواقع، لم يعد الغضب الشعبي فعلًا احتجاجيًا بقدر ما أصبح حالة صامتة من السخط المتراكم.

الاقتصاد بدوره لم يعد مسألة معيشية فحسب، بل أصبح أداة سياسية بامتياز. فالعملة المنهارة، وغياب الرواتب المنتظمة، وتآكل القدرة الشرائية، كلها عوامل تُستخدم – بوعي أو بغير وعي – لإعادة تشكيل المزاج العام وتطويعه ضمن معادلات القوة القائمة. وهنا تتجلى أخطر مراحل الأزمة، حين يتحول المواطن من شريك في الدولة إلى عبء على معادلات النفوذ.

إقليميًا، لا يمكن فصل ما يجري في الجنوب عن التحولات الكبرى في المشهد الإقليمي. فالدعم الخارجي لم يعد مطلقًا، بل بات مشروطًا بالقدرة على ضبط الأرض وتفادي الانفجار. هذا التحول جعل الفاعلين المحليين أمام اختبار قاسٍ: إما الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الإدارة، أو الاستمرار في استنزاف الرصيد الشعبي حتى لحظة الانفجار.

المشهد الجنوبي اليوم لا يشير إلى حرب وشيكة بقدر ما ينذر بتآكل بطيء للاستقرار، حيث تتراجع الثقة قبل أن تتفجر الأزمات، ويصبح الاعتياد على الفشل أخطر من الفشل ذاته.

فالتاريخ لا يُكتب فقط بالمعارك الكبرى، بل أيضًا بلحظات الصمت التي تُهدر فيها الفرص.

في المحصلة، يقف الجنوب عند مفترق طرق حاسم: إما إعادة صياغة مشروع سياسي قادر على استيعاب التحولات وبناء عقد اجتماعي جديد، أو الاستمرار في إدارة الأزمة إلى أن تتحول إلى واقع دائم يصعب كسره. وفي الحالتين، فإن ما يجري اليوم لن يبقى محصورًا في الجغرافيا الجنوبية، بل ستكون له ارتداداته على مستقبل اليمن بأكمله.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

السعودية تستعد لبدء عملية عسكرية برية لتحرير اهم محافظة والحوثي يتحرك فوراً لعرقلة تقدم القوات

نافذة اليمن | 1369 قراءة 

هذا ما يفعله الحوثيون في صعدة بعد الكشف عن استعدادات عسكرية سعودية لعملية برية وبحرية

المشهد اليمني | 1173 قراءة 

أول رد حوثي على إعلان السعودية تشكيل تحالف تحالف بحري دفاعي لحماية أمن البحر الاحمر

المشهد اليمني | 894 قراءة 

حرب كبرى خلال ساعات!

العربي نيوز | 821 قراءة 

صحيفة أوروبية تكشف عن أول محافظة تستعد الشرعية لتحريرها في اليمن.. ليست الحديدة

كريتر سكاي | 616 قراءة 

الغارديان: السعودية تستعد لهجوم بحري وربما بري ضد الحوثيين

يمن فيوتشر | 597 قراءة 

اعلان سعودي عسكري عاجل

العربي نيوز | 566 قراءة 

زعيم الحوثيين يوجه نصيحة لـ تركيا

المشهد اليمني | 548 قراءة 

الامارات تهندس تحالف مضادا!

العربي نيوز | 475 قراءة 

حراس طارق عفاش يتحركون 

العربي نيوز | 425 قراءة