اليمن بين وهم السلطة وضياع الدولة .. قراءة في واقع مأساوي

جاري تجهيز عرض الخبر من المصدر...
 اليمن بين وهم السلطة وضياع الدولة .. قراءة في واقع مأساوي

اليمن بين وهم السلطة وضياع الدولة .. قراءة في واقع مأساوي

قبل 4 دقيقة

منذ سنواتٍ يعيش المواطن اليمني حالةً استثنائية لا تشبه ما يعيشه أيّ شعبٍ آخر على وجه الأرض. كل صباحٍ يفتح عينيه على وطنٍ لم يعد كما كان، وطنٍ تلاشت فيه ملامح الدولة ومفاهيم الإدارة، وتحوّل إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للميليشيات، والشعارات الفارغة، والخطابات التي تتحدث عن "الوطن العظيم"، فيما تنهار تحتها الخدمات العامة، ويغيب فيها المسؤول الحقيقي الذي يسأل المواطن ببساطة: "كيف حالك؟ وهل تصلك الكهرباء اليوم؟"

لقد أصبح اليمني اليوم يفتقد إلى أبسط مقومات الحياة: كهرباء، ماء، صحة، تعليم، وحتى الأمان النفسي. وكلما حاول أن يرفع صوته بالسؤال، وجد أمامه سلطةً مغلقةً تردّ على تساؤلاته بعباراتٍ منمقةٍ عن "الصمود" و"العدوان الخارجي"، بينما في الحقيقة لا ترى في معاناته سوى وسيلةٍ لتبرير بقائها واستمرار قبضتها الحديدية على البلاد.

بعد سنواتٍ من الإقصاء والتهميش، لم يبقَ في المشهد سوى منتحلي صفات المسؤولية، ممن يدّعون خدمة الشعب، لكنهم في الواقع لا يخدمون إلا أنفسهم ومشاريعهم الصغيرة. إنهم أولئك الذين يعتبرون المنصب تكليفًا إلهيًا لا وظيفةً خدمية، فيتحصّنون خلف شعاراتٍ دينية، ويتحدثون باسم الوطن والرب، في حين يعيش المواطن في عزلةٍ تامةٍ عن أبسط حقوقه.

القيادات الحوثية –على سبيل المثال– تتعامل مع الدولة وكأنها غنيمة حرب، تدير مؤسساتها بعقلية "الوصاية الإلهية"، وتتخذ قراراتٍ ترفع الشعارات لا الخدمات. فعوضًا عن اجتماعاتٍ تبحث في كيفية إصلاح محطات الكهرباء أو تحسين شبكات المياه، نجدهم يعقدون اجتماعاتٍ مطوّلة لمناقشة "التحضيرات لذكرى الشهيد"، وكأن حياة المواطن أقلّ قيمةً من لافتةٍ تُرفع في فعاليةٍ موسمية.

لقد صارت هذه الفعاليات هي "الإنجاز" الوحيد الذي تتفاخر به الجماعة. "يوم الشهيد" عندهم أهمّ من تشغيل محطة كهربائية خرجت عن الخدمة منذ أعوام، وأقدس من تحسين أوضاع المستشفيات التي باتت عاجزةً عن استقبال المرضى. ولعلّ السخرية الكبرى أن الوزارات التي تحمل أسماءً خدماتية –كالكهرباء والمياه– أصبحت بلا خدماتٍ تُذكر، سوى تلك التي تُقدَّم لقيادات الميليشيا وأقاربهم.

والمفارقة الأكثر مرارةً أن زعيم الجماعة غير المنتخب يحرص على إرسال برقيات تهنئةٍ لرؤساء دولٍ أجنبية –مثل رئيسة تنزانيا– في وقتٍ يعجز فيه عن تهنئة شعبه بيومٍ بلا انقطاع كهرباء! فيبدو كأن اهتمامه منصبٌّ على تحقيق "تطلعات الشعب التنزاني"، بينما الشعب اليمني عليه أن يكتفي بشعارات "الحرية والاستقلال"، وهي شعارات تحوّلت في الواقع إلى أداةٍ للهيمنة والاستبداد.

لقد نجح الحوثيون في تحويل مفهوم الديمقراطية من "حكم الشعب نفسه بنفسه" إلى "نفسي يا رب نفسي". فالدولة لم تعد مؤسسات، بل أشخاصًا يقررون ويمنحون ويمنعون باسم الدين والوطن، بينما المواطن البسيط يُترك وحيدًا يواجه قسوة الحياة وانقطاع الأمل.

اليمن ،اليوم، لا يحتاج إلى شعاراتٍ جديدة، بل إلى دولةٍ حقيقية، إلى سلطةٍ تعرف أن الحكم ليس تكليفًا سماويًا بل مسؤولية بشرية، وأن الوطنية لا تُقاس بعدد الفعاليات، بل بعدد المواطنين الذين يجدون من يسأل عنهم بصدق. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى اليمني يفتح عينيه كل صباحٍ على وطنٍ لا يشبه الأوطان، وعلى واقعٍ لا يحتمل المزيد من العبث السياسي باسم الوطن والدين.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

رويترز عن مصادر عراقية: الحرس الثوري يؤسس خلايا سرية في العراق لاستهداف الخليج بعيداً عن الفصائل المعروفة

حشد نت | 319 قراءة 

وفاة أول شرطية مرور في اليمن والجزيرة العربية شاهد جمال صورتها قبل وفاتها

نيوز لاين | 300 قراءة 

شاهد .. رد مؤلم للشاب الذي سخر منه رئيس حكومة الحوثي بعد قوله إنه جائع (فيديو)

المشهد اليمني | 276 قراءة 

قرار رئاسي مرتقب بتعيين شخصية بارزة سفيراً لليمن في الإمارات ..مصادر تكشف هوية المرشح الأقرب

نيوز لاين | 268 قراءة 

فضيحة بملايين الدولارات وبلاغ للنائب العام حول إيرادات النفط اليمني المودعة في السعودية

نافذة اليمن | 216 قراءة 

اول اعتراف للانتقالي بخصوص 14 مليار جمدتها الحكومة

المشهد اليمني | 176 قراءة 

خولان تواصل حصار منزل الضبيبي لليوم الثامن وتصدر بياناً جديداً بشأن قضية مقتل هشام الضبيبي وزوجته

المشهد اليمني | 160 قراءة 

ترمب يصعّد: لن نعطي إيران حتى 10 سنتات.. وطهران تواصلت معنا بدافع اليأس

حشد نت | 158 قراءة 

الرئيس العليمي يبعث برقية عزاء في وفاة اللواء بن بريك

الميثاق نيوز | 154 قراءة 

عاجل:رئيس الانتقالي يعلن التمرد والتصعيد في عدن ودعوات لتفعيل امر القبض القهري بحقه

كريتر سكاي | 133 قراءة