الكتابة كتمرين على الهزيمة

بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 150 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الكتابة كتمرين على الهزيمة

الكتابة تمرين صارم على تقبّل الخسارة الكاملة، الخسارة التي لا تترك خلفها سوى رماد المفردات. من يكتب لا يربح، من يكتب يعلن دون وعي أنه فشل في أن يُسمَع فآثر أن يُقرأ. اللغة كانت دوماً أداة الأقوياء، إلا في الكتابة تصبح اللغة وسادة البائسين ومهرب الهاربين من حياة رفضت أن تُعاد صياغتها خارج شروط السوق أو سلطة القمع أو منطق القطيع.

سارتر كاهن الحيرة رأى أن الكاتب يكتب لأنه لم يختر أن يوجد فقرر أن يخترع نفسه في جملة اسمية .. وكأن الكتابة محاولة يائسة لإقناع العالم أو الذات بأننا لسنا عبثاً صرفاً بل على الأقل عبث أنيق العبارة.. ألبير كامو كتب “الطاعون” لا لأنه كان يحب الجزائر بل لأنه لم يكن يحتمل صمتها. الكتابة بهذا المعنى ليست إنتاجاً فكرياً بل نوع من الحياة البديلة، حياة على الورق لأن الحياة الواقعية أقل من أن تُحتمل.

الكتابة لا تغيّر العالم لكنها تغيّر الكاتب، وهذا بالضبط جوهر الهزيمة النبيلة، أن تبني متحفاً من الكلمات في خرائب التجربة .. الذين غيّروا العالم لم يكتبوا كثيراً، نابليون لم يؤلف ديواناً، هولاكو لم ينشر مقالاً نقدياً في مجلة “الٱداب”، الله حين قرر أن يُعلن نفسه لم يكتب كتاباً بخط يده بل استعان بوحي شفوي وبسلسلة من الرواة، كأن الكتابة أمر ثانوي في مجرى الخلق.

الكاتب المهزوم هو من جلس ليوثّق السقوط لا الانتصار، من كتب لا ليقنع الآخرين بل ليخدع نفسه ويقنعها أن ما حدث لم يكن كارثياً كما يبدو .. تماماً كما يفعل الجنود بعد الهزيمة، يعدّون الرصاصات التي لم تُطلق، ويتحدثون كثيراً عن الطقس في ساحة المعركة.

ما تكتبه ليس نصاً بل تقريراً داخلياً عن فشل لم تتجاوزه بعد، والمفارقة أن القرّاء يحبون هذا الفشل، يحبون أن يروك محطماً على الورق، لأن ذلك يمنحهم لحظة خادعة من النجاة. والكتابة لا تجيد التوقيت، دائماً تأتي متأخرة كالمعزين الذين نسوا التاريخ، أو كمحامٍ يظهر بعد صدور الحكم .. إنها تشرح ما حدث بعد أن لم يعد أحد يهتم، ولذلك تُقرأ بمتعة باردة، كأنك تستعرض صور حفل لم يُدعَ إليه أحد. الكتابة أيضاً ليست شجاعة بل ردّ فعل عصبي على الفزع، هي شتيمة غير معلنةونحيب بصوت هادئ وصرخة تم ترويضها بالحروف.

الكاتب لا يحارب .. لأنه فقد الإيمان بالسلاح، ولأنه لا يثق بالنصر، فآثر أن يحمل دفتراً بدلاً من بندقية، لكنه رغم كل ذلك يواصل لأنه لم يتقن شيئاً آخر، ولأنه أدمن الهزيمة حتى صارت وطنه الوحيد .. لا أحد يكتب لأنه سعيد، ولا يكتب لأنه يريد تعليم الآخرين. الكاتب ببساطة يكتب لأنه لم يجد طريقة أنضج ليبكي فبكى الأبجدية. لا أحد يربح في الكتابة، كلنا نخسر ونصوغ خسارتنا بأسلوب جميل .. وهذا وحده أفظع انتصار.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

بعد ​تسريبهم مقطع مصور لزعيمهم..  مليشيا الحوثي تسجن فريق تصوير  عبدالملك الحوثي

موقع الأول | 1189 قراءة 

إنذار أخير في تعز.. 48 ساعة أمام الحوثيين للعودة أو مواجهة العواقب

المشهد اليمني | 946 قراءة 

الداعري يحسم الجدل ويكشف حقيقة امتلاك الجيش اليمني مقاتلات حربية

نيوز لاين | 645 قراءة 

القيادي الحوثي صالح هبرة يحذّر من "انفجار عسكري قريب" ويوجه دعوة عاجلة إلى 5 دول عربية لـ إطلاق مبادرة سلام

المشهد اليمني | 623 قراءة 

منصة استخباراتية: عبدالملك الحوثي عقد اجتماعا سريا مع مندوب الحرس الثوري في اليمن شهلائي في صعدة... وهذا ما جرى خلاله

المشهد اليمني | 607 قراءة 

الانتقالي يُقيل أحد أبرز قياداته في خطوة مفاجئة

نيوز لاين | 560 قراءة 

نبوءة صينية لمستقبل الشرق الأوسط!.. إعلامي كبير في قناة (الجزيرة) يكشف تفاصيلها 

موقع الأول | 540 قراءة 

تحركات عسكرية غير مسبوقة.. تعزيزات ضخمة تتجه إلى جبهات حاسمة تمهيدًا لمعركة فاصلة

نيوز لاين | 493 قراءة 

اليوتيوبر أحمد الجيشي يوجه رسالة إلى أتباع الحوثيين

الميثاق نيوز | 401 قراءة 

مجلة أمريكية تفجّر مفاجأة جديدة بشأن حمولة طائرة إيرانية هبطت في مناطق الحوثي

المشهد اليمني | 369 قراءة