مقصورة هامش القيامة

بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 183 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
مقصورة هامش القيامة

قصة قصيرة

هذه قصّة كتبتها في سبتمبر 2021. أبطالها أصيل الجبزي (الراوي)، عمر باطويل، محمد الأغبري، عبدالملك السنباني. وكلّهم قتلهم الإرهابيون ببشاعة وبلا قلب في أماكن وأوقات مختلفة ومتقاربة. أعيد نشرها لمرور الذكرى الخامسة لاستشهاد أصيل الجبزي.

عائدٌ من أمام باب القيامة، كنتُ أُسقي قبيلة أقحوان وعشائر رياحين وشَذَب زرعتها بعد وصولي بشهرين لتدلَ أمي علي حينما تأتي من العالم السفلي ولِأزينَ ملامح الصحراء اللامتناهية أمام باب القيامة.

دخلتُ هامش القيامة وسلمتْ على من تعرفتُ عليهم منذُ وصولي. هامش القيامة هو هامشٌ بلا اسم ونحنُ فقط من نسميه هكذا، مقصورة هامشية بحجم قرية خُصِّصت من الهيئة العليا لشؤون الموتى للذين ماتوا بطريقة غادرة في زمن الحروب والخيانات واللاإنسانية، يظلون فيه حتى تحنّ ساعة موتهم الطبيعي في كتاب القدر في العالَم الأسفل فيدخلون داخل القيامة عبر بابها الواسع جدًا.

– هل أحضرتَ معك؟ سألني عمر باطويل عن باقة المشاقر التي أحملُها له كلما عدت من باب القيامة حيث مشاقري تنتظرُ أحبائي.

– بالتأكيد حبيبي. وأخرجتُ الباقة الملونة بكل أنواع المشاقر وناولتها إياه. عمر سبقني بأربع سنين تقريبًا. يظلُ يحدثنا دائما عن جمال الله اللامحدود والنابع من كل شيء.

ألتفتُ لأحد القتلى غدرًا والذي وصل منذُ أيام فقط ومازال حتى الآن لم يحدّث أحدًا. اسمه عبدالملك السنباني، ناولته وردة أقحوان، أخذها وابتسم، وزعتُ أقحوانةً لكل مغدور في مقصورتنا.

رحتُ أجلسُ بجانب محمد الأغبري وأتأملُ عينيه الحزينتين. ناولته أقحوانة.

– شكرًا.

– سمعتُ أن قاتليكَ طردوا من العالم السفلي بالرصاص وأنهم هنا في المقصورة المجاورة، مقصورة القيامة.

– لا يهم.

لم استغرب قوله، فقد بتُ أعرفه تمامًا: ربما العالم السفلي تحلى بقليل من العدل، على الأقل فيما يخصك.

– ربما… لا يهم.

صمتَ قليلًا بينما رحتُ بعيني أتأمل المقصورة. شبابٌ غادروا العالم السفلى مبكرًا، عيونهم تسبحُ في عوالم سفلية، قلوبهم مليئة بالحنين والألم، يخدعون أنفسهم بالرضا بينما يحلمون بثقبٍ فجائي على العالم السفلي ليقفزون منه إلى حيثَ أتوا من هناك. شبابٌ أغلبهم يمنييون والبقية قدموا من بلدان تشتعل بها الحروب. اليمنيون شبابٌ قتلوا برصاص طائش، شباب قتلوا لأجل قات، منهم لأنهم قالوا الحقيقة، منهم لأنهم عِشقوا، منهم دون سبب، منهم تناثروا في جبهات دون عدو حقيقي. “تعددتْ الأسباب، والموت واحد “. هكذا كانوا يقولون في الأسفل.

– تعتقد أنه لن يعودَ هناك مستغل للبنات وللناس بعد إعدام قَتلتي، أقصد انتهتْ مافيا الابتزاز. على الأقل في صنعاء، أو قُلْ على الأقل على مستوى شبكتهم؟ سألني الأغبري.

– لا أعلم، لا أظن أن الشر ينتهي.

أقبلَ عمر باطويل يجرُ خلفه بحب الوافد الجديد عبدالملك السنباني، عرفنا على بعضنا وأبتسمنا. شكرني على الأقحوانة.

– أيريدُ أحدٌ مِنا أن يعودَ إلى الأسفل؟! هل نَحِّنُّ إلى العالم السفلي؟ أرتجلتُ.

– أريدُ أن أعود دائمًا لأخبرهم أن الله جميل كأقحوانك وأنه ليس كما يعتقدون، بل هو كما هو لا يُوصف. وأنه جمالٌ وكمالٌ مطلق. أريد أن أعود وليقتلوني مرة أخرى وسأعود وهكذا… قال عمر بنشوة صوفية. أحبُ فلسفته الجميلة -عن الله- كالله. صفقتُ له وأخرجتُ أقحوانتي الخاصة التي تشبه أمي من جيبي وناولته. مصها بأنفه ورَيحَنْها بنسماتِ كلامه عن الله.

– ” لا أحدَ يحنُ إلى جرح ” كما يقول محمود درويش. نعم أحنُ إلى أقربائي، أصدقائي، حبيبتي؛ لكن لا أريد أن أعود للعيش هناك على ذلك الجحيم المسمى بالأرض. أفضلُ أن أكتوي هنا بالانتظار من أن يكون جحيمي في الأرض بردًا وسلاما. قال الأغبري وتاهتْ عيناه في خيال لحضات لقاء مرتقبة.

– سأنتظرهم هنا، سيأتون واحدًا واحدًا. أضاف.

اختنقتْ إجابتي في حلقي وماتت حبالي الصوتية. لدرجة ما إنّه يشبهني.

– ربما أنا مثلك -أشارَ للأغبري- وربما هذا لأنني ما زلتُ مصدوما بموتي ولا أصدقه ولم أتصالح معه، أحنُ إلى أهلي وأختي الحبيبة وأصدقائي وحبيبتي وأريد العودة لأكمل أشيائي التي لم أنْهِها. لكني أشعرُ بالخوف، أشعر بالحقد تجاه ذلك البلد، علمتني العودة درسًا لن أنساه.

ارتعشتْ روحي من صدق ما قاله السنباني، لقد أعادني إلى لحظاتي الأولى، كنتُ مثله، لكنه أكثر حظًا، استطاع أن يخرجَ نيرانه على شكل كلمات بينما لم أستطع أن أقولَ ذلك حتى الآن.

– بماذا قُتلت؟ سألتُه.

– بعملةٍ صعبة. أجابَ بأسى.

الأغبري والسنباني ينظران إلى مجهول بأسى، بينما هربتُ من الجواب على سؤالي. فاجأني عمر: وأنت يا أصيل الحبيب، هل تريد العودة، هل تَحنُ إلى الجبزية؟

مسحتُ على جبيني بارتباك وتلعثمت.

– في البداية كنتُ أحنُ لكل شيء لأكمل عمري الحقيقي في كتاب القدر والذي أكمله هنا وأحقدُ على قاتلي ثم استسلمتْ فأردتْ فقط أن أعود لأنهي بعضَ الأشياء، أَقبِّلُ حبيبتي القُبلة الأولى والأخيرة في حياتي، أحضر حفل تخرجي وأخذ شهادتي وأعلقها في جدار البيت في الجبزية ليفتخر بي والدي وأبوسُ رأسه ورأس أمّي وأكتب لهما رسالة وداع صغيرة ولأصدقائي وأنشرها في صفحتي على فيسبوك. فقط أصبحتُ أريدُ أن أشيعَ نفسي ببساطة ورضا. في الأخير لم تَعُدْ تراودني هذه الأشياء، أصبحتُ لا أعرفُ ماذا أريد وإلى ماذا أحن. أُسقي مشاقري عند باب القيامة وأوصفُ لها شكلَ أمي وأبي وحبيبتي وألوانهم لتتعرف عليهم ولتَحرسُ مجيئم وأنتظرهم هنا بينكم، ومن وقتٍ للآخر أنظر للأرض بأسى.

توقفتُ عن الكلام حين شعرتُ بدموعٍ في عيوني وشعرتُني أبكي. احتضنني عمر وربتَا السنباني والأغبري على كتفي.

بينما كنا نبكي بصمت والعالم يهتز في الأسفل، كان أحدهم يدخلُ هامش القيامة.

– وافد جديد. قال عمر.

– يمني. قلتُ بحزنٍ بعدما رأيته.

نظرَ السنباني لي يسألني كيف عرفت ذلك.

– لا أحد يخطئ اليمني عند هامش القيامة.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

بعد ​تسريبهم مقطع مصور لزعيمهم..  مليشيا الحوثي تسجن فريق تصوير  عبدالملك الحوثي

موقع الأول | 1187 قراءة 

إنذار أخير في تعز.. 48 ساعة أمام الحوثيين للعودة أو مواجهة العواقب

المشهد اليمني | 946 قراءة 

الداعري يحسم الجدل ويكشف حقيقة امتلاك الجيش اليمني مقاتلات حربية

نيوز لاين | 644 قراءة 

القيادي الحوثي صالح هبرة يحذّر من "انفجار عسكري قريب" ويوجه دعوة عاجلة إلى 5 دول عربية لـ إطلاق مبادرة سلام

المشهد اليمني | 622 قراءة 

منصة استخباراتية: عبدالملك الحوثي عقد اجتماعا سريا مع مندوب الحرس الثوري في اليمن شهلائي في صعدة... وهذا ما جرى خلاله

المشهد اليمني | 606 قراءة 

الانتقالي يُقيل أحد أبرز قياداته في خطوة مفاجئة

نيوز لاين | 556 قراءة 

نبوءة صينية لمستقبل الشرق الأوسط!.. إعلامي كبير في قناة (الجزيرة) يكشف تفاصيلها 

موقع الأول | 538 قراءة 

تحركات عسكرية غير مسبوقة.. تعزيزات ضخمة تتجه إلى جبهات حاسمة تمهيدًا لمعركة فاصلة

نيوز لاين | 493 قراءة 

اليوتيوبر أحمد الجيشي يوجه رسالة إلى أتباع الحوثيين

الميثاق نيوز | 400 قراءة 

مجلة أمريكية تفجّر مفاجأة جديدة بشأن حمولة طائرة إيرانية هبطت في مناطق الحوثي

المشهد اليمني | 368 قراءة