المخا تشرح ما حذر منه هادي

أخطر ما في سقوط المخا أن الطريق إلى باب المندب صار أقصر مما ينبغي، بينما لا يزال البعض يتعامل مع الأمر وكأنه فصل جديد من حرب طويلة اعتدنا أخبارها حتى فقدت قدرتها على إزعاجنا.

قبل نحو عشر سنوات، تحدث الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي عن أطماع إيران في الوصول إلى باب المندب، وربط ذلك بمضيق هرمز، معتبرا أن امتلاك النفوذ على الممرين سيمنح طهران قدرة هائلة على التأثير في العالم، بما يجعل امتلاك السلاح النووي أقل أهمية من امتلاك مفاتيح الجغرافيا.

يومها بدت العبارة لكثيرين جزءا من الخطاب السياسي الذي كان يرافق الحرب. أما اليوم، فتستحق أن تُقرأ مرة أخرى باعتبارها تحذيرا مبكرا من قيمة موقع ظل اليمن يتعامل معه أحيانا كأنه مجرد شريط ساحلي بعيد عن مركز القرار.

والمفارقة أن إيران لا تحتاج إلى إرسال جيشها إلى اليمن حتى يصبح نفوذها حاضرا في معادلة باب المندب. يكفي أن تدعم جماعة الحوثي، التي تمتلك مشروعا عسكريا طويل النفس، ثم تترك للجغرافيا اليمنية أن تقوم ببقية المهمة.

وهنا تكمن المشكلة التي لا يحب كثيرون الاقتراب منها: الحوثيون لم يصلوا إلى الساحل لأنهم اكتشفوا أهميته فجأة، وإنما لأن القوات المناهضة لهم دفعت ثمن تشتتها وخلافاتها، وتركت للحوثي مساحة للتقدم حيث كان يفترض أن يجد جبهة موحدة.

المخا ليست مدينة عادية. موقعها يجعلها جزءا من معادلة الساحل الغربي، وأي تغيير عسكري فيها لا يبقى محصورا داخل حدودها. وكل تقدم باتجاه الجنوب يجعل باب المندب حاضرا بصورة أوضح في الحسابات العسكرية، بينما يجعل كل تراجع للقوى المناهضة للحوثيين مهمة حماية هذا الممر أكثر تعقيدا.

والأغرب أن اليمن يملك هذه الورقة الاستراتيجية الهائلة، لكنه يتصرف معها أحيانا كما لو أنها ملكية لا يعرف أصحابها قيمتها إلا عندما يبدأ الآخرون في الاقتراب منها.

أما العالم، فلا يحتاج إلى كثير من الشرح. باب المندب يعني التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والموانئ وأمن البحر الأحمر. ولهذا فإن أي قوة مسلحة قادرة على تهديد الملاحة في هذه المنطقة لا تبقى لاعبا يمنيا فقط، بل تدخل تلقائيا في حسابات دول ومصالح أكبر من اليمن بكثير.

ومن هنا تصبح المعركة أكثر من صراع على مدينة.

فالحوثي لا يحتاج إلى إعلان السيطرة على باب المندب كي يستفيد من أهميته. يكفي أن يمتلك القدرة العسكرية على جعل المرور بالقرب منه محفوفا بالمخاطر، أو أن يجعل الممر البحري ورقة حاضرة في أي حساب إقليمي. ففي عالم السياسة، قد تكون القدرة على التهديد أحيانا أكثر قيمة من قرار استخدام القوة.

وهذا ما يجعل الاستهانة بسقوط المخا خطأ سياسيا وعسكريا.

لكن تحميل إيران كل شيء سيكون أسهل من مواجهة الحقيقة اليمنية. إيران تستثمر في نقاط الضعف، والحوثيون يستفيدون من ذلك، لكن أحدًا لم يجبر القوى المناهضة لهم على البقاء منقسمة، ولا أحد فرض عليها أن تنظر إلى الساحل كجبهة منفصلة عن بقية المعركة.

وحين تمتلك القوات الحكومية والقوى المناهضة للحوثيين سنوات من الدعم والموارد والسلاح، ثم تظل عاجزة عن إنتاج رؤية عسكرية وسياسية متماسكة لحماية أهم شريط جغرافي في البلاد، فالمشكلة لا تعود في قوة الخصم وحدها. هناك خلل في طريقة إدارة الحرب نفسها.

والأكثر إثارة للقلق أن سقوط المخا، في ظل ما تتلقاه القوات الحكومية من دعم، يفتح الباب أمام قراءات سياسية تتجاوز الحساب العسكري المباشر. قد يرى البعض في هذا التراجع نتيجة صفقة غير معلنة، أو محاولة من أطراف إقليمية لتجنب اتساع دائرة القصف على مدنها ومصالحها، لكن مثل هذه القراءة تظل احتمالا سياسيا يحتاج إلى أدلة، لا حقيقة يمكن الجزم بها.

ومع ذلك، فإن مجرد ظهور مثل هذه الفرضيات يكشف حجم الأزمة. فعندما تصبح خسارة موقع استراتيجي قابلة للتفسير باعتبارها نتيجة ترتيبات تتجاوز الجبهة نفسها، تكون الحرب قد دخلت مرحلة لا تعود فيها الخرائط العسكرية وحدها كافية لفهم ما يجري.

لقد أنفق اليمنيون سنوات طويلة في مطاردة التفاصيل الصغيرة للحرب، بينما كانت التفاصيل الكبيرة تكبر أمامهم.

وهذه هي السخرية الثقيلة في المشهد: بلد يملك موقعا يجعل القوى الدولية تراقب سواحله، وقوى إقليمية تتنافس حول أمنه، وممرا بحريا لا يستهان به، ثم يجد نفسه عاجزا عن تحويل هذه الجغرافيا إلى قوة للدولة.

لذلك فإن سقوط المخا، إذا استقر ميدانيا، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خسارة تكتيكية يمكن تعويضها في جولة لاحقة فحسب. هناك خسائر لا تظهر في عدد المواقع العسكرية، وإنما في المسافة التي تقطعها الجماعة نحو نقطة أكثر حساسية من المدينة نفسها.

قبل عشر سنوات، كان الحديث عن باب المندب يبدو تحذيرا بعيدا. واليوم أصبحت المخا داخل المشهد، وأصبح الساحل أكثر ضيقا على من يريد حماية الدولة ومصالح اليمنيين.

وليس كل تحذير قديم نبوءة، لكن بعض التحذيرات تصبح أكثر إزعاجا حين تبدأ الجغرافيا نفسها في شرحها.

في النهاية لا تكمن قيمة المخا في عدد شوارعها ولا في اسم القوة التي تسيطر عليها، بل في المكان الذي تقف فيه. وفي اليمن، هناك أماكن إذا خسرتها الدولة لا تخسر أرضا فقط؛ تخسر جزءا من قدرتها على حماية مستقبلها.

فحين يقترب الخطر من باب المندب، لا تكون المشكلة أن الباب أصبح قريبًا من الخطر..المشكلة أن الدولة أصبحت بعيدة عن بابها...!!

شارك
تثبيت تطبيق أخبار اليمن الان

حقيقة ما حدث للعميد عبدالرحمن الشمساني.. اللواء 35 مدرع يصدر بياناً عاجلاً يقلب الموازين بتعز
المشهد اليمني | 2285 قراءة 
عاجل / غارتان جويتان على صنعاء عقب رصد استخباراتي.. تفاصيل المكان والمستهدف! 
موقع الأول | 1955 قراءة 
تطور خطير في تعز.. مغلس يظهر في قدس بعد تحركات حوثية ميدانية ورسائل مقلقة لمجلس القيادة والتحالف
24 بوست | 1893 قراءة 
عاجل.. 3 انفجارات عنيفة تهز عدن الآن
نافذة اليمن | 1648 قراءة 
أبوزرعة المحرمي يدلي بتصريحات نارية بشأن المعركة ضد مليشيا الحوثي... ماذا قال؟
المشهد اليمني | 1602 قراءة 
معارك وغارات عنيفة في تعز.. القوات تضيق الخناق على الحوثي وغنائم كبيرة في هذه الجبهة
نافذة اليمن | 1565 قراءة 
هل اقتربت ساعة الصفر في مران؟.. تصريح ناري من توكل كرمان يشعل منصات التواصل الاجتماعي
المشهد اليمني | 1483 قراءة 
عاجل / مصادر تكشف إحداثيات مواقع إطلاق الصاروخين الباليستيين المستهدفين لـ(عدن ومطارها الدولي) 
موقع الأول | 1403 قراءة 
عاجل / تحذير للجميع في العاصمة المؤقتة عدن
موقع الأول | 1060 قراءة 
مطار عدن يعمل طبيعيًا.. مصادر: الصواريخ استهدفت مقر القوات السعودية وليس المدرج