خطر المعلومات.. حين تتحول التغطية الصحفية إلى خدمة استخباراتية (تحليل خاص)
خطر المعلومات.. حين تتحول التغطية الصحفية إلى خدمة استخباراتية (تحليل خاص)
المجهر - أحمد الجُبيحي
الأحد 06/سبتمبر/2026
-
الساعة:
4:18 م
في الحروب لا تكون المعلومة محايدة دائماً وقد تصبح أخطر من الرصاصة، فالتغطية الصحفية للمعارك تظل عملاً مشروعاً ما دامت تنقل الوقائع، وتوثق الانتهاكات، وتشرح تطورات الميدان، من دون أن تكشف معلومات يمكن أن تعرّض القوات أو المدنيين للخطر.
لكن الخط الفاصل يبدأ عندما تتحول المنصة الإعلامية من ناقل للحدث إلى مصدر لمعلومات يمكن توظيفها عسكرياً، فذكر وقوع المعارك في جبهة معينة يختلف عن تحديد مواقع انتشار القوات، وتصوير آثار القتال يختلف عن تصوير مواقع عسكرية أثناء العمليات، والإعلان عن استعادة موقع بعد صدور بيان رسمي يختلف عن نقل تفاصيل التقدم والتحركات لحظة حدوثها.
والإعلام في فترة الحروب ليس مطالباً بالصمت بل بالمسؤولية، ويمكن للصحفي أن يكشف جرائم جماعة الحوثي الإرهابية، ويوثق القصف والنزوح ويحلل الأداء السياسي والعسكري وينتقد الأخطاء، لكن لا ينبغي أن تتحول المنصة الإعلامية إلى غرفة عمليات مفتوحة.
المعلومة العسكرية
الفرق بين التغطية الصحفية والمعلومة الاستخباراتية لا يتعلق فقط بمن يمتلك المعلومة، وإنما بطبيعتها وتوقيت نشرها وطريقة جمعها وإمكانية استخدامها في الميدان، وقد تكون الجملة الواحدة خبراً مشروعاً للجمهور، لكنها في توقيت مختلف قد تصبح معلومة ثمينة لمن يراقب المعركة.
ومع موجة التصعيد الأخيرة في جبهات غرب تعز، تسابق صحفيون وناشطون ومواطنون، وحتى عسكريون ومقاتلون، على نقل تطورات المعارك لحظة بلحظة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، في وقت قد يستطيع فيه الحوثيون التقاط هذه التفاصيل وربطها وتوظيفها بما يخدم عملياتها العسكرية.
ومنذ الثالث من سبتمبر، شهدت جبهات مقبنة والكدحة وجبل حبشي والبرح، تصعيدًا واسعًا تخللته هجمات حوثية ومحاولات تقدم، قبل أن تنتقل القوات المسلحة إلى هجمات مضادة أسفرت عن استعادة بعض المواقع، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جبهات أخرى ووصول تعزيزات إلى مناطق القتال.
وفي موازاة ذلك، بدأت تفاصيل المعركة تتدفق إلى مواقع التواصل ووسائل الإعلام؛ من أسماء مواقع وصور من الجبهات ومقاطع فيديو وأخبار عن وصول تعزيزات وتحديثات بشأن مواقع جرى استعادتها.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، حيث أن كل معلومة عسكرية ليست خبرًا صحفيًا صالحًا للنشر، وليست كل صورة من الجبهة مجرد توثيق بريء، فبعض المعلومات يمكن أن تتحول إلى قيمة عملياتية يستفيد منها العدو في تصحيح الإحداثيات أو تدارك الخطط، خصوصًا عندما تُنشر في توقيت المعركة نفسها.
المصادر المفتوحة
ينقل الصحفي ما حدث ويضعه في سياقه، ويوثق الانتهاكات والنتائج، أما عندما تتحول التغطية إلى كشف تحركات القوات، وأماكن انتشارها، ومسارات التعزيزات، وتوقيتاتها، أو تفاصيل المواقع التي تجري فيها العمليات، فإنها تنتقل من مجرد نقل الحدث إلى إنتاج معلومات يمكن أن تحمل قيمة عسكرية.
فمن نقل أخبار المواجهات في مقبنة، إلى توثيق نزوح المدنيين من الكدحة، وتصوير آثار القصف، ونشر صور المقاتلين من مواقع جرى استعادتها، تتعدد أشكال التغطية وتختلف درجة حساسيتها، لكن الأمر يتغير عندما تكشف منشورات فيسبوك وإكس، أو رسائل مجموعات واتساب، تحركات القوات أو التعزيزات أو أماكن انتشارها أثناء استمرار العمليات.
والخطورة هنا لا تتوقف على نية صاحب المنشور، فقد لا يقصد الصحفي أو الناشط أو المواطن إطلاقًا تقديم خدمة للحوثيين، ولا يعني نشر معلومة حساسة وجود تعاون معها، لكن الحوثيين لا يحتاجون بالضرورة إلى إحداثيات مكتوبة بالأرقام حتى يستفيدوا منها، فقد تمنحهم صورة واحدة جزءًا من الإحداثية، مثل جبل ظاهر في الخلفية أو طريق أو مبنى أو اتجاه أو طبيعة تضاريس.
وعندما تتزامن هذه المعلومة مع منشورات أخرى تحدد المنطقة والتوقيت، يصبح بالإمكان تركيب صورة أكثر وضوحاً عن طبيعة المواقع وتمركز القوات وتحركاتها، وهنا تتحول المعلومات المنشورة للعامة إلى ما يشبه "الاستخبارات المفتوحة"؛ وهي معلومات متاحة للجميع، لكنها تكتسب قيمة عسكرية عندما يجري تحليلها وربطها بالواقع الميداني واستخدامها في تصحيح الإحداثيات أو تحديد أماكن وجود القوات وتحركاتها، ولهذا فإن الفارق ليس بين من ينشر ومن لا ينشر، وإنما بين خبر يشرح للجمهور ما حدث، ومعلومة تكشف للخصم ما يجري الآن في الميدان.
فالخبر عن استعادة موقع بعد إعلان ذلك رسميًا يختلف تمامًا عن تصوير الموقع أو تفاصيل التقدم إليه بصورة فورية أثناء العملية، وكذلك الحديث عن وقوع معارك في جبهة معينة يختلف عن كشف المكان الذي تتمركز فيه الأفراد والآليات لوحدة عسكرية تستعد لصد هجوم أو تنفيذ هجوم عكسي.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى كل منشور على أنه تسريب متعمد، وإنما إلى طبيعة المعلومة وتوقيتها وإمكانية استخدامها، فكلما اقتربت المعلومة من موقع القوات وتوقيت تحركها، ارتفعت قيمتها العسكرية، حتى لو كان الغرض الأصلي من نشرها مجرد التوثيق أو نقل التطورات.
إشكالية التداول
الخطر لا يقتصر على المعلومات العسكرية المباشرة، فهناك نوع آخر من المحتوى يمكن أن يخدم جماعة الحوثي، وهو المحتوى الذي يكشف الحالة النفسية للطرف الآخر أو يضخمها، فمع اشتداد القصف وسقوط الضحايا ونزوح المواطنين نتيجة سقوط بعض المواقع، ظهرت منشورات عكست الخوف والغضب والتشاؤم.
والتعبير عن الخوف أو انتقاد الأداء العسكري أو مطالبة القيادة بمعالجة خلل حق طبيعي، ولا ينبغي وصفه تلقائياً بأنه خدمة للحوثيين، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحديث عن الأخطاء في اللحظات الصعبة إلى حقائق مطلقة، أو تتحول خسارة موقع إلى خطاب يقول إن الجبهات انهارت بالكامل أو أن القوات عجزت، أو أن الحوثيين باتوا على وشك الوصول إلى موقع مهم.
فالعدو لا يحتاج دائمًا إلى السيطرة على الأرض لتحقيق أثر عسكري أو سياسي، فيمكنه الاستفادة من المعلومات التي تكشف الحالة النفسية للطرف الآخر، وعندما تتحدث منصات التواصل عن سقوط موقع أو اقتراب الحوثيين من موقع مهم، يمكن أن تتحول هذه المنشورات نفسها إلى جزء من الحرب النفسية.
والأخطر أن صاحب المعلومة قد يكون شخصًا غاضباً أو خائفاً لا علاقة له بالحوثيين إطلاقاً، لكن منشوراً كتبه بدافع الإحباط قد تعيد حسابات أخرى نشره، ثم يصل إلى حسابات وصفحات مؤيدة للحوثيين تستخدمه باعتباره دليلاً على انهيار معنويات الطرف الآخر، وهنا يصبح أثر المعلومة منفصلاً عن نية صاحبها.
لذلك لا ينبغي أن نتصدى لتحويل الهجوم الحوثي الأخير إلى انتصار نفسي للجماعة، فحتى تحقيقها تقدماً محدوداً في بعض المواقع لا يعني بالضرورة تحقيق أهدافها العسكرية كاملة، ولا يمكن تقييم مسار المعركة من خلال منشور منفرد أو انطباع لحظي، وإنما من خلال التحقق من المعلومات ومقارنتها بالوقائع الميدانية.
كما أن من أخطر مظاهر الفوضى المعلوماتية، التسابق على نشر أسماء وصور شهداء القوات المسلحة فور مقتلهم، والمشكلة هنا ليست في توثيق أسماء القتلى أو تكريمهم وإنما في التوقيت، فإلى جانب الأثر النفسي على أسرهم، قد تمنح هذه القوائم مؤشرات عن حجم الخسائر، خصوصاً عندما تُربط الأسماء بأماكن وتوقيت مقتلهم، بما يسمح بتكوين صورة عن طبيعة المعركة والوحدات المشاركة فيها.
بين النقد والهدم
الحث على توجيه الخطاب الإعلامي نحو مواجهة جماعة الحوثي لا يعني منع النقد، بل إن النقد البناء للقيادات السياسية والعسكرية ضروري لكشف الأخطاء ومنع تكرارها، وهناك فرق واضح بين أن يقول صحفي أو ناشط إن خللاً موجود في إدارة العمل العسكري ويجب معالجته، وبين إلقاء الاتهامات ونشر الشائعات والمعلومات المزيفة.
فانتقاد القيادة السياسية والعسكرية لا يعني بالضرورة إضعاف المعنويات، وقد يكون سبباً في تصحيح مسار خاطئ وإنقاذ الجبهات، أما الاستعجال في نشر معلومات غير مؤكدة، وتعميمها على الوضع العام، أو الحديث عن انسحابات لم تحدث، أو سقوط مواقع لم تسقط، فهو يقدم لجماعة الحوثي مادة مجانية للحرب النفسية.
وهنا تزداد أهمية التحقق الصحفي، خصوصاً في الحسابات الشخصية على مواقع التواصل، فالمؤسسة الإعلامية من حيث المبدأ، تمتلك محررين ومسؤولين عن النشر يستطيعون تقييم المادة قبل نشرها، بينما قد يكتب صاحب الحساب الشخصي في لحظة غضب، أو ينشر صورة في لحظة خوف، أو ينقل خبرًا تلقاه من صديق، ثم ينتشر المنشور قبل أن تتاح له فرصة التحقق منه.
وفي لحظات التصعيد العسكري، قد يصل منشور واحد إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، خصوصاً إذا صدر عن صحفي أو مؤثر، لذلك لا تعني المسؤولية مطالبة المواطن بأن يصبح مدققاً صحفياً، لكنها تعني إدراك أن بعض المنشورات وخصوصًا المتعلقة بالمعارك والتحركات والخسائر، قد تكون آثارها على المجتمع والحاضنة أكبر بكثير من صاحب الحساب نفسه.
ضبط المعلومات
لا تمنحوا الحوثيين ما عجزوا عن انتزاعه بالسلاح، والمطلوب هنا ليس إسكات الناس، ولا منع الصحافة من تغطية المعارك، ولا فرض الأخبار الرسمية على المجتمع الذي يعيش واقع التصعيد العسكري ويتأثر به.
والمطلوب هو أن يعرف كل شخص قيمة ما ينشره وتوقيته وأثره؛ فيمكن للصحفي أن يكشف جرائم الحوثيين، ويمكن للناشط أن يوثق عمليات القصف وحالات النزوح، ويمكن للمواطن العادي أن يروي ما تعرضت له قريته، ويمكن للجميع أن ينتقدوا الأخطاء العسكرية والسياسية لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
لكن لا ينبغي أن يتحول الخوف إلى كشف معلومات بوقت حساس أو نشر شائعة لترويج معلومات مغلوطة، فالحوثي الذي يحاول تعويض خسائره البشرية والمادية في تعز والحديدة، يحتاج إلى بيئة معلوماتية تساعده في الحصول على انتصار معنوي لكي يقنع به الأسر التي قدمت فلذات أكبادها وقوداً لمحرقته.
ومواجهة الفوضى المعلوماتية لا تكون بالصمت بل بإدارة سريعة وفعالة للمعلومات، بما يمنع الفراغ الذي تملؤه الشائعات والتفسيرات المتضاربة، لأن غياب المعلومة الموثوقة يفتح المجال أمام الروايات التي يمكن أن تؤثر في المجتمع والحاضنة.
تابع المجهر نت على X
#اليمن
#خطر المعلومات
#فوضى النشر
#معلومات عسكرية
#مواقع التواصل
#ناشطون
#صحفيون
#الجبهات
#تعز
#مواجهات
#إحداثيات
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
