"هاتف أمي .. في حضرة الموت"
أرواح أبنائنا مجرد أرقام..
في لحظة فارقة بين الحياة والموت، تتوقف الكلمات ألما، وتُسكب دموعنا دماً وتنحر ارواحنا على تراب وطن يئنّ.
هاتف امي لخص حكاية وطن، تاريخه يشوه ومستقبله يوارى الثرى.
رنات امي مؤلمة حدّ الانكسار، في خضمّ معركة ضارية، وجد جندياً يمنياً هاتفاً محمولاً ملقى بجانب جثة شاب قتيل. كان الهاتف يرنّ، وعلى الشاشة تظهر كلمة واحدة، تهزّ الجبال: "أمي".
قال الجندي، والدموع تملأ عينيه: "لم أستطع أن أرد. ماذا أقول لها؟ ولدك قُتل ونحن من قتلناه؟".
بهذه العبارة البسيطة والقاسية، يختصر الجندي المأساة اليمنية الحالية. معارك طاحنة تدور بين أبناء الوطن الواحد: "الشرعية"، "صنعاء"، "أنصار الله"، "العمالقة"... مسميات شتى، تختلف في الشعارات والأهداف، لكن الروح التي تُزهق هي روح يمنية واحدة، والدم الذي يسيل هو دم واحد، نابع من نفس الجسد. وكما يقول المثل الشعبي: "الحجر من الأرض، والدم من رأس القبيلي".
نشاهد بألم عظيم، وقلوب تعتصر، أرواح أبنائنا تزهق في التباب والجبال والصحاري، وتترك جثثهم على قارعة الطرق تنهشها الوحوش، في مشهد يدمي القلوب ويستفز الإنسانية. وبينما تغرق الأمهات في أحزانهن، ويتيتم الأطفال، وينهار الوطن، ينشغل الأخوة الأعداء في عداد القتلى، كل فريق يتباهى بعدد قتلى الفريق الآخر، وينشر فيديوهات تظهر جثث "الأعداء" المفترضين.
لا تكاد تميز، وأنت تنظر إلى تلك الوجوه المتعفرة بالتراب، من أي فريق هو هذا الشخص. هل هو من "الشرعية" أم من "صنعاء"؟ نفس البشرة السمراء، نفس الوجه المرهق الجائع، نفس الملامح المكسوة بالهم والحزن. كلهم يمنيون، وكلهم ضحايا لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
في هذا الصراع العبثي، لم تعد الروح تعني شيئاً سوى "رقم" في إحصائيات القتلى. لا يعلمون، أو يتناسون، أن خلف كل رقم قصة، وعائلة كانت تعول عليه، وشاب صغير كانت له أحلام وطموحات، وأم تنتظر عودته بفارغ الصبر لتفرح به.
آه، وألف آه يا وطني. لم أعد أستطيع رؤية ما أكتب، فدمعي يتسابق مع كلماتي ليخط ألماً كبيراً يفوق طاقة الاحتمال. متى سنتحرك؟ متى سيتحرك الشرفاء منا، ومن كل الفرق، ممن هم رافضون لما يحدث، حتى نضع نهاية لهذه المأساة التي تلتهم الأخضر واليابس؟
وااا يمنااااه.. أرض التاريخ والكرامة والأفئدة الرحيمة. يا الله، من لنا غيرك نرجوه ونلجأ اليه في هذا المصاب الجلل؟
حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن أثار هذه الحروب والفتن والثارات، وفيمن استرخص دماء أبنائنا وحولهم إلى مجرد أرقام في صفحات المفسبكين.
والله المستعان على ما تصفون.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
