المولد النبوي في قبضة الحوثيين.. حينما تصبح المناسبة موسما للتعبئة والجباية

الإصلاح نت             عدد المشاهدات : 45 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
المولد النبوي في قبضة الحوثيين.. حينما تصبح المناسبة موسما للتعبئة والجباية

  

تتحول ذكرى المولد النبوي في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية كل عام منذ انقلابها من مناسبة يفترض أن تستحضر السيرة النبوية ومعانيها إلى موسم متعدد الأغراض، توظفه المليشيا لخدمة مشروعها السياسي والعسكري والمالي.

فمن خلال مظاهر الاحتفال الواسعة، تسعى المليشيا إلى تكريس حضورها في المجتمع وإعادة تقديم نفسها بوصفها صاحبة الحق في إدارة المجال الديني والعام، بالتوازي مع استغلال المناسبة لفرض جبايات وتبرعات وإتاوات على التجار وأصحاب المحال والمؤسسات والمواطنين، تحت مسميات مختلفة ترتبط بالاحتفال والتجهيز له.

ولا يقف التوظيف عند الجانب المالي فقط، إذ تتحول الفعاليات والخطب والتجمعات إلى منصات للتعبئة السياسية والعسكرية، ونشر خطاب المليشيا وتعزيز الولاء لها، وحشد المقاتلين والأنصار تحت غطاء ديني، وبذلك تصبح المناسبة أداة لإعادة إنتاج نفوذ المليشيا، وتعبئة الموارد، وتوجيه الوعي العام بما يخدم أهدافها، في عملية تمزج بين استغلال المقدس وتوسيع السيطرة على المجتمع ومؤسساته وموارده.

مناسبة لتكريس الطائفية

ولم يعد إحياء ذكرى المولد النبوي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي مجرد مناسبة دينية تستحضر فيها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وقيم الرحمة والتكافل والأخلاق، بل تحوّل خلال سنوات الحرب إلى مناسبة واسعة لتكريس حضور الجماعة وإظهار نفوذها السياسي والاجتماعي.

ففي كل عام، تتسع دائرة الفعاليات والخطب والتجمعات التي تنظمها المليشيا، وتُستخدم المنابر والساحات ووسائل الإعلام الخاضعة لها لتقديم خطاب يربط المناسبة بمشروع المليشيا ورؤيتها السياسية، ويمنح قياداتها مساحة إضافية للظهور والتأثير في المجتمع.

وتبدأ عملية التوظيف من الخطاب نفسه، إذ تُستغل المناسبة لتكرار مفردات الطاعة والاصطفاف والولاء، وتقديم المليشيا باعتبارها حامية للدين وممثلة لقيمه، في محاولة منها لإضفاء غطاء ديني على مشروعها السياسي، وفي المقابل يجري تصوير الخصوم باعتبارهم في الضفة المقابلة من هذه القيم، وهو ما يحوّل المناسبة تدريجياً من مساحة للاجتماع حول المعاني الدينية النبيلة وتدارس لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، إلى مناسبة للتعبئة والشحن وزرع الضغائن والأحقاد والكراهية، ورسم الولاءت السياسية داخل المجتمع.

ولا تقتصر مظاهر التوظيف على الخطب والفعاليات، بل تمتد إلى المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية والأسواق والشوارع، حيث تُنظم أنشطة مرتبطة بالمناسبة وتُرفع الشعارات وتنتشر الأعلام واللافتات والصور الطائفية، ليصبح المشهد العام خلال فترة المولد أشبه بحملة تعبئة جماهيرية واسعة، تستثمر فيها الجماعة الحضور الشعبي لإظهار نفوذها في التنظيم والحشد والسيطرة على المجال العام.

موسم مالي ثقيل

ولم تكتفِ مليشيا الحوثي بتحويل ذكرى المولد النبوي إلى موسم للتعبئة والحشد، بل جعلت من المناسبة بوابة واسعة لتحصيل الأموال من مختلف شرائح المجتمع، مستفيدة من سيطرتها على مؤسسات الدولة والأحياء والأسواق والقطاعات التجارية والخدمية.

فمع حلول مناسبة ذكرى المولد، عادت حملات الجباية إلى الواجهة في صنعاء وذمار وإب وغيرها، لتبدو الاحتفالات هذه المرة مرتبطة بشبكة مالية تمتد من المحال الصغيرة إلى المؤسسات والمنشآت الكبرى.

ففي العاصمة صنعاء أفادت مصادر محلية بأن لجاناً تضم مشرفين حوثيين وعقال حارات وشخصيات محلية تحركت بين الأحياء والأسواق، مطالبة التجار وأصحاب المؤسسات بدفع مبالغ مالية، تحت مسمى دعم احتفالات المولد، بالتزامن مع إلزامهم بتعليق الشعارات واللافتات وتركيب الزينة على نفقتهم، وشملت الحملة المطاعم والفنادق والمدارس والجامعات والمستشفيات ومختلف الأنشطة التجارية.

وتبدو الصورة أكثر اتساعاً في محافظة ذمار، حيث كشفت مصادر محلية عن شبكة جبايات موزعة على قطاعات التجارة والصناعة والصحة والنفط والغاز والسياحة والأشغال والمياه والعقارات والأسواق، بهدف تحصيل الأموال من المنشآت والمواطنين تحت ذرائع مرتبطة بالمناسبة.

وفي محافظة إب امتدت الجبايات إلى المدارس الحكومية، إذ أفادت مصادر تربوية بفرض مبالغ على الطلاب للمساهمة في تمويل فعاليات المولد، بينما شملت المطالبات المالية التجار وأصحاب الأعمال والوجهاء وعقال الحارات.

وتكشف هذه الوقائع أن المسألة لا تتعلق بجمع تبرعات عابرة، وإنما بتحويل المناسبة إلى مورد مالي موسمي، تُستخدم فيه أجهزة الدولة المحلية وشبكات المشرفين والمشايخ وعقال الحارات للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المكلفين، بل إن الجبايات وصلت إلى حد إلزام أصحاب محطات الكهرباء الخاصة بتحمل تكاليف الزينة وإنارة الشوارع والأحياء المحيطة بمنشآتهم.

وتأخذ الصورة منحى أكثر دلالة مع ما أُبلغ عنه في ذمار من مقتل مشرف حوثي وإصابة آخرين إثر خلاف مسلح على أموال جُمعت من المواطنين تحت مسمى تمويل احتفالات المولد، وهي واقعة تكشف حجم الأموال التي باتت المناسبة مرتبطة بتحصيلها داخل شبكات المليشيا، ليتحول المولد من مناسبة دينية إلى موسم مالي ثقيل، يدفع كلفته المواطن والتاجر وصاحب المنشأة والطالب، بينما تتكفل المليشيا بتوجيه الأموال وتوظيفها ضمن منظومة أوسع تجمع بين الجباية والنفوذ والتعبئة والحشد.

ذريعة للتعبئة والحشد

ومع اقتراب ذكرى المولد النبوي في الشهر الجاري، بدا أن مليشيا الحوثي لا تتعامل مع المناسبة باعتبارها فعالية دينية واجتماعية فحسب، وإنما كمساحة إضافية لتوسيع عملية التعبئة العسكرية وتعويض النقص في صفوف مقاتليها، فبينما غطت الزينات الخضراء شوارع صنعاء ومناطق سيطرة المليشيا، كانت خلف هذه المظاهر الاحتفالية عملية حشد أكثر اتساعاً، امتدت إلى المساجد والمدارس والمؤسسات والأحياء والمديريات، وترافقت مع خطاب يدفع السكان إلى الالتحاق بالجبهات والمشاركة في ما تسميه المليشيا التصعيد العسكري.

وقد بدأت مليشيا الحوثيين منذ مطلع الشهر الجاري خطة إعلامية خاصة بالمناسبة، بالتزامن مع سلسلة من الأمسيات والفعاليات التي استمرت أكثر من ثلاثة أسابيع، وتحولت بعض هذه الأنشطة، وفق مصادر مطلعة، إلى نقاط لاستقطاب الراغبين في الانضمام، قبل نقلهم إلى معسكرات التعبئة والتدريب، فلم يعد خطاب الخطباء والقيادات الحوثية محصوراً في الحديث عن المولد، بل تجاوز ذلك إلى الدعوة للالتحاق بالمقاتلين، مع تقديم وعود مالية ووظيفية ومزايا مختلفة لمن ينضمون إلى صفوف المليشيا.

ويأتي هذا الحشد في وقت تواجه فيه المليشيا ضغوطا عسكرية وخسائر في الأرواح والعتاد، كما تواجه صعوبات في استقطاب مقاتلين جدد، نتيجة سنوات الحرب وتزايد الخسائر وتدهور الأوضاع المعيشية، فضلاً عن شكاوى مرتبطة بتوقف رواتب مقاتلين وتراجع الإمدادات، لذلك تلجأ المليشيا إلى مزيج من الخطاب الديني، واستغلال المناسبات، والإغراءات المادية، من بينها الوعود بالوظائف والرواتب والسلال الغذائية وتسهيل الدراسة والحصول على الشهادات.

ولا ينفصل التجنيد عن أدوات الضغط الأخرى المصاحبة للمناسبة، إذ أفادت مصادر محلية بربط بعض الخدمات والمعاملات الحكومية والحضور في الفعاليات بالمشاركة في الاحتفالات، بينما شهدت محافظة إب، وفق مصادر إعلامية، اعتداءات واعتقالات بحق باعة في سوق مفرق حبيش بعد رفضهم دفع جبايات مرتبطة بالمناسبة.

شرعية بديلة

ويتجاوز توظيف مليشيا الحوثي لذكرى المولد النبوي الجانب الاحتفالي إلى هدف سياسي واضح، يتمثل في منح المليشيا غطاءً دينياً لمشروعها، وتقديم قيادتها بوصفها امتداداً للنبي وآل بيته، بما يخدم فكرة «الولاية» التي تقوم عليها رؤيتها السياسية.

ويرى الصحفي والباحث في التاريخ اليمني بلال الطيب أن المليشيا الحوثية تستغل قداسة النبي في الوعي اليمني لتكريس شرعية بديلة، خصوصاً أنها مليشيا انقلابية تفتقر، بحسب وصفه، إلى الشرعية السياسية، فتستعيض عنها بشعارات دينية تستثمر عاطفة الناس ومكانة الرسول في نفوسهم.

ويشير الباحث في التاريخ السياسي عنتر الذيفاني إلى أن الحوثيين يحولون المناسبة إلى وسيلة لتحسين صورتهم أمام المجتمع بعد سنوات من القتل والنهب والانتهاكات، بالتوازي مع استخدامها للتحشيد الطائفي وربط محبة النبي بالولاء لقيادة المليشيا.

ووفق هذا الطرح يصبح الاحتفال وسيلة لإعادة تعريف الولاء السياسي باعتباره موقفاً دينياً، بحيث يُدفع المواطن إلى طاعة المليشيا الحوثية باعتبارها امتداداً لطاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا يتوقف الاستغلال عند الداخل فحسب، إذ تتحول الحشود والفعاليات الضخمة إلى رسالة سياسية موجهة إلى الخارج، تسعى المليشيا من خلالها إلى إظهار نفسها باعتبارها قوة جماهيرية واسعة قادرة على تنظيم عشرات الآلاف في الساحات.

وهو ما يذهب إليه الطيب حيث بشير إلى أن مشهد الحشود يخدم هذا الهدف، حتى مع وجود روايات عن إجبار موظفين ومواطنين على المشاركة.

أما الصحفي نشوان العثماني فيضع هذه الممارسات في إطار أوسع، معتبراً أن المليشيا الحوثية تستغل المناسبات العامة لتصدير ثقافتها وفكرها إلى المجتمع، واستمالة الشباب والأطفال وترسيخ رؤيتها السلالية والإمامية، وبذلك يصبح المولد، في توظيف الحوثيين له، أكثر من مناسبة دينية، معتبرا إياه مسرحا سياسيا متكاملا لإنتاج الولاء، وتثبيت النفوذ، وإعادة تقديم السلطة الحوثية في ثوب ديني، وتحويل الرمزية النبوية إلى أداة لخدمة مشروع المليشيا.

يوم سلالي

ويضع وزير الأوقاف والإرشاد السابق محمد بن عيضة شبيبة جانباً آخر من استغلال مليشيا الحوثي لذكرى المولد النبوي، يتمثل في تحويل المناسبة إلى أداة سياسية وسلالية واقتصادية لفرض نفوذها على المجتمع.

ويقول شبيبة في منشور له إن المليشيا تتعامل مع المولد باعتباره «يومًا سلاليًا»، تقدم خلاله النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه جداً لها، مستشهداً بإرسال برقيات التهنئة إلى زعيمها عبد الملك الحوثي، كما تحول المناسبة، بحسب وصفه، إلى «يوم تكفيري» يُتهم فيه من يرفض المشاركة أو الالتزام بشعارات الجماعة وطقوسها بالعداء لها وللنبي صلى الله عليه وسلم.

ويرى شبيبة أن هذا التوظيف يتجاوز الخطاب إلى ممارسات على الأرض، من بينها فرض الجبايات والإتاوات على المواطنين والتجار، واستنزاف موارد الدولة، ثم توجيه الأموال المحصلة باسم المولد نحو أنشطة المليشيا، مشيرا إلى استخدام المناسبة في القمع والاختطاف ومصادرة الأموال وإغلاق الطرق وتعطيل مصالح السكان، فضلاً عن فرض حالة استنفار واسعة في مناطق سيطرة الحوثيين.

ويستنكر شبيبة الإسراف في الإنفاق على الاحتفالات والمظاهر المصاحبة لها، معتبراً أن توجيه هذه الأموال إلى علاج المرضى، وحفر الآبار، وإصلاح الطرق، ومساعدة الأسر المحتاجة، سيكون أقرب إلى مقاصد الشريعة وقيم النبي. ويخلص إلى أن المليشيا حولت ذكرى المولد إلى وسيلة للجباية والتعبئة السياسية والقمع، بدلاً من أن تكون مناسبة للاقتداء بسيرة الرسول وتعزيز قيم الرحمة والتكافل.

مفارقة مؤلمة

وتكشف صورة المولد النبوي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي عن مناسبة فقدت جزءاً من وظيفتها الدينية والتربوية والاجتماعية الطبيعية، وأصبحت محكومة بسياق سلطوي يحدد شكل الحضور وحدود المشاركة وما ينبغي أن يقال ويُرفع ويُمارس.

وبينما تُقدَّم الفعاليات بوصفها تعبيراً جماهيرياً واسعاً، تبرز في المقابل أسئلة تتعلق بحق الأفراد في اختيار مواقفهم الدينية والاجتماعية بعيداً عن الإكراه أو الخوف أو استغلال الحاجة.

كما تكشف المناسبة عن اتساع مساحة التدخل في تفاصيل الحياة اليومية، حين تتداخل الفعالية العامة مع المدرسة والسوق والمؤسسة والحي والوظيفة.

ويضع ذلك المجتمع أمام مفارقة مؤلمة: مناسبة يفترض أن تستحضر سيرة النبي وقيمه في التعامل مع الناس، تتحول إلى اختبار لمدى قدرة الفرد على الاحتفاظ بحقه في الاختيار. وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والانقسام المجتمعي، تبدو الحاجة أكبر إلى فصل الدين عن أدوات الإكراه، وإعادة المناسبات الدينية إلى معناها الإنساني الجامع، بعيداً عن توظيفها لفرض نمط واحد على المجتمع.

المولد النبوي في قبضة الحوثيين.. حينما تصبح المناسبة موسما للتعبئة والجباية

شارك
تثبيت تطبيق أخبار اليمن الان أضف أخبار اليمن الآن كمصدر مفضل في Google

عاجل القوات المشتركة تطوق زبيد وتتغلغل في عدة عزل عقب تحرير مديرية الجراحي بالكامل
عدن الحدث | 3528 قراءة 
"غداً ستسمعون أصوات النصر".. تصريح ناري يكشف تفاصيل الزحف الجنوبي نحو العاصمة صنعاء
المشهد اليمني | 2247 قراءة 
عاجل | إنذار أخير للحو ثيين.. تحديد مهلة 48 ساعة للاستسلام
كريتر سكاي | 1850 قراءة 
بالفيديو.. شاهد أشواك موت خلفها الحوثيين بعد فرارهم من جبهات الساحل الغربي
نافذة اليمن | 1729 قراءة 
لأول مرة.. اتفاقية تاريخية تربط كهرباء الخليج باليمن
الميثاق نيوز | 1715 قراءة 
عاجل / آخر أهم التطورات العسكرية والميدانية من فجر اليوم حتى العاشرة مساءً في جبهات القتال ضد الحوثي
موقع الأول | 1414 قراءة 
تطورات جديدة في البيضاء.. (11) غارة جوية تستهدف موقعاً ومعسكراً بمنطقة الطاهرية في السوادية
موقع الأول | 1295 قراءة 
تعز.. استعادة السيطرة على مفرق الكدحة والجيش يتقدم نحو الشراجة الاستراتيجية
نافذة اليمن | 1018 قراءة 
مستشار لبناني: الحوثيون وقعوا في فخ "فائض القوة" كما وقع فيه حزب الله.. والسعودية غيّرت تكتيك المعركة
عدن الغد | 869 قراءة 
تطورات عسكرية متسارعة بالحديدة.. هجوم مباغت يقلب الموازين في جبهة الجراحي
المشهد اليمني | 851 قراءة