جذور الأرض ونبض الهوية.. كيف صاغ المؤتمر الشعبي روح اليمنيّين المجرّدة من الاستيراد
الميثاق نيوز، تقرير خاص ، أحمد النويهي
، لم يكن ميلاد المؤتمر الشعبي العام في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1982مآ والذي نحتفل هذه الايام بالذكرى ال 44 لتاسيسه؛ مجرد إضافة رقمية إلى سجل الأحزاب السياسية، بل كان بمثابة إعلان استقلال فكري يمني ينهي عقوداً من التبعية للأطروحات الوافدة والأيديولوجيات المعلبة.
ففي اللحظة التي كانت فيها الساحة المحلية مسرحاً لتفاعلات الحرب الباردة وتناقضاتها المريرة، وتتجاذبها نظريات مستوردة تقسم المجتمع وتلغي الآخر، شق المؤتمر طريقه كفكرة نابعة من صميم التراب والوجدان الشعبي.
ويبرز هذا التجذر التاريخي كميزة استثنائية جعلت من هذا الكيان أشبه بالشجرة الأصيلة التي تضرب عروقها في أعماق الجغرافيا اليمانية، لتكتسب مناعة وجودية جعلتها عصية على محاولات الاجتثاث والتقويض التي تمارسها قوى السلاح والكهنوت.
آ أصالة النشأة بوجه عواصف الفلسفات المستوردةآ
يتجلى التمايز الجوهري للمؤتمر الشعبي العام في كونه تنظيماً ولد وطنياً خالصاً بمرجعية يمنية مطلقة، على النقيض من الحركات العقائدية التقليدية التي رهنت بوصلتها الفكرية لمراكز إرشادية وتوجيهية خارج الحدود فقد لد المؤتمر الشعبي العام ليكون وطنيا يمنيا خالصا.
ولقد منح هذا الاستقلال البرامجي المؤتمر مرونة استثنائية وقدرة على احتواء كل شرائح المجتمع دون تفرقة أو وصاية.
ولم تكن تلك الأصالة مجرد صدفة سياسية، بل ارتكزت على وعي حضاري يربط الحاضر بأمجاد الماضي التليد. فالادبيات النظرية للمؤتمر الشعبي العام لم تتاثر بالفكر الالحادي والا الرمس الاحتكاري بل حمت بصمة خالدة استلهمت من الفكر الحضاري للممالك اليمنية امتزاجا بالروح العظيمة لحملة مشاعر ورايةالاسلام في الفتوحات الاسلامية.
إن هذا المزج العبقري صاغ سلوكاً ونهجاً وسطياً تحول إلى ممارسة يومية لدى ملايين الأعضاء المنتشرين في شتى القرى والعزل والمحافظات.
بناءً على هذه المداميك الصلبة، لخص الأمين العام السابق الفقيد الدكتور عبدالقادر باجمال فلسفة الانتماء للمؤتمر بوصفه قائلًا:"المؤتمر الشعبي العام هو التنظيم الوحيد الذي تلون بلون التراب الوطني اليمني والإنسان اليمني".
وعزا باجمال هذا التلون الحصري لسببين رئيسيين: الأول هو كونه وليد عملية حوارية تاريخية كبرى شارك فيها كل شرفاء الوطن، والثاني هو ضمه لكافة القوى والتيارات التي كانت منضوية تحت رايات متباينة، لينصهر الجميع في منظور وطني كلي يتسامى فوق الغلو والأنانية .
مدرسه الشعب وقدرة التلاحم مع روح القبيلة والمدينة
في الوقت الذي تعاني فيه الحركات الشمولية والنخبوية من عزلة اجتماعية خانقة، تميز المؤتمر الشعبي العام بقدرته الفائقة على التحول من مجرد إطار سياسي إلى حركة اجتماعية عريضةآ يصعب تمزيقها أو تفتيتها.
ولقد تأسس الحزب منذ يومه الأول بتمثيل شعبي حقيقي ومباشر، حيث اختير أعضاء المؤتمر التأسيسي بواقع ممثل واحد لكل خمسمائة مواطن، ليكون الحزب معبراً حقيقياً عن دقات قلب الشارع اليمني المتطلع للبناء والاستقرار.آ
ولم ينغلق المؤتمر على طبقة دون أخرى؛ بل تمددت دائرته لتجمع الفلاح، والعامل، والمثقف، والتاجر، ورجل القبيلة في وئام تام قل نظيره وهو ما يترجم تسميته على الواقع كاطار شعبي جامع لجميع فئات المجتمع.آ
ولقد أدى هذا التنوع الثري إلى تكريس ثقافة المواطن الشريك" بدلاً من المواطن التابع، لتصبح السلطات المحلية هي المديرة لشؤونها وتنميتها عبر نموذج رائد للحكم المحلي واسع الصلاحيات.
ومن ثَمّ، ارتبط اسم المؤتمر في وجدان اليمنيين بعهد الأمن، والنماء، والرخاء، وإعادة إعمار البنية الأساسية وسفلتة الطرق وبناء الجامعات وإحياء سد مأرب التاريخي العظيم.
وفي مراجعة فخورة لهذا التاريخ التنموي،هو ما قاله الأمين العام السابق الشهيد عارف عوض الزوكا :المؤتمر خرج من صلب هوية شعبنا وثقافته، وجاء حاملاً مشاعل النور والتنوير ومجسداً عمق الولاء والانتماء لليمن.. وإنجازاته الاقتصادية والعسكرية والتنموية ستبقى شواهد حية في كل شبر وصوب من تراب الوطن.
آ الدرع اليمني المنيع في وجه المشروع السلالي المستورد
آ
تبرز عظمة الفكر الوطني والجمهوري للمؤتمر الشعبي العام عندما نضعه في كفة المقارنة مع المشاريع السلالية والمذهبية الدخيلة، وفي مقدمتها ميليشيا الحوثي الإرهابية التي ترهن قرارها وتبعيتها لمشروع "ولاية الفقيه" الإيراني العابر للحدود.
إن ما يجري اليوم هو معركة هوية ومستقبل بين مشروعين؛ مشروع ميليشياتي دخيل قائم على العنف والتبعية لإيران، ومشروع وطني يمني خالص عابر للأجيال يمثله المؤتمر الشعبي العام، الحزب الذي تشكل من رحم القبيلة والمدينة والدفاع عن قيم ثورتي سبتمبر وأكتوبر والوحدة اليمنية.
ورغم شراسة آلة البطش الحوثية التي صادرت مقرات المؤتمر، وجمدت حساباته، ونكلت بكوادره آ إثر الرفض الصارم لقيادة الداخل للخضوع للإملاءات، يواصل الحزب صموده الأسطوري ثابتاً كثبات جبال اليمن.
كما إن هذا الصمود الوطني المعمد بدماء الشهيدين الزعيم علي عبدالله صالح والأمين العام عارف عوض الزوكا في انتفاضة ديسمبر 2017م، يشكل الحصن المنيع الذي تكسرت عليه عواصف التدجين والتركيع الحوثية.آ
ورغم ذلك فلم تزلزل المؤتمر الشعبي الكوارث ولا النكبات، بل أثبت أن أصله ثابت وفرعه في السماء، وإن دوره الوطني في الإنقاذ آتٍ لا محالة بالشراكة مع كافة الشرفاء لإنهاء كارثة الكهنوت المتخلف.
إن هذا الإرث التراكمي الشامخ، والتمسك الحازم باستقلال القرار الوطني ورفض الوصاية والتدخلات الخارجية، يبرهن لليمنيين وللعالم بأكمله أن المؤتمر لم يكن يوماً كياناً طارئاً صنعته الصدفة السياسية أو أدوات السلطة، بل كان ولا يزال وسيظل العمود الفقري للدولة، وحارس الهوية الجمهورية الحرة، وسفينة الأمان الوحيدة التي تبحر بالوطن نحو شواطئ الاستقرار والسلام العادل وسيادة القانون.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
