سوق الصرف اليمنية تدخل عهدًا جديدًا.. "بلومبرغ" تفتح الباب أمام شفافية نقدية غير مسبوقة
يستعدّ البنك المركزي اليمني في العاصمة المؤقتة عدن لإطلاق منعطفٍ اقتصادي غير مسبوق، عبر تدشين منصة إلكترونية لتداول العملات الأجنبية بين البنوك المحلية باستخدام نظام "بلومبرغ" العالمي، وذلك اعتبارًا من الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، في خطوةٍ تُعدّ الأكثر جرأة منذ سنواتٍ على صعيد إصلاح البنية النقدية المتآكلة.
وقد سبق هذا الإعلان سلسلة اجتماعات موسّعة عقدها البنك المركزي مع قيادات المصارف المحلية، ركّزت خلالها المناقشات على البُعد التقني والتشغيلي للمنصة، إلى جانب التأكيد على أن المشروع لا يقتصر على تحديث آليات التداول الداخلية، بقدر ما يمثّل أداةً رقابية جوهرية لتعزيز الشفافية وترسيخ الكفاءة في عمليات البيع والشراء، مع الالتزام الصارم بمعايير الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المالية.
غير أن هذه الخطوة تكتسب أبعادًا أعمق بكثير من مجرد إدخال تقنيات حديثة إلى قاعات التداول؛ فسوق الصرف اليمنية، التي تشكّلت ملامحها خلال سنوات الحرب الطويلة، باتت تعتمد بشكلٍ شبه كامل على شبكةٍ واسعةٍ من شركات الصرافة وشبكات الحوالات المالية، فيما تراجعت قدرة البنوك التقليدية على أداء دورها الوسيط، وانكمشت حصتها من تدفقات النقد الأجنبي إلى حدودٍ ضيقة للغاية.
وقد أدى هذا التحول الهيكلي إلى ظهور سوقٍ شديد التجزؤ، تتوزّع فيه السيولة والمعلومات بين مئات المتعاملين الصغار والكبار على حدٍ سواء، مع فروقات سعرية ملحوظة بين المناطق الجغرافية والمؤسسات المالية وقنوات التحويل المتاحة، ما جعل تتبّع الأسعار الحقيقية وتحديد مرجعية موحدة مهمةً شبه مستحيلة.
وفي هذا السياق، يهدف البنك المركزي من خلال اعتماد منصة "بلومبرغ" إلى تأسيس سوقٍ إلكترونية منظمة، تتمكّن فيها المصارف المحلية من عرض أوامر شراء العملات الأجنبية وبيعها بشكلٍ مباشر، والاطلاع على الأسعار القابلة للتنفيذ فورًا، وإبرام الصفقات وتسجيلها ضمن مسارٍ رقابيٍ موحّد وقابل للتدقيق.
وبهذه الآلية، يحصل البنك المركزي على بياناتٍ لحظية دقيقة حول حجم التداول اليومي ومستويات الأسعار وهوية المشاركين ومراكز العملات الأجنبية المفتوحة، بينما تكتسب البنوك قناةً مؤسسية تمكّنها من إدارة احتياجاتها وفوائضها النقدية بصورةٍ أكثر انتظامًا وشفافية.
لكن السؤال الاقتصادي المحوري الذي يرافق هذه الخطوة يظلّ مُعلّقًا: هل بوسع هذه المنصة أن تعيد تشكيل سوق الصرف الفعلية في اليمن؟ خاصةً أن هذا السوق انتقل مركز ثقلها منذ سنواتٍ بعيدة من الجهاز المصرفي الرسمي إلى قطاع الصرافة المستقل، وارتبط سعر العملة المحلية بعواملٍ معقدة تتضمّن ندرة النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام، وضعف الاحتياطيات النقدية، والانقسام المؤسسي العميق، وحركات المضاربة الواسعة، فضلًا عن التدخلات النقدية والأمنية المتكررة.
"بلومبرغ" اليمنية.. بين الأهمية والتحديات الجسيمة
يجري حاليًا الجزء الأكبر من تداول العملات في الأسواق اليمنية التقليدية عبر اتصالاتٍ مباشرةٍ ثنائية بين المتعاملين؛ حيث يطلب أحدهم سعرًا من الطرف الآخر، ثم تُنفّذ الصفقة خارج أي إطار مركزي، ويظل كثيرٌ من معلومات التداول موزعًا بين المؤسسات دون سجلٍ موحّد.
أما منصات المطابقة الإلكترونية، مثل تلك التي توفرها "بلومبرغ"، فتجمع عروض الشراء والبيع في سجل أوامر مركزي، وتُنفّذ الصفقة آلياً عند توافق السعر والكمية، مع حفظ تفاصيل العملية ووقتها وأطرافها بشكلٍ دائم، ما يُسهّل أعمال الرقابة والتدقيق اللاحقة وقياس تعرّض المؤسسات لتقلبات أسعار الصرف.
وتزوّد أنظمة "بلومبرغ" المتخصصة في تداول العملات الأسواقَ بأدوات متقدمة للتسعير والتنفيذ الفوري وإدارة المخاطر وتحليل السوق، إلى جانب سجلٍ إلكتروني دقيق للصفقات يمكن الاستناد إليه في عمليات التدقيق الداخلي والخارجي.
وفي السياق اليمني بالذات، يمكن لهذه البنية التقنية أن تعالج ثلاث مشكلات أساسية عالقة؛ أولها ضعف المعلومات المتاحة حول حجم التعاملات الفعلية بين البنوك، وثانيها غياب سعرٍ مرجعي ناتجٍ عن صفقاتٍ قابلةٍ للتنفيذ فعلاً، وثالثها صعوبة متابعة المراكز المفتوحة لكل بنك ومعرفة حجم طلبه الحقيقي على النقد الأجنبي.
وقد ظلت أسعار الصرف المعلنة في اليمن مرتبطة بدرجةٍ كبيرة بتسعيرات شركات الصرافة، واتفاقات ضمنية لتحديد الأسعار، والنشرات الإدارية الصادرة عن الجهات الرسمية، فضلًا عن الأسعار المتداولة شفهياً في السوق الموازية، مع وجود فجوة دائمة بين السعر الذي تعلنه الجهات التنظيمية والسعر الذي يمكن تنفيذ صفقة كبيرة عنده فعلاً.
وتمنح منصة "بلومبرغ" إمكانية إنتاج سعرٍ مرجعي مستندٍ إلى عروض فعلية وصفقات موثقة، شريطة توفر حجم تداولٍ كافٍ ومشاركةٍ منتظمة من المصارف المحلية.
وسيمنح تسجيل العمليات عبر المنصة البنك المركزي قدرةً أكبر على التمييز بين الطلب المرتبط بتمويل التجارة والتحويلات والالتزامات المصرفية المشروعة، وبين الطلب الناتج عن بناء مراكز مضاربية أو الاحتفاظ بالعملة الأجنبية لأغراضٍ غير إنتاجية. كما سيساعد البنك على مراقبة الفوارق السعرية بين البنوك المختلفة، وتحديد المؤسسات التي تتحكم في جانبٍ كبير من السيولة المتاحة.
غير أن اليمن سيحتاج إلى تصميمٍ يُناسب خصائص سوقه الفريدة، خاصةً في ظل وجود قطاع صرافة واسع الانتشار، وتعدد أسعار الصرف جغرافياً بين المحافظات، وضعف الثقة العامة بالبنوك، واستمرار الانقسام المؤسسي للجهاز النقدي، وتراجع العلاقات المصرفية الخارجية، وانخفاض حجم التجارة التي تمر عبر القنوات الرسمية.
تحدي الواقع اليمني.. هل تكفي التقنية وحدها؟
تعمل أسواق ما بين البنوك بكفاءةٍ عالية عندما تحتفظ المصارف بجانبٍ مهم من تدفقات النقد الأجنبي؛ إذ تتلقى البنوك حصيلة الصادرات والتحويلات والودائع، ثم تمول المستوردين، وتتبادل فوائض العملات وعجزها فيما بينها، ما يؤدي إلى تكوين سوقٍ مستمرة ذات أسعارٍ قابلة للرصد والتنبؤ.
وتختلف البنية اليمنية جذرياً عن هذا النموذج الكلاسيكي؛ إذ تستحوذ شركات الصرافة وشبكات الحوالات على نصيبٍ واسع من التحويلات المحلية والخارجية، كما تمارس بعض المنشآت أنشطةً قريبةً من العمل المصرفي تشمل قبول الأموال، والاحتفاظ بالأرصدة، وتنفيذ التحويلات، وتمويل التعاملات التجارية، وهو ما دفع صندوق النقد الدولي إلى التوصية بتوسيع الرقابة المالية لتشمل جميع منشآت الصرافة التي تقبل الأموال، بهدف إعادة السيولة إلى القطاع المصرفي وتعزيز الاستقرار المالي.
وينتج عن هذا الواقع تحدٍّ جوهري يتعلق بتمثيل المنصة للسوق الحقيقية؛ فالسعر المتكون بين البنوك سيُعبّر عن السوق الرسمية المشاركة فيها فقط، بينما يتحرك جزءٌ كبير من العملات الأجنبية خارج هذه الدائرة تماماً، وقد يظهر سعرٌ إلكتروني منتظم داخل المنصة بالتزامن مع سعرٍ آخر في شبكات الصرافة غير المنظمة، خاصةً عند وجود فجوة بين حجم الطلب التجاري الحقيقي والسيولة التي تستطيع البنوك عرضها فعلاً.
وتحتاج عملية الإطلاق الناجحة إلى مسارٍ يربط المنصة بالجزء المنظم من قطاع الصرافة، ويمكن تنفيذ ذلك عبر البنوك التي تحتفظ شركات الصرافة بحساباتها لديها، أو السماح في مرحلةٍ لاحقة بمشاركة شركات مؤهلة وفق شروطٍ صارمة تتعلق برأس المال والحوكمة والامتثال والإفصاح، أو إنشاء نافذة منظمة تنقل عروض القطاع إلى السوق المصرفية.
ويتطلب هذا المسار إعادة تنظيم العلاقة بين البنوك والصرافين، وتطبيق قواعد واضحة على عمليات قبول الودائع والحسابات الجارية بالعملات الأجنبية، ومراقبة مصادر الأموال بدقة، وتسجيل التحويلات الكبيرة، وربط كل صفقة بمستنداتها التجارية أو غرضها الاقتصادي عندما تتطلب القواعد ذلك.
الحاجة الملحّة إلى سوق عميقة
تكوّن السعر داخل المنصة يخضع لحجم أوامر الشراء والبيع، وعدد المؤسسات المشاركة، وتوزيع السيولة بينها. فإذا دخلت البنوك بأوامر قليلة ومتباعدة، سيصبح السعر شديد التأثر بأي عملية كبيرة، وقد يستطيع بنكٌ واحد، أو عددٌ محدود من البنوك، تحريك السوق بأكملها من خلال تغيير عروضه أو سحبها فجأة.
ويزداد هذا الخطر في اليمن لعدة أسباب موضوعية، أهمها: تركز النقد الأجنبي لدى عددٍ محدود من المؤسسات الكبرى، وتفاوت قدرة البنوك على الوصول إلى التحويلات الخارجية والحسابات المراسلة، وضعف صادرات السلع والخدمات، وانقطاع صادرات النفط الخام منذ أواخر عام 2022؛ وهي عوامل قلّصت بشكلٍ حاد مصادر العملات الأجنبية المتاحة للقطاعين العام والخاص.
وبحسب بيانات البنك الدولي، فقد هبطت احتياطيات البنك المركزي في عدن خلال النصف الأول من عام 2025 إلى نحو 1.16 مليار دولار، بما يغطي قرابة 1.6 شهر من الواردات فقط، وأصبح نقص موارد النقد الأجنبي من القيود الرئيسية المؤثرة على قدرة البنك المركزي على التدخل واستيعاب الطلب المتزايد.
وعلى الرغم من تحسّن سعر الريال في مناطق الحكومة بصورةٍ كبيرة منذ أغسطس/آب 2025، ومحافظته على قدرٍ من الاستقرار بفعل إجراءات البنك المركزي والتدفقات الخارجية والمساندة السعودية؛ إلا أن مصادر الدخل الخارجي الأساسية، ومنها التحويلات والصادرات والمساعدات، ظلت عرضةً للتراجع والصدمات المفاجئة.
ولهذا، تتحدد فاعلية المنصة بشكلٍ حاسم بمدى قدرتها على جذب تدفقات حقيقية من النقد الأجنبي؛ سواء كانت تحويلات المغتربين، أو حصيلة الصادرات، أو إيرادات شركات الطيران والموانئ والاتصالات، أو تدفقات مساعدات المنظمات الدولية، أو ودائع المؤسسات العامة، أو أي دعم خارجي يصل إلى البنك المركزي أو الحكومة.
فوجود منصةٍ متطورة مع معروضٍ محدود من النقد الأجنبي سيقود حتماً إلى سجل أوامر ضحل وأسعار متقلبة وفوارق واسعة بين سعر الشراء والبيع؛ أما تدفق السيولة وتعدد المتعاملين فسيؤدي إلى أسعارٍ أكثر انتظاماً وقدرةٍ أفضل على تنفيذ الصفقات الكبيرة بسلاسة.
قواعد تحديد السعر المرجعي.. خطوة لا يمكن تأجيلها
قبل الإطلاق الرسمي والتشغيل الفعلي للمنصة، يحتاج البنك المركزي إلى نشر قواعد تشغيلية مفصلة توضح طريقة إدخال الأوامر وإلغائها أو تعديلها، وحدود الكميات المسموح بها، وساعات التداول الرسمية، والعملات المسموح بتداولها، وآلية ترتيب الأولوية بين العروض المختلفة، وحدود المراكز المفتوحة لكل بنك، وإجراءات التعامل مع التقلبات الحادة والأعطال الفنية المحتملة.
كما يحتاج السوق إلى مجموعةٍ من البنوك القادرة على أداء دور "صانع السوق"، بحيث تقدم أسعار شراء وبيع بصورةٍ منتظمة وضمن هامشٍ محدد، مقابل حصولها على مزايا تتعلق بالوصول إلى عمليات البنك المركزي أو السيولة الإضافية أو تسهيلات التسوية؛ لأن انتظار الأوامر العرضية قد يترك المنصة من دون أسعارٍ مستمرة خلال أجزاءٍ طويلة من جلسة التداول.
ويمكن احتساب سعرٍ مرجعي يومي استنادًا إلى المتوسط المرجح للصفقات المنفذة، مع استبعاد العمليات الصغيرة أو الشاذة التي قد تُستخدم للتأثير في المؤشر بشكلٍ مصطنع، ويُفضل نشر السعر إلى جانب حجم التداول وأعلى وأدنى سعر ومتوسط الفارق بين سعري الشراء والبيع، حتى يعرف الجمهور والمتعاملون مدى قوة السعر المنشور وعمق السوق التي أنتجته.
ويُفترض أن تستخدم الجمارك والضرائب والمؤسسات الحكومية والبنوك والمستوردون هذا السعر المرجعي وفق قواعد معلنة وموحدة؛ لأن تعدد الأسعار المرجعية داخل المؤسسات العامة يعيد إنتاج التشوهات ويخلق فرصًا للمراجحة والفساد. كما ينبغي أن يرتبط السعر المستخدم في تمويل الاستيراد بالسوق الفعلية، لتجنب توجيه الموارد إلى مستفيدين يحصلون على العملة بسعرٍ تفضيلي ثم يعيدون تسعير بضائعهم وفق السوق الأعلى.
وقد أوصى صندوق النقد الدولي بأن يبقى سعر الصرف المستخدم في تمويل الواردات عبر الآليات الرسمية قريبًا من سعر السوق الفعلي، بهدف الحد من التشوهات والفجوات السعرية التي تضر بالاقتصاد.
بين التداول والتسوية.. حلقة الاتصال
ستتولى المنصة مطابقة أوامر الشراء والبيع وتسجيل الصفقات، ثم تبدأ مرحلة نقل الأموال بين أطراف الصفقة؛ فيدفع البنك المشتري الريالات، ويحوّل البنك البائع العملة الأجنبية. وتحتاج هذه العملية إلى نظام تسويةٍ مأمون وسريع يحمي الأطراف من مخاطر تعثر أحد الجانبين بعد تنفيذ العملية.
ومن الضروري تحديد الحسابات التي ستستخدم في التسوية، وموعد انتقال الملكية الفعلي، والجهة التي تؤكد اكتمال العملية، وطريقة التعامل مع التأخير أو نقص الرصيد. كما يجب ربط التداول بأنظمة المدفوعات والمقاصة والحسابات المراسلة في الخارج؛ لأن بطء التسوية قد يدفع البنوك إلى تقليص تعاملاتها أو طلب هوامش سعرية مرتفعة لتعويض مخاطرها.
ولذلك، كان من المهم أن يتزامن مشروع المنصة مع خطواتٍ أخرى أعلن عنها البنك المركزي في إطار خطته لتحديث البنية التحتية المصرفية، عبر تدشين "الشركة اليمنية للمدفوعات والمقاصة" (YPCC) في الثالث من أغسطس/آب الجاري، وما سبقها من تأسيس "الشبكة الموحدة للأموال"؛ ما يتيح فرصةً لبناء بنيةٍ مالية مترابطة تشمل التداول والتسوية والرقابة وحفظ البيانات، بدل بقاء كل نظام في مسارٍ منفصلٍ عن الآخر.
موقع البنك المركزي.. بين التنظيم والتدخل
سيعمل البنك المركزي كمنظّم للسوق ومراقبٍ لها، وقد يدخل أيضًا مشتريًا أو بائعًا للعملات الأجنبية عند تنفيذ تدخلاته النقدية. ويحتاج الجمع بين هذه الوظائف المتعددة إلى قواعد معلنة تمنع تضارب الأدوار والمصالح، وتضمن تكافؤ المعلومات بين جميع المشاركين.
ويمكن للبنك تنفيذ مبيعاته من العملات الأجنبية عبر المنصة مباشرة، أو استخدام مزادات منفصلة تظهر نتائجها في السوق الثانوية بين البنوك. كما يستطيع شراء فوائض النقد الأجنبية عند تحسّن التدفقات وبناء احتياطياته. وينبغي أن تخضع عمليات التدخل لخطةٍ واضحة تحدد أهدافها وحجمها وطريقة الإعلان عنها.
وتسمح بيانات المنصة للبنك المركزي برصد الضغط على الريال بصورةٍ مبكرة؛ فارتفاعٌ مستمر في طلبات الشراء، واتساع الفارق بين سعري العرض والطلب، وانخفاض حجم العروض، وتركز الطلب لدى مؤسساتٍ محددة؛ كلها مؤشرات تساعد على تشخيص مصدر التوتر قبل انتقاله إلى أسعار السلع وتوقعات الجمهور.
كما توفر المنصة سجلًا رقابيًا يمكن مقارنته بحركة حسابات البنوك والتحويلات الخارجية، وطلبات تمويل الاستيراد، ما يدعم ويعزز جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويكشف العمليات التي لا تتناسب مع النشاط المعتاد للعميل أو البنك. وقد ربط البنك المركزي استعداداته للمنصة بالتزام البنوك بالأدوات الاحترازية، ومعايير الامتثال ومكافحة الجرائم المالية.
مرجعية في اقتصادٍ منقسم
تعمل المنصة ضمن نطاق البنك المركزي في عدن والمؤسسات الخاضعة لرقابته، بينما تحتفظ مناطق سيطرة الحوثيين بنظامٍ نقديٍ منفصل وسعر صرف مختلف وقيودٍ خاصة على الأوراق النقدية والتحويلات، وسيستمر هذا الانقسام في إنتاج فروقٍ بين الأسواق وتكاليف إضافية على حركة الأموال والتجارة الداخلية.
ومع ذلك، تستطيع المنصة بناء مرجعيةٍ واضحة في مناطق الحكومة، وتنظيم تعاملات البنوك التي نقلت مراكز أعمالها إلى عدن، وتحسين إدارة تمويل الواردات عبر الموانئ الواقعة تحت سيطرة الحكومة. كما يمكن أن تعزز موقع البنك المركزي في علاقاته مع المؤسسات الدولية والبنوك المراسلة من خلال توفير بيانات تداولٍ موثوقة ومسار امتثالٍ قابل للتدقيق.
وتحتاج هذه العملية إلى ثقة القطاع المصرفي باستقرار القواعد؛ فالبنوك ستتردد في عرض سيولتها عندما تتوقع تدخلاتٍ إدارية مفاجئة، أو تغييرًا متكررًا في الأسعار والضوابط. كما سيحتفظ المتعاملون بعملياتهم خارج المنصة عندما تكون كلفة الامتثال مرتفعة، أو التسوية بطيئة، أو البيانات عرضة للاستخدام العقابي غير المنضبط.
مؤشرات التقييم.. كيف نحكم على التجربة؟
يمكن تقييم المنصة بعد الأشهر الأولى من التشغيل عبر مجموعةٍ من المؤشرات المباشرة؛ كحجم التداول اليومي، وعدد البنوك النشطة، ونسبة الصفقات المنفذة إلى الأوامر المعروضة، ومتوسط الفارق بين سعري الشراء والبيع، ودرجة تركز التداول لدى أكبر البنوك، وعدد حالات تعثر التسوية، ونسبة عمليات النقد الأجنبي التي انتقلت من التعاملات الثنائية إلى المنصة.
ومن المؤشرات الرئيسية الهامة للحكم على التجربة: حجم الفارق بين السعر المرجعي الناتج عن المنصة، وبين الأسعار المتداولة لدى الصرافين؛ لأن تقلص هذا الفرق سيشير إلى قدرة السوق الرسمية على جذب السيولة والتأثير في التسعير العام، أما اتساع الفجوة فسيكشف استمرار الجزء الأكبر من التعاملات خارج النظام المصرفي.
وسيتوجب نشر تقريرٍ دوري يوضح تطور السوق من دون كشف المراكز الفردية للبنوك؛ فالمعلومات الإجمالية عن الأحجام والأسعار والفوارق تمنح الشركات والمستوردين والجمهور أساسًا لتكوين توقعاتهم، وتحد من انتشار الشائعات التي أصبحت مؤثرًا قويًا في تحركات الريال.
بناء سوق لا مجرد تركيب شاشة
يمثل اعتماد منصة "بلومبرغ" خطوةً متقدمة في تحديث البنية النقدية اليمنية، ويمنح البنك المركزي أداةً افتقدها طويلاً لمراقبة التداول بين البنوك وتكوين سعرٍ قائمٍ على أوامر وصفقات مسجلة، وتزداد قيمتها مع اتساع المشاركة وانتقال تدفقات التحويلات والتجارة إلى الجهاز المصرفي.
وتبقى السيولة العامل الحاسم؛ إذ يتحدد عرض النقد الأجنبي بحصيلة الصادرات والتحويلات والدعم الخارجي والاستثمارات والثقة بالمؤسسات، بينما تعمل المنصة على توزيع هذا العرض وتسعيره وتسجيل انتقاله بين البنوك بشفافية.
ثلاثة أسابيع فقط تفصلنا عن موعد الإطلاق الرسمي، سيحتاج البنك المركزي خلالها إلى استكمال القواعد التشغيلية، واختبار أنظمة التسوية، وتأهيل المتعاملين، وتحديد صُنّاع السوق، ونشر منهجية السعر المرجعي، وربط المنصة بتمويل التجارة والتحويلات وعمليات التدخل، وفتح مسارٍ منظم لاستيعاب السيولة الموجودة لدى قطاع الصرافة.
في الأول من أكتوبر/تشرين الأول القادم، ستبدأ تجربةٌ جديدة تتعلق بمستقبل سوق الصرف اليمنية، وستحدّد طريقة إدارتها ما إذا كانت البنوك ستستعيد دورها في تداول العملات الأجنبية؟ وما إذا كان البنك المركزي سيحصل على سعرٍ مرجعيٍ موثوق، وأداة رقابية فعالة؟ وما إذا كانت السوق الرسمية ستنجح في جذب جزءٍ من الأموال التي تتحرك منذ سنوات خارجها.
لقد امتلك اليمن طويلاً أسعار صرف كثيرة ومعلومات قليلة، ومنصة "بلومبرغ" تمنحه فرصةً لعكس هذه المعادلة، عبر سوقٍ موحدة البيانات، واضحة القواعد، قابلة للرقابة، ومتصلة بالنظام المصرفي، وستتحول الفرصة إلى إصلاحٍ مؤسسي مؤثر عندما تمر عبرها السيولة الحقيقية التي تحرك الاقتصاد اليمني.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
