تقرير | بعد عقد من تعطيل جهود استعادة الدولة.. هل يعود الانتقالي الجنوبي لإنقاذ الحوثي مجددًا؟
في حين تصعّد جماعة الحوثي الانقلابية المصنفة في قوائم الإرهاب، هجماتها على القوات الحكومية وتهديداتها للمملكة العربية السعودية والملاحة الإقليمية، تعود عدن إلى واجهة الصراع الداخلي عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن حل نفسه في يناير الماضي، لكنه ما يزال حاضرًا كقوة سياسية وميدانية.
ففي 7 أغسطس/آب 2026، دعا الانتقالي إلى عصيان مدني في عدن، وهاجم الحكومة والتحالف، بالتزامن مع هجمات حوثية استهدفت مواقع للقوات الحكومية في مأرب وحضرموت، في أعنف تصعيد منذ هدنة 2022.
وأسفرت الهجمات، وفق مصادر محلية، عن عشرات القتلى والجرحى من الجنود، ومن المدنيين جراء القصف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الذي كال مخيمات للنازحين بمأرب. فيما أعلنت السعودية عن إصابة 11 مدنيًا، بينهم طفل، في هجمات حوثية على نجران في 6 أغسطس.
وتأتي هذه التطورات فيما تعمل الحكومة، بدعم سعودي، على إعادة ترتيب أوضاع المناطق المحررة بعد إنهاء التمدد العسكري الأخير للانتقالي في حضرموت والمهرة أواخر 2025.
وتُعيد هذه التحركات إلى الأذهان مساره طوال العقد الماضي، فكلما حاولت الحكومة إعادة تنظيم قواتها وتركيز مواردها لمواجهة الحوثيين، يفجر الانتقالي أزمة تستنزف قرارها ووقتها ومواردها، وتمنح الجماعة الحوثية هامش مناورة لم تكن لتحصل عليه لولا انشغال خصومها ببعضهم.
من الضاحية إلى عدن
تعود جذور هذا المسار إلى ما قبل تأسيس المجلس الانتقالي نفسه. فقد ارتبط عيدروس الزبيدي أثناء نشاطه في الحراك الجنوبي بقيادات جنوبية كانت على صلة وثيقة بحزب الله اللبناني الموالي لإيران، أبرزها علي سالم البيض الذي أقام لسنوات في الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي 2013، اتهمت الحكومة اليمنية الحزب بدعم البيض. ونقلت "الجزيرة" عن وزير الخارجية آنذاك أبو بكر القربي أن الحزب وفر للبيض الحماية، وأن قناة "عدن لايف" المرتبطة به كانت تبث عبر قنوات تابعة للحزب.
أما الزبيدي، فأكدت مصادر يمنية وعربية سفره إلى بيروت عام 2010، ومشاركة عناصر جنوبية في برامج تدريب أشرف عليها حزب الله والحرس الثوري الإيراني.
بعد 2015، أصبح الزبيدي محافظًا لعدن، ثم تأسس المجلس الانتقالي بدعم إماراتي في مايو/أيار 2017. ومنذ تلك اللحظة تشكل في الجنوب كيان سياسي وعسكري يتبنى الانفصال، احتفظ بقيادته وبنيته العسكرية ومشروعه الخاص، ويعمل بالتوازي مع الحكومة لا تحت سلطتها.
أول جبهة داخل الجبهة
في يناير/كانون الثاني 2018 شهدت عدن مواجهات بين قوات الحكومة وقوات الانتقالي، عقب تصعيد الأخير سياسيًا ضد حكومة أحمد عبيد بن دغر. وخلال ساعات، سيطرت قوات الانتقالي على مواقع حكومية ومناطق واسعة من المدينة، قبل تدخل التحالف لوقف القتال.
كانت تلك أول مواجهة كبيرة تفتح جبهة داخل مناطق الحكومة، وتحوّل جزءًا من مواردها وقواتها إلى الصراع مع حليف مفترض، بينما واصل الحوثيون تعزيز موقفهم وتثبيت نفوذهم في صنعاء ومحيطها.
الانتقالي يطرد الحكومة
بعد عام ونصف، اندلعت مواجهة أوسع انتهت في 10 أغسطس/آب 2019 بسيطرة الانتقالي على عدن، قبل أن يمتد القتال إلى أبين وشبوة.
وفي 28 و29 أغسطس/آب، نفذت الإمارات غارات جوية على قوات حكومية كانت تستعد لاستعادة المدينة، فمنعتها من الدخول ومنحت الانتقالي أفضلية ميدانية ساعدته في تعزيز نفوذه والتوسع نحو السيطرة على أبين. وأثارت تلك الضربات أزمة حادة مع الحكومة اليمنية.
حينها، كانت الحرب مع الحوثيين في أوجها، والحكومة بأمسّ الحاجة إلى قواتها ومواردها لمواجهتهم، لكنها وجدت نفسها أمام جبهة أخرى في عدن وأبين وشبوة وسقطرى.
وانتهى التصعيد إلى اتفاق الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، لكن الانتقالي استغل المكانة التي منحها له الاتفاق لتوسيع نشاطه لمنازعة الحكومة على السلطة والقرار، ولم يُنفذ الملحق العسكري والأمني بما ينهي ازدواجية القوة المسلحة ويخضع التشكيلات لقيادة الدولة.
صراع داخل مؤسسات الدولة
في أبريل/نيسان 2020 أعلن الانتقالي "الإدارة الذاتية" لما أسماه الجنوب، في خطوة اعتبرها فريق خبراء مجلس الأمن إجراءً أحاديًا قوض العملية السياسية وأشعل تصعيدًا عسكريًا واضطرابًا اقتصاديًا.
ووثق الفريق استمرار القتال في أبين، وسيطرة الانتقالي على سقطرى، واستحواذه على إيرادات الدولة، إضافة إلى نهب شحنة نقدية بقيمة 64 مليار ريال يمني في يونيو.
وهنا انتقل الانتقالي من السيطرة على الأرض إلى الاستحواذ على مؤسسات الدولة ومواردها. وبالنسبة لحكومة تخوض حربًا طويلة، مثل فقدان الإيرادات ومراكز الإدارة استنزافًا مباشرًا لقدرتها على إدارة الحرب والدولة معًا.
مأرب وشبوة في عمق المشهد
مع أواخر 2021، كان الحوثيون يضغطون بقوّة للسيطرة على مأرب، وتقدموا في المديريات الجنوبية والغربية للمحافظة، إضافة إلى مديريات في البيضاء وشبوة.
وفي العام التالي، وبعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي بهدف إعادة ترتيب الصف المناهض للحوثيين والتوجه نحو استعادة الدولة “سلمًا أو حربًا”، تبدد هذا المسار مع أحداث شبوة في أغسطس/آب 2022.
اندلعت مواجهات بين قوات تابعة للانتقالي مدعومة إماراتيًا وقوات الأمن الخاصة في المحافظة، وانتهت بإخراج الأخيرة، ثم توسع نفوذ الانتقالي وحلفائه إلى أجزاء من أبين.
التمدد شرقًا
في ديسمبر/كانون الأول 2025، نفذ الانتقالي أكبر عملية توسع في تاريخه، وسيطر على مساحات واسعة من حضرموت والمهرة. هذه المرّة، حاول فرض أمر واقع يمتد إلى المحافظات الشرقية ذات الثقل الاقتصادي والجغرافي والموقع الاستراتيجي.
لكن التوسع انهار سريعًا أمام تحرك القوات الحكومية بدعم سعودي، واستعادت الحكومة المحافظتين، وتحول الخلاف إلى أزمة علنية بين الرياض وأبو ظبي.
وفي 7 يناير/كانون الثاني 2026، وبعد انهيار سيطرته، جُرّد الزبيدي من عضويته في مجلس القيادة الرئاسي وأُحيل إلى النيابة بتهم تتعلق بـ“الخيانة العظمى”، قبل أن تعلن هيئة رئاسة الانتقالي بعد يومين حل المجلس وكافة هيئاته ومكاتبه.
عودة التصعيد إلى عدن
بعد فقدانه موقعه الرسمي وتراجع قدرته على فرض أمر واقع عسكري، يحاول الانتقالي نقل التصعيد مجددًا إلى الشارع.
ففي يونيو ويوليو، شهدت عدن وحضرموت احتجاجات لأتباع الانتقالي تحت شعار رفض ما أسموه “الوصاية السعودية”، قبل أن يصل التصعيد إلى الدعوة للتظاهر والعصيان في عدن.
ولم تقتصر الدعوة على المطالب الخدمية والمعيشية؛ فقد هاجم الانتقالي قوات الحكومة والتحالف. كما دعا إلى عدم مواجهة الحوثيين، محذرًا من دفع أبناء الجنوب إلى القتال خارج محافظاتهم، في أوضح موقف يضعه عمليًا في مواجهة جهود الحكومة والتحالف لتوحيد الجبهات ضد جماعة الحوثي الموالية لإيران.
ويُعيد هذا إلى الواجهة نهج الانتقالي الذي استمر طوال العقد الماضي، باندفاعه لفتح جبهة سياسية أو أمنية أمام الحكومة كلما احتاجت إلى توحيد قواتها وتركيز مواردها في مواجهة الحوثيين.
اليوم، تقف الحكومة أمام فرصة لإعادة توحيد القوات والقرار وترسيخ سلطة الدولة، مستفيدة من الدعم السعودي والدولي لإعادة بناء مؤسساتها وتوجيه ثقلها العسكري والسياسي نحو إنهاء التمرد الحوثي وتهديداته للداخل والخارج ضمن المحور الإيراني.
ووفق خبراء، فإن نجاح هذه اللحظة يعتمد على قدرتها على منع عودة عدن إلى دوامة الصراع. فاستنزاف الحكومة في الجنوب لا يعطل فقط معركة استعادة الدولة؛ بل يمنح الحوثيين، مرة أخرى، مكاسب مجانية من صراع خصومهم، ويؤجل حسم مستقبل البلاد.
مسلسل التخادم والتعطيل
2010:
سافر عيدروس الزبيدي إلى بيروت، وفق روايات يمنية وعربية، في مرحلة ارتبطت فيها قيادات من الحراك الجنوبي بعلاقات وبرامج تدريب مرتبطة بحزب الله والحرس الثوري الإيراني.
2015:
أصبح الزبيدي محافظًا لعدن بعد تحريرها من الحوثيين، قبل أن يصبح أحد أبرز قادة المشروع السياسي والعسكري الجنوبي المدعوم إماراتيًا.
مايو 2017:
تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الزبيدي، كقوة سياسية وعسكرية مستقلة عن الحكومة.
يناير 2018:
اندلعت مواجهات في عدن بين قوات الحكومة والانتقالي، انتهت بسيطرة الأخير على مواقع حكومية ومناطق واسعة من المدينة قبل تدخل التحالف.
10 أغسطس 2019:
سيطر الانتقالي على عدن، ثم امتد القتال إلى أبين وشبوة.
28-29 أغسطس 2019:
نفذت الإمارات غارات على قوات حكومية كانت تستعد لاستعادة عدن، ما منعها من دخول المدينة ومنح الانتقالي أفضلية عسكرية.
نوفمبر 2019:
وُقّع اتفاق الرياض لإعادة ترتيب السلطة والقوات، لكنه لم يحسم ازدواجية القوة العسكرية أو ينهي خلاف الانتقالي مع الحكومة.
أبريل 2020:
أعلن الانتقالي “الإدارة الذاتية” للجنوب، في خطوة اعتبرت إجراءً أحاديًا قوض العملية السياسية، وتزامنت مع تصعيد في أبين وسقطرى واضطراب اقتصادي.
سبتمبر-أكتوبر 2021:
تقدم الحوثيون في مديريات محيطة بمأرب، بالتزامن مع تصعيد الانتقالي ضد الحكومة واستمرار الانقسامات داخل الصف الوطني المواجه للجماعة.
أبريل 2022:
تشكل مجلس القيادة الرئاسي بمشاركة الانتقالي، بهدف إعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين، بينما ظلت تشكيلات الانتقالي العسكرية خارج قيادة موحدة للدولة.
أغسطس 2022:
انتهت معارك الانتقالي في شبوة بإخراج قوات الأمن الخاصة من المحافظة، وتوسع نفوذه وحلفائه إلى أجزاء من أبين.
ديسمبر 2025:
سيطر الانتقالي على مساحات واسعة من حضرموت والمهرة، في أكبر عملية توسع عسكري له، محاولًا فرض نفوذ على المحافظات الشرقية.
يناير 2026:
تدخلت السعودية لإنهاء تمدد الانتقالي في حضرموت والمهرة، واستعادت القوات الحكومية المحافظتين، وتطور الخلاف إلى أزمة علنية بين الرياض وأبو ظبي.
يناير 2026:
جُرّد الزبيدي من عضوية مجلس القيادة الرئاسي وأُحيل إلى النيابة بتهم شملت "الخيانة العظمى".
يونيو-يوليو 2026:
عاد الانتقالي إلى التصعيد الشعبي في عدن وحضرموت، عبر احتجاجات رفعت شعارات رفض ما يسميه “الوصاية السعودية”.
6 أغسطس 2026:
صعّد الحوثيون هجماتهم على السعودية، بالتزامن مع هجمات على مواقع للقوات الحكومية في اليمن.
7 أغسطس 2026:
دعا الانتقالي إلى عصيان مدني في عدن، وهاجم الحكومة والتحالف، وحذر من دفع أبناء الجنوب إلى القتال ضد الحوثيين خارج محافظاتهم، بالتزامن مع هجمات حوثية ضد الحكومة والسعودية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
