كشفت مصادر خاصة، متطابقة، أن قيادة مليشيا الحوثي، بما في ذلك مكتب عبد الملك الحوثي نفسه، شرعت خلال الأسابيع الأخيرة بإعادة تقييم طبيعة علاقتها بسلطنة عُمان، وسط مخاوف داخل المليشيا من أن تؤدي التوترات التي شهدتها علاقة مسقط بطهران مؤخرا إلى تغيير الدور العُماني الذي ظل لسنوات يمثل قناة اتصال رئيسية لها مع الخارج.
وتصاعدت هذه المخاوف عقب سلسلة من التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، بدأت مع تصاعد المواجهة الإيرانية-الأمريكية، وما رافقها من تداعيات وهجمات عسكرية وأمنية طالت مصالح ومنشآت اقتصادية ومدنية خليجية، بينها موانئ ومنشآت نفطية عُمانية، وسط اتهامات ايرانية لمسقط بالارتباط بالنشاط العسكري الأمريكي في المنطقة.
وقالت مصادر مطلعة، تحدثت لـ “يمن شباب نت” شريطة السرية؛ إن هذه التطورات دفعت قيادة مليشيا الحوثي، بعد إيران، إلى إعادة النظر في موقع عُمان الإقليمي، وذلك بعد سنوات من التعامل مع مسقط باعتبارها حليفا مقربا ووسيطاً موثوقا للميليشيا مع العالم الخارجي.
ومنذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، تحولت سلطنة عمان إلى أهم قنوات التواصل السياسي والدبلوماسي الخارجي للمليشيا، واحتضنت على أراضيها قيادات حوثية كبيرة، تحت اسم الوفد الحوثي المفاوض برئاسة القيادي الحوثي محمد عبد السلام، المدرج ضمن قائمة الإرهاب الأمريكية
وأشارت مصادر أخرى إلى أن المخاوف الحوثية تصاعدت بالتزامن مع موجة التصعيد العسكري التي أطلقتها المليشيا خلال يوليو/تموز الفائت، والتي شملت إعلانها في 13 يوليو/تموز تنفيذ هجوما استهدف مطار أبها الدولي في السعودية بعدد من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ثم إعلانها بعد أسبوع، في 20 يوليو/تموز، فرض ما وصفته بحظر الملاحة البحرية على السفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر والموانئ السعودية، وصولا الى استهدافها، في 23 يوليو/تموز، ناقلتي نفط سعوديتين، زعمت المليشيا انهما خالفتا قرار الحظر، في خطوة نقلت التصعيد من التهديدات إلى استهداف مباشر لحركة السفن المرتبطة بالسعودية.
وترى المصادر أن تزامن هذا التصعيد مع تغيّر تقدير إيران للدور الإقليمي العُماني، عزز المخاوف داخل قيادات مليشيا الحوثي من أن استمرار العلاقة مع مسقط، بنفس المستوى السابق من الانفتاح، قد يشكل مخاطرة جسيمة، كونها لم تعد قناة تواصل آمنة بعد الآن.
وكشف أحد المصادر، استنادا لما أكد أنها معلومات استخباراتية خاصة، عن تلقي وفد ميليشيا الحوثي المقيم في سلطنة عمان، برئاسة محمد عبد السلام، تعليمات غير مباشرة من مكتب زعيم الجماعة، بضرورة التعامل بحذر أكبر مع الجانب العُماني خلال الفترة القادمة، لكن مع الحرص قدر الإمكان ألا يؤدي ذلك إلى لفت انتباه مسقط، أو توتير العلاقة كليا معها.
ويلفت المصدر إلى أنه لم يسبق أن بلغت مليشيا الحوثي هذا المستوى من الحذر والريبة في علاقتها مع الدولة الخليجية الوحيدة التي تعاملت بتفاني مع الجماعة المتمردة والمصنفة في قائمة الإرهاب الأمريكية وقوائم دول أوروبية وخليجية. كما أنها لم تكن تشكل لهم مجرد قناة موثوقة وآمنة للاتصال الخارجي والتفاوض الدبلوماسي فحسب، بل قناة إمداد لوجستي بالمال والسلاح، بما في ذلك قطع الغيار العسكرية والتكنلوجيا الرقمية، التي كانت تُهَرّب للمليشيا عبر المنافذ العمانية الرسمية وغير الرسمية.
لكن مصادر أخرى، تحدثت لـ “يمن شباب نت” تحت شرط السرية؛ لم تستبعد أن يكون جزء من هذا الحذر والشك مرده خشية قيادة مليشيا الحوثي من أن تكون سلطنة عمان قد امتلكت، خلال سنوات الود والتواصل الطويلة، معرفة واسعة بهيكل المليشيا القيادي في الداخل وارتباطاتها الخارجية، وشبكات قرارها، إلى جانب تفاصيل رئيسية هامة عن شبكاتها الاقتصادية وشركاتها الاستثمارية الخفية، وشبكات التهريب ومصادرها،…، وبالتالي قد تفضي بها هذه الخلافات الأخيرة والتوترات التصاعدية مع طهران إلى أن تستخدم مسقط هذه الأوراق، المعرفية، في سياقات إقليمية مختلفة، لخدمة الولايات المتحدة والسعودية، لا سيما مع ما باتت تعتقده مؤخرا من تغير موقع عُمان في الصراع الإيراني-الأمريكي.
وأكد مصدر خليجي واحد على الأقل، لم يتحدث بصورة مباشرة مع “يمن شباب نت”؛ على وجود مثل هذه المخاوف والتوجسات لدى قيادة المليشيا، وقلقها من أن تتحول العلاقة الطويلة والوطيدة مع عُمان، من ورقة اطمئنان إلى عامل ضغط ومدخل للاختراق، خصوصاً وأن السلطنة راكمت خلال السنوات الماضية معرفة واسعة بمستويات القيادة وآليات اتخاذ القرار داخل المليشيا، بالإضافة إلى شبكات التهريب الخفية واساليبها..
وبحسب أحد المصادر، والذي سبق وأن ذكرنا أنه يستند لمعلومات استخباراتية؛ اتخذت قيادة المليشيا مجموعة إجراءات تكتيكية للتعامل مع هذه المخاوف؛ حيث وجهت مؤخرا بخفض مستوى الاتصال مع وفدها في مسقط، وتقليص وصوله إلى بعض قنوات التواصل المباشر مع القيادات الرئيسية داخل المليشيا، على رأسها قنوات تواصل مع مكتب عبد الملك الحوثي. وذكر المصدر أن هذه الإجراءات، وأخرى لم يذكرها، اتخذت خشية أن تكون سنوات إقامة الوفد الطويلة والآمنة في السلطنة قد أنتجت علاقات واتصالات خاصة خارج الإطار التقليدي للقيادة الداخلية، في الوقت الذي توجد فيه شكوك متنامية تجاه طبيعة العلاقة التي نشأت بين بعض أعضاء وفدها والجهات العُمانية خلال العشر سنوات الماضية.
ونقل مصدر خاص لـ “يمن شباب نت”، عن مصدرين دبلوماسيين، أحدهما يمني؛ أن وفداً عُمانياً كان يستعد لزيارة صنعاء للقاء قيادة مليشيا الحوثي وبحث جهود التهدئة عقب التصعيد العسكري الأخير ضد السعودية، واستهداف مطار أبها، وإعلان حظر الملاحة البحرية للسفن السعودية؛ إلا أن المليشيا لم تقدم رداً حتى الآن بشأن ترتيب هذه الزيارة.
وفي السياق، قالت مصادر سياسية يمنية متواجدة في الرياض- على تواصل بمسؤولين سعوديين معنيين بمتابعة المحادثات مع وفد المليشيا في مسقط: أن السعوديين لاحظوا مؤخرا تغيراً في سلوك الوفد الحوثي المفاوض، تمثل في ارتفاع مستوى الحذر والتحفظ تجاه الدور العُماني، إلى جانب استغراق وقت أطول للحصول على ردود من قيادة المليشيا في الداخل.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news