في كل مرة يعتقد فيها المواطن أن المشهد السياسي يتجه نحو الهدوء، تعود التجاذبات من جديد لتعيد الأزمة إلى نقطة البداية. فمنذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي قبل أربع سنوات، لم تكن المشكلة في غياب المسؤولين أو نقص المناصب، وإنما في غياب رؤية مشتركة حول آلية إدارة الدولة ومسارها خلال المرحلة الانتقالية.
ومنذ تأسيسه، واجه المجلس تحدياً أساسياً يتمثل في الانتقال من صيغة التوازنات السياسية بين مكوناته إلى نموذج أكثر استقراراً وفاعلية في الحكم. فقد تحولت العديد من الملفات، بدءاً من آليات اتخاذ القرار مروراً بالتعيينات وانتهاءً بتوزيع الصلاحيات، إلى نقاط خلاف أثرت على أداء مؤسسات الدولة وأضعفت قدرتها على التعامل مع الملفات العاجلة.
وكان من أبرز مظاهر هذا التعثر حالة عدم الاستقرار التي رافقت السلطة التنفيذية، حيث تعاقب ثلاثة رؤساء للحكومة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، في مؤشر يعكس أن تغيير القيادات لم يكن كافياً لمعالجة الإشكالات المرتبطة بآلية العمل السياسي والإداري.
فجوهر الأزمة لا يرتبط بأسماء المسؤولين بقدر ما يرتبط بالبيئة السياسية التي يعملون داخلها؛ إذ يصل كل رئيس حكومة حاملاً وعوداً بالإصلاح وتحسين الأداء، لكنه يصطدم بتعقيدات سياسية وتعدد مراكز التأثير، ما يجعل تنفيذ الخطط والقرارات أكثر صعوبة.
وفي ظل استمرار الخلافات الأخيرة حول التعديل الحكومي وآليات إدارة المرحلة المقبلة، كشفت مصادر مطلعة عن وجود نقاشات بين أطراف عدة بشأن إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي وتقليص عدد أعضائه، بهدف تعزيز التماسك الداخلي وإنهاء حالة التباين التي أثرت على عمل مؤسسات الشرعية.
وبحسب المصادر، فإن التصور المطروح يتجه إلى الإبقاء على رئيس مجلس القيادة الرئاسي مع تقليص تركيبة المجلس، فيما لا تزال المشاورات مستمرة للوصول إلى صيغة جديدة تضمن وضوحاً أكبر في المسؤوليات وقدرة أعلى على اتخاذ القرار.
ويرى مراقبون أن أي عملية إعادة هيكلة لن تكون كافية بمفردها ما لم ترافقها إصلاحات أوسع تعالج أسباب التعثر، وفي مقدمتها تنظيم الصلاحيات، وتوحيد القرار التنفيذي، والانتقال من إدارة الخلافات السياسية إلى بناء مؤسسات قادرة على العمل بكفاءة.
فالمرحلة المقبلة تتطلب قيادة أكثر انسجاماً، وآليات قرار واضحة، وتركيزاً على مواجهة التحديات الكبرى بدلاً من استنزاف الجهد في الخلافات الداخلية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news