يدعو أحمد الخامري من خلال ورقة سياسات قدمها، إلى التعامل مع الترتيبات الأمنية الهجينة كأدوات انتقالية تعزز مؤسسات الدولة بدلاً من أن تصبح بديلاً دائماً عنها
تجادل ورقة سياسات جديدة للخبير اليمني أحمد الخامري بأن واقع الصراع الممتد في اليمن يتطلب إعادة النظر في الأساليب التقليدية المتبعة في إصلاح القطاع الأمني وبناء مؤسسات الدولة. فبعد أكثر من عقد من الحرب، لم يعد المشهد الأمني اليمني قائماً على مؤسسات موحدة وتسلسل قيادي مركزي، بل أصبح يتكوّن من تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة، وشبكات نفوذ إقليمية، وسلطات محلية، ومؤسسات رسمية تعمل ضمن منظومة متداخلة من الشرعيات والاختصاصات.
وتحمل الورقة، التي نشرها مركز كاربو، فكرة مركزية مفادها أن السياسة الواقعية في البيئات المنقسمة لا تستطيع انتظار تسوية سياسية شاملة قبل التعامل مع الاحتياجات الأمنية العاجلة. لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تقبل بالتشظّي بوصفه وضعاً نهائياً أو دائماً.
وترى الورقة أن التحدي الحقيقي أمام اليمن وشركائه الدوليين لم يعد يتمثل في الاختيار بين إصلاح مؤسسات الدولة أو إدارة الواقع الأمني القائم، بل في كيفية تنفيذ المسارين معاً: إدارة الانقسام والحد من العنف في المدى القريب، مع استخدام آليات التنسيق نفسها لبناء مؤسسات وطنية أكثر شرعية وقدرة ومساءلة على المدى الطويل.
من إصلاح القطاع الأمني إلى إدارة الواقع المجزأ
تشير الورقة إلى أن المقاربات الدولية التقليدية لإصلاح القطاع الأمني افترضت عادة أن الدول المتأثرة بالنزاعات ستتمكن تدريجياً من توحيد مؤسساتها، واستعادة احتكار استخدام القوة، وإعادة بناء أجهزة أمنية وعسكرية مركزية خاضعة لسلطة مدنية.
لكن تجارب اليمن وليبيا وسوريا والسودان والصومال وعدد من دول الساحل أظهرت أن الصراعات الممتدة قد تتحرك في الاتجاه المعاكس. فبدلاً من الانتقال السريع نحو سلطة مركزية موحدة، تتوسع أنظمة الحكم المجزأة، وتتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع الفاعلين المحليين والجماعات المسلحة والداعمين الخارجيين.
وفي هذا السياق، تستخدم الورقة مفهوم «الترتيبات الأمنية الهجينة» لوصف آليات التنسيق والتعايش والتعاون التي تجمع مؤسسات الدولة وفاعلين أمنيين غير مندمجين بالكامل وشركاء إقليميين ودوليين.
ولا يقدم الباحث هذه الترتيبات باعتبارها النموذج المثالي لحوكمة الأمن، بل باعتبارها استجابة عملية لواقع لا تستطيع فيه الدولة فرض بنية أمنية موحدة بصورة فورية. ويرى أن شرعية هذه الترتيبات تعتمد على قدرتها على تعزيز سلطة الدولة تدريجياً، لا على تحويل تعدد السلطات والتشكيلات إلى نظام دائم.
اللجنة العسكرية العليا: تنسيق بدلاً من التوحيد الفوري
تتناول الورقة اللجنة العسكرية العليا بوصفها أحد أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه. فقد أُنشئت اللجنة بقرار رئاسي وبدعم سعودي بهدف إيجاد إطار مشترك للتنسيق بين التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين والمرتبطة بمكونات سياسية ومناطقية وشبكات دعم مختلفة.
وبدلاً من محاولة دمج جميع القوات فوراً في هيكل واحد، تعمل اللجنة على إيجاد إجراءات مشتركة لإدارة العمليات وتسوية الخلافات والحد من الصدامات بين القوى المنضوية اسمياً تحت مظلة الحكومة.
وترى الورقة أن أهمية اللجنة لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية، بل في كونها تنقل التنسيق من العلاقات الشخصية والترتيبات المؤقتة إلى إطار مؤسسي معترف به. فهي توفر مساحة لإدارة الخلافات وتعويد التشكيلات المتنافسة على التخطيط والتنسيق المشتركين.
غير أن الخطر، بحسب الورقة، يتمثل في إمكانية تحوّل اللجنة إلى بديل دائم عن وزارة الدفاع والتسلسل القيادي الرسمي. ولذلك ينبغي أن تُستخدم إجراءاتها وخبراتها بوصفها أساساً يمكن نقله تدريجياً إلى المؤسسات الوطنية، بما في ذلك أنظمة القيادة والتخطيط والقضاء العسكري وإدارة النزاعات داخل القوات المسلحة.
الأمن البحري: تعاون دولي يجب أن يترك دولة أقوى
وتناقش الورقة أيضاً شراكة الأمن البحري اليمنية، التي أُطلقت في عام 2025 بقيادة مشتركة من المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة وبالشراكة مع الحكومة اليمنية.
وتتولى الشراكة تنسيق الدعم الدولي المقدم لخفر السواحل اليمني، بما يشمل التدريب، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير القدرات التشغيلية، وتعزيز الوعي بالمجال البحري، ومكافحة التهريب والاتجار غير المشروع والقرصنة.
وتنبع أهمية الأمن البحري من الموقع الاستراتيجي لليمن على البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، حيث تتقاطع التهديدات المحلية مع أمن الملاحة الدولية، وتهريب الأسلحة، والجريمة المنظمة، ونشاط الجماعات المسلحة، والصراعات الإقليمية.
لكن الورقة تحذر من اختزال الشراكة في توفير المعدات والتدريب أو إنشاء منصات دولية للتنسيق. فالمعيار الحقيقي لنجاحها، وفقاً للباحث، ليس حجم الأنشطة التي تنفذها، بل مقدار القدرة المؤسسية والسيادة التي تتركها لدى الدولة اليمنية.
ولهذا تدعو الورقة إلى تمرير الدعم عبر هيكل القيادة الوطني لخفر السواحل، وربط بناء القدرات بالموانئ والجمارك وهيئات المصائد والسلطات القضائية، وضمان انتقال وظائف أي آليات موازية تدريجياً إلى المؤسسات الوطنية.
مكافحة الإرهاب بين الضرورة العملياتية ومخاطر غياب المساءلة
أما الحالة الثالثة فتتعلق بهياكل مكافحة الإرهاب، حيث تعمل في اليمن جهات عسكرية وأمنية واستخباراتية متعددة بولايات قانونية متداخلة وبعلاقات دعم خارجية مختلفة.
وتشير الورقة إلى أن مواجهة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وغيره من التهديدات تعتمد عملياً على تبادل المعلومات، وتنسيق العمليات، ومنع الاحتكاك بين التشكيلات، والتعاون مع السلطات المحلية والشركاء الخارجيين.
ويمثل ذلك، بحسب الدراسة، نموذجاً واضحاً لحوكمة أمنية هجينة فرضها الواقع. فشبكات الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة لا تلتزم بالحدود الإدارية أو الوطنية، كما أن ارتباطات البحر الأحمر والقرن الأفريقي تتطلب تعاوناً عابراً للمناطق والاختصاصات.
لكن هذه الضرورة لا تلغي المخاطر. فغياب الولايات القانونية الواضحة والرقابة القضائية والمدنية قد يؤدي إلى الاعتقال التعسفي، والاحتجاز خارج المؤسسات الرسمية، والاستهداف السياسي، وانتهاكات حقوق الإنسان، وضعف الشفافية.
وتدعو الورقة إلى أن يقترن كل استثمار في تبادل المعلومات أو العمليات المشتركة باستثمار موازٍ في التشريعات، والنيابة والقضاء، ومعايير الاحتجاز، والرقابة المدنية، والمؤسسات الوطنية التي ينبغي أن تتحمل في نهاية المطاف المسؤولية الدائمة عن مكافحة الإرهاب.
إدارة التشظّي لا تعني القبول به
تخلص الورقة إلى أن الترتيبات الأمنية الهجينة أصبحت واقعاً عملياً في الصراعات الممتدة، وأنها قد تكون ضرورية لمنع الانهيار الكامل وتقليل العنف والحفاظ على الحد الأدنى من التعاون.
إلا أن التعامل الواقعي مع هذه الترتيبات لا ينبغي أن يتحول إلى قبول دائم بتعدد الجيوش والسلطات والولايات الأمنية. فحين تُموّل آليات التنسيق من دون مسار واضح لتعزيز الوزارات والمؤسسات القضائية والرقابية، فإنها قد تصبح أنظمة قائمة بذاتها، وتعيد إنتاج الانقسام الذي أُنشئت لمعالجته.
وتوصي الورقة بأن يدمج المانحون والشركاء بناء الدولة في جميع مراحل تنفيذ البرامج الأمنية، بدلاً من التعامل مع التنسيق الأمني وبناء المؤسسات باعتبارهما مسارين منفصلين. ويشمل ذلك إشراك الوزارات والسلطات المدنية وهيئات الرقابة والإدارة العامة في تصميم آليات التنسيق وتشغيلها.
كما تدعو إلى إعداد خريطة طريق لإصلاح القطاع الأمني ضمن أي عملية سلام مستقبلية، بحيث لا تقتصر المفاوضات على دمج القوات، بل تتناول أيضاً القيادة والرقابة المدنية والولايات القانونية والقضاء وإدارة الموارد والرواتب وحماية السكان.
وتؤكد الورقة في نهايتها أن الهدف طويل الأجل يظل بناء مؤسسات دولة شرعية وقادرة وخاضعة للمساءلة. أما الترتيبات الهجينة، فينبغي أن تُقاس قيمتها بمدى مساهمتها في الوصول إلى ذلك الهدف، لا بقدرتها على إدارة الانقسام إلى أجل غير محدد.
وبذلك تضع الورقة أمام صانعي القرار اليمنيين والدوليين سؤالاً حاسماً: هل تتحول آليات التنسيق الحالية إلى جسور نحو دولة أكثر تماسكاً، أم تصبح هياكل دائمة لإدارة دولة مجزأة؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news