تشهد العلاقة بين ميليشيا الحوثي والفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق تحولا نوعيا، تجاوز حدود التقارب السياسي والأيديولوجي إلى مستويات أكثر تعقيدا من التكامل العسكري والأمني.
وتسعى إيران إلى إعادة ترتيب شبكات نفوذها الإقليمية لمواجهة الضغوط المتصاعدة على أكثر من جبهة.
وأقرّت ميليشيا الحوثي مؤخراً بمصرع أحد قياداتها العسكرية في العراق، خلال الضربات الأمريكية – السعودية المنسقة التي استهدفت مواقع تابعة لفصائل عراقية مسلحة الأسبوع الماضي.
وأعادت الواقعة تسليط الضوء على طبيعة حضور الحوثيين خارج اليمن، وحدود العلاقة التي تربطهم بالفصائل العراقية.
تشابك عملياتي
وقالت مصادر عسكرية يمنية لـ"إرم نيوز"، إن القيادي الحوثي محمد العياشي، تلقى على مدى السنوات الماضية تدريبات مكثفة داخل مختبرات القوة "الجوفضائية" وقاعدتي "سمنان" و"كاشان" الجويتين في إيران، بإشراف خبراء من الحرس الثوري، قبل أن يتحول إلى أبرز المختصين في هندسة وتصنيع الطائرات المسيّرة الانتحارية لدى الميليشيا.
وبحسب المصادر، فإن مقتل العياشي داخل العراق يكشف عن مستوى متقدم من التشابك العملياتي وتبادل الخبرات بين الحوثيين والفصائل العراقية، ويعكس اتساع نطاق التعاون العسكري بين الجانبين إلى ما يتجاوز الدعم السياسي التقليدي.
وفي مؤشر على تطور أنماط التنسيق بين أذرع إيران الإقليمية، عززت الهجمات الأخيرة التي انطلقت من الأراضي العراقية نحو منشآت نفطية شرق السعودية، من فرضية التكامل العملياتي، في ظل تبني الحوثيين للعملية دون الكشف عن تفاصيلها، في حين نفت الفصائل العراقية مسؤوليتها عن الهجوم.
وتشير تقارير دولية إلى أن هذه الهجمات جاءت بالتنسيق بين الفصائل العراقية وميليشيا الحوثي، بإشراف من الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يراه مراقبون جزءا من آلية توزيع الأدوار داخل شبكة النفوذ الإيرانية، بما يمنح أطرافها هامشا أوسع للمناورة السياسية والأمنية.
وعلى مدى أكثر من عقد، انتقلت علاقة الحوثيين والفصائل المسلحة في العراق، بتطورات تدريجية، من تبادل المواقف السياسية، إلى الزيارات المتبادلة واللقاءات القيادية، مرورا بالتعاون في مجالات التدريب العسكري، ووصولا إلى شراكة عملياتية أكثر تنظيميا واتساعا.
تأثيرات مضاعفة
ويرى المحلل العسكري، العقيد محسن الخضر، أن علاقة الطرفين وصلت خلال العامين الماضيين إلى مستويات متقدمة من التنسيق العملياتي الذي يتجسد في أكثر من 15 هجوما متزامنا نفذها الحوثيون والفصائل العراقية ضد أهداف إسرائيلية ومسارات الملاحة البحرية.
وقال الخضر لـ"إرم نيوز"، إن تزامن هذه العمليات حمل مؤشرات على وجود غرفة تنسيق مشتركة فعّلها الحرس الثوري الإيراني لتوزيع الأدوار بين الجبهات المختلفة، بما يسمح بفتح بؤر ضغط متزامنة تهدف إلى إرباك قدرة الخصوم على التعامل مع كل ساحة بصورة منفصلة.
وبيّن أن تفعيل هذه الغرفة المشتركة وقتئذ جاء لتعويض تراجع الحضور العملياتي لميليشيا حزب الله في لبنان، وانحسار النفوذ الإيراني في سوريا، قبل أن يعود هذا النمط مجددا إلى الواجهة في الوقت الراهن، في ظل تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية التي تواجهها إيران.
ووفق تقدير الخضر، فإن إيران تهدف من خلال تحويل العراق إلى منصة لوجستية مشتركة لتنسيق الهجمات المتزامنة في أكثر من مسرح، إلى مضاعفة أثر عمليات أذرعها العسكرية في المنطقة، سعيا إلى توسيع نطاق الصراع وزيادة كلفته الاقتصادية.
حلقة وصل
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من تصعيد متزامن على أكثر من جبهة، وسط ترجيحات بأن إيران ماضية في إدارة حلفائها وفق نموذج "الجبهات المترابطة"، الذي يسمح بتوزيع الأدوار والضغوط بين أكثر من ساحة، مع تقليل الاعتماد على مركز قيادة واحد.
ويقول محلل الشؤون الأمنية، عاصم المجاهد، إن الدور الذي يؤديه العراق في استراتيجية طهران تجاه الحوثيين، لا يتعلق بكونه مركزا محتملا لإدارة عملياتهم العسكرية، بل بوصفه حلقة وصل مهمة في منظومة التنسيق والارتباط بين أطراف المحور.
وأوضح المجاهد، في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن إيران اعتمدت خلال السنوات الأخيرة نموذجا يقوم على اللامركزية العملياتية في إدارة حلفائها الإقليميين، بحيث تحتفظ كل جماعة بهامش واسع من الاستقلال في إدارة عملياتها، مع الإبقاء على قنوات مشتركة للتنسيق السياسي والعسكري، وتبادل المعلومات والخبرات، بما يحقق تكاملا وظيفيا بين مختلف مكونات ما يُعرف بـ"محور المقاومة".
وأضاف أن أهمية العراق، وفق هذا المنظور، لا تنبع فقط من احتمالية استخدامه منصة لتنسيق بعض الأنشطة العسكرية، وإنما من موقعه الجغرافي الملائم لهذا الدور داخل شبكة النفوذ الإيرانية الممتدة من طهران إلى بغداد، ثم إلى بيروت وصنعاء.
وأكد أن هذا يمنح العراق دورا مهما في تسهيل التواصل بين الفصائل، وتبادل الخبرات، وربط شبكات الدعم اللوجستي، وتيسير حركة الأفراد والمعلومات بين ساحات النفوذ المختلفة.
وذكر أن الضغوط غير المسبوقة المفروضة على إيران، تدفعها إلى تعزيز نموذج "الشبكة متعددة المراكز"، الذي يوفر مرونة أكبر في إدارة حلفائها الإقليميين، بدلا من الاعتماد على غرفة قيادة مركزية واحدة قد تكون عرضة للاستهداف المباشر أو التعطيل.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news