في خطوة تعكس تصاعد القلق من تهديدات الملاحة في البحر الأحمر، تقود المملكة العربية السعودية مشاورات مع عدد من الدول لبحث إنشاء تحالف دولي يهدف إلى حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم من الهجمات المتكررة التي يشنها الحوثيون على السفن التجارية.
ويأتي هذا التحرك في ظل تنامي المخاوف من تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة تهدد أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وتزيد من تعقيدات المشهد الأمني في الشرق الأوسط.
وبحسب مصادر مطلعة، لا تزال المشاورات في مراحلها الأولى، ولم يُحسم بعد شكل التحالف أو الدول التي ستشارك فيه، إلا أن طبيعة الاتصالات تعكس إدراكاً متزايداً بأن حماية الملاحة لم تعد مسؤولية إقليمية فحسب، بل قضية دولية تمس الاقتصاد العالمي، خاصة مع استمرار الهجمات على السفن العابرة لمضيق باب المندب والبحر الأحمر.
ويأتي التحرك السعودي في وقت دفعت فيه الاعتداءات الحوثية العديد من شركات الشحن العالمية إلى تغيير مسارات سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين، وانعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة الدولية وأسعار السلع.
وتنظر الرياض إلى البحر الأحمر باعتباره شرياناً حيوياً لأمنها الاقتصادي، إذ تمتلك المملكة أحد أطول السواحل على هذا الممر البحري، كما تعتمد موانئه في جزء مهم من صادراتها النفطية وحركتها التجارية، إلى جانب ارتباط مشاريعها الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها "رؤية 2030"، باستقرار البيئة البحرية وضمان انسياب التجارة الدولية.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن المملكة تسعى إلى نقل ملف أمن البحر الأحمر من إطار ردود الفعل إلى مقاربة أكثر استدامة تقوم على العمل الجماعي وتوزيع الأدوار بين الدول المعنية، بما يضمن استجابة أكثر فاعلية للتحديات الأمنية المتزايدة.
ويرى مراقبون أن التحالف المقترح لن يقتصر على الوجود العسكري البحري، بل قد يشمل منظومة متكاملة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، والإنذار المبكر، وتنسيق الدوريات البحرية، ومرافقة السفن التجارية في المناطق عالية الخطورة، فضلاً عن تعزيز التعاون في مجالات المراقبة الإلكترونية واستخدام التقنيات الحديثة لرصد التهديدات قبل وقوعها.
ويستند هذا التصور إلى الدروس المستفادة من التحالفات البحرية السابقة التي أُنشئت لمكافحة القرصنة في خليج عدن، إلا أن التحدي الحالي يختلف من حيث طبيعة التهديد، إذ يتعلق بهجمات تنفذها جماعة تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة وزوارق مفخخة، بما يجعل حماية الملاحة أكثر تعقيداً من مجرد مكافحة أعمال القرصنة التقليدية.
المملكة تسعى إلى نقل ملف أمن البحر الأحمر من إطار ردود الفعل إلى مقاربة أكثر استدامة تقوم على العمل الجماعي وتوزيع الأدوار بين الدول المعنية، بما يضمن استجابة أكثر فاعلية للتحديات الأمنية المتزايدة.
كما يعكس التحرك السعودي تحولاً في مقاربة أمن البحر الأحمر، بحيث لم يعد الهدف مقتصراً على حماية السفن السعودية أو الإقليمية، وإنما تأمين ممر يمر عبره نحو 12 في المئة من التجارة العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.
ويكتسب هذا التحرك أهمية إضافية في ظل اتساع رقعة التوترات في الشرق الأوسط، إذ باتت الممرات البحرية جزءاً أساسياً من معادلات الصراع الإقليمي. فاستمرار استهداف السفن يهدد بإطالة أمد اضطراب سلاسل التوريد العالمية، ويزيد الضغوط على الاقتصاد الدولي الذي لا يزال يتعامل مع تداعيات أزمات متلاحقة.
وفي هذا السياق، تسعى الرياض إلى بناء توافق دولي يقوم على اعتبار أمن البحر الأحمر مسؤولية جماعية، وليس شأناً يخص الدول المطلة عليه فقط. ويعكس ذلك إدراكاً بأن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر ستكون له تداعيات مباشرة على التجارة العالمية وأسواق الطاقة وأسعار الشحن والتأمين.
ويرى محللون أن فرص نجاح أي تحالف جديد ستعتمد على حجم المشاركة الدولية، ومستوى التنسيق بين القوى البحرية الكبرى والدول الإقليمية، إضافة إلى وجود رؤية موحدة للتعامل مع مصادر التهديد، وليس الاكتفاء بحماية السفن بعد تعرضها للاستهداف.
كما أن نجاح المبادرة يرتبط بقدرة التحالف المحتمل على تحقيق توازن بين الردع العسكري والحفاظ على حرية الملاحة، بما يمنع انزلاق البحر الأحمر إلى مواجهة مفتوحة قد تزيد من تعقيد الأوضاع الأمنية في المنطقة.
وتأتي هذه المشاورات أيضاً في إطار سياسة سعودية أوسع تهدف إلى تعزيز الأمن الإقليمي عبر الشراكات الدولية، بما ينسجم مع الدور المتنامي للمملكة في الملفات الأمنية والاقتصادية، ويؤكد أن حماية الممرات البحرية أصبحت جزءاً من استراتيجية شاملة لحماية الاستقرار الإقليمي ودعم الاقتصاد العالمي.
ولا يمثل التحرك السعودي مجرد استجابة آنية للهجمات الحوثية، بل يعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة صياغة منظومة الأمن البحري في البحر الأحمر على أسس جماعية ودائمة.
ومع استمرار التهديدات، تبدو الرياض عازمة على حشد دعم دولي لتأمين هذا الممر الحيوي، انطلاقاً من قناعة بأن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية محلية أو إقليمية، بل أصبح أحد المرتكزات الأساسية لاستقرار التجارة العالمية وأمن الطاقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news