ارتبطت الحروب في الأذهان غالباً بالدمار المادي والانهيار الاقتصادي، غير أن أشد المعارك فتكا وخطورة هي تلك التي تدور في الخفاء، إذ تستهدف ذاكرة الإنسان ووعيه قبل أن تطال الحجر، وتسعى لامتلاك الماضي لتشكيل المستقبل وفق رواية الفائز.
وتدرك جماعة الحوثي أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع ديمومة أو مبررا للبقاء، وأن بقاءها مرهون بتشكيل القناعات، لذا اتجهت نحو التعليم باعتباره السلاح الأشد تأثيراً في غرس الأفكار وتوجيه عقول الأجيال القادمة، لذا حولت الجماعة الحوثية المناهج الدراسية في اليمن إلى أداة صراع فكري وسياسي جاد، تتجاوز أدوار التطوير التربوي المعتاد.
فالتغييرات التعليمية لم تعد مجرد تعديل شكلي أو حذف وإضافة لفقرات دراسية، بل أضحت محاولة ممنهجة لإعادة صياغة الهوية الوطنية، وتحريف الرموز التاريخية، وإعادة تعريف المفاهيم الدينية والسياسية، فالجدل القائم اليوم في اليمن لا يتوقف عند حدود كتاب مدرسي، بل يتعلق بالهوية التي ستستقر في وجدان أجيال المستقبل، والصورة التي يُراد رسمها لليمن مجتمعاً ودولة.
عندما يصبح الماضي ساحة معركة
ولم تعد السيطرة على الجغرافيا وحدها بالنسبة للمليشيا الحوثية كافية لضمان بقاء مشروعها الطائفي، فالتجارب السياسية الحديثة أثبتت أن النفوذ الحقيقي يبدأ من السيطرة على التاريخ، ولهذا تسعى المليشيا إلى إعادة إنتاج الماضي بما يخدم الحاضر، عبر تقديم رواية جديدة للأحداث، وإعادة ترتيب الشخصيات والرموز، وانتقاء الوقائع التي تمنحها شرعية تاريخية، في مقابل تهميش أو إقصاء كل ما يتعارض مع سرديتها.
فلم يقتصر الصراع على السلطة والسلاح، بل امتد إلى الرواية التاريخية ذاتها، إذ لم تعد كتب التاريخ تكتفي بسرد الوقائع، بل أصبحت تقدم تفسيرًا جديدًا للتاريخ اليمني والإسلامي، يربط بين مشروعها السياسي والطائفي ومحطات تاريخية ودينية تمتد عبر قرون، وبهذه الآلية يتحول الماضي إلى مصدر دائم لإضفاء الشرعية على الحاضر، بينما يجري تقديم الأحداث الراهنة بوصفها امتدادًا طبيعيا لذلك التاريخ.
ويرى باحثون أن خطورة هذه العملية تكمن في أنها لا تستهدف الجيل الحالي فحسب، وإنما تراهن على الأجيال القادمة التي لم تعش الأحداث الأصلية، ولن تعرفها إلا من خلال المناهج الدراسية، فالطالب لا يقرأ التاريخ باعتباره رواية قابلة للنقاش، بل يتلقاه بوصفه حقيقة نهائية، وهو ما يجعل أي تعديل في محتوى المناهج استثمارًا طويل الأمد في تشكيل الوعي.
كما أن إعادة كتابة التاريخ لا تعني دائمًا اختلاق أحداث جديدة، بل غالبًا ما تتم عبر الانتقاء والحذف وإعادة التفسير، فقد تُضخم شخصيات معينة، وتُختزل أدوار أخرى، وتُعاد قراءة الوقائع بمنظور يخدم فكرة واحدة، حتى يبدو التاريخ وكأنه يسير في اتجاه واحد، يقود إلى النتيجة التي يراد تثبيتها في أذهان المتعلمين، ولهذا فإن الصراع على التاريخ ليس خلافًا أكاديميًا بين المؤرخين، بل هو صراع على الهوية الوطنية، وعلى تعريف الدولة، وعلى رسم صورة الماضي التي ستحدد شكل المستقبل.
قراءة مبكرة
التحذيرات من التغييرات التي طالت المناهج الدراسية في اليمن لم تقتصر على المواقف السياسية أو التصريحات الإعلامية، بل تناولتها أيضًا دراسات بحثية سعت إلى تحليل طبيعة هذه التعديلات وأهدافها بعيدة المدى، ومن أبرزها الدراسة التي أصدرها مركز البحوث والتواصل المعرفي في الرياض في العام 2021، بعنوان "المناهج اليمنية والتغييرات التي أحدثها الحوثيون.. دراسة تحليلية"، للباحث الدكتور عبد الكريم بن أسعد اليماني.
وقد رصدت الدراسة، في أكثر من مئة صفحة، نماذج للتعديلات التي أُدخلت على المناهج، محللةً دلالاتها الفكرية وأهدافها الإستراتيجية، وخلُصت إلى أن التغييرات لم تكن متفرقة أو عشوائية، بل جاءت ضمن رؤية متكاملة لإعادة تشكيل البيئة التعليمية، من خلال تعزيز حضور رموز الجماعة داخل المحتوى الدراسي، وإعادة صياغة بعض المفاهيم التاريخية والدينية بما يخدم المشروع الفكري للجماعة.
كما تناولت الدراسة قضايا أخرى رأت أنها ترتبط بالمسار نفسه، من بينها تكثيف البعثات الدراسية إلى إيران والعراق، ورصد ما وصفته بظهور مضامين إقصائية في بعض المواد التعليمية، داعية إلى إجراء المزيد من الدراسات المتخصصة حول مصادر المناهج الجديدة، وآليات بنائها، وآثارها المستقبلية على الهوية الوطنية والوعي الجمعي.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها من أوائل الدراسات التي تناولت التغييرات في المناهج بمنهج تحليلي، قبل أن يحظى هذا الملف باهتمام واسع من المؤسسات البحثية والحقوقية خلال السنوات اللاحقة.
تفخيخ المناهج
ويرى باحثون ومتخصصون في الشأن التربوي أن أخطر ما شهدته اليمن خلال سنوات الصراع لا يتمثل في الدمار الذي طال البنية التحتية، بل في التغييرات التي مست المناهج الدراسية، باعتبارها تمس وعي الأجيال ومستقبل المجتمع.
ويصف الباحث في الفكر الإسلامي الدكتور عبد الله القيسي هذه التعديلات بأنها "أخطر جرائم الحوثيين منذ الانقلاب"، معتبرًا أن أثرها يمتد لعقود، لأن "المناهج التعليمية في أي بلد هي دستور أهم من الدستور السياسي، فهي التي تنظم طريقة التفكير في المجتمع".
ويحذر القيسي من أن تحويل المناهج إلى أدوات لنشر الأفكار المتطرفة وإقصاء المخالفين "جريمة متكاملة" من شأنها أن تكرس الانقسام وتغذي دوائر الصراع مستقبلًا.
وتتوافق هذه الرؤية مع ما وثقه المركز اليمني للدراسات والإعلام التربوي، الذي أشار إلى أن الجماعة أجرت أكثر من (1024) تغييرًا في المناهج، شملت إضافة (162) درسًا جديدًا، وحذف (187) درسًا كانت معتمدة قبل عام 2014، إلى جانب إعادة تفسير النصوص الدينية بما يتوافق مع رؤيتها العقدية، وإعادة ترتيب المحتوى وتقديمه بصورة تخدم خطابها الأيديولوجي.
ورصدت الدراسات نماذج متعددة لهذه التغييرات، من بينها تفسير بعض الآيات القرآنية وفق مفاهيم "الولاية" و"العترة"، وتقديم عبد الملك الحوثي بوصفه أحد "أعلام الهدى"، وإعطاء أولوية لسيرة علي بن أبي طالب قبل السيرة النبوية في بعض المقررات، كما تضمنت الكتب صورًا لمقاتلي الجماعة باعتبارهم "مجاهدين"، وتحولت بعض الأناشيد المدرسية إلى زوامل تعبئة، فيما أُدرجت صور أطفال مسلحين، ومقابر، وشعارات الجماعة في عدد من المقررات.
وامتدت التعديلات إلى كتب التاريخ والتربية الوطنية، حيث أُبرزت انقلاب 21 سبتمبر 2014 بوصفه "ثورة"، في مقابل تقليص أو تشويه الحديث عن ثورة 26 سبتمبر 1962، وحذف دروس عن الدول اليمنية القديمة وشخصيات وطنية بارزة مثل الإمام الشوكاني، ومحمد محمود الزبيري، وعلي عبد المغني، واستبدالها بدروس عن يحيى بن الحسين الرسي، والقاسم بن محمد، كما حُذفت قصص شخصيات إسلامية وعربية مثل عمر بن عبد العزيز، وعمر المختار، ويوسف العظمة، وأُحلت محلها موضوعات عن صالح الصماد والملصي وبعض أئمة الدولة الإمامية، في خطوة اعتبرها باحثون جزءًا من إعادة تشكيل الذاكرة التاريخية والرمزية للأجيال الجديدة.
وتتعدد النماذج لما طاله العبث الحوثي من الدروس والمحتوى والصور التي تضمنتها المناهج الدراسية الجديدة لمليشيا الحوثي التي وزعتها على المدارس، ففي الصف الأول سيجد التلميذ تفسير سورة الفاتحة بالبعد الطائفي حيث الآية {اهدنا الصراط المستقيم} تفسر على أنها طريق الأنبياء وأعلام الهدى المدعين أنهم السلالة والعترة، وعلم الهدى بحسب أفكار الجماعة اليوم عبد الملك الحوثي، وتفسير {المغضوب عليهم} اليهود ومن تولاهم والذي لا يؤمن بأعلام الهدى اليوم يدخل ضمن المغضوب عليهم.
من الحذف إلى الإحلال
وتكشف مراجعات أجرتها مراكز بحثية، من بينها معهد IMPACT-se ، ومركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، ومنصة صدق اليمنية، أن التعديلات التي طالت المناهج في مناطق سيطرة الحوثيين اتسمت بالتدرج والشمول، إذ بدأت من الصفوف الأولى، ثم اتسعت لتشمل مختلف المراحل التعليمية، مع تركيز واضح على مواد التربية الإسلامية، واللغة العربية، والتاريخ، والتربية الوطنية.
وترى هذه الدراسات أن التغييرات لم تقتصر على الحذف والإضافة، بل شملت إعادة بناء المفاهيم والرموز التي يتلقاها الطالب.
ففي الصفوف الأولى، رُصد إقحام شعار الجماعة "الصرخة" داخل تمارين اللغة العربية والحساب، واستخدام رموز وصور ذات طابع عسكري، إلى جانب إدراج دروس في التربية الإسلامية تقدم شخصيات الجماعة بوصفها نماذج ملهمة للأطفال بدلًا من النماذج الأخلاقية العامة.
وفي المرحلة الأساسية أضيفت دروس عن الغزوات والمعارك من منظور طائفي، مع تقليص أو حذف بعض الموضوعات المتعلقة بالصحابة، واستبدالها بروايات تعزز مفهومي "الولاية" و"آل البيت" واقتباسات من ملازم مؤسس الجماعة حسين الحوثي، كما رصدت التقارير استبدال مصطلح "الخليج العربي" بـ"البحر الفارسي"، كما أشارت الدراسات إلى تفسير بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية استنادًا إلى "ملازم" حسين الحوثي، خصوصًا في موضوعات الجهاد والإنفاق والولاية، إلى جانب إعادة تعريف مفاهيم "الوطن" و"العدو"، من خلال تصنيف المخالفين سياسيًا وفكريًا بوصفهم أعداء دينيين ووطنيين، وربط الشرعية السياسية بالانتساب إلى "السلالة" بدلًا من مبدأ التداول السلمي للسلطة، في نموذج قالت تلك الدراسات إنه يعكس تحول المناهج من أدوات تعليمية إلى وسائل لإعادة تشكيل الهوية والذاكرة الجمعية.
شهادات من الداخل
وبحسب شهادات مسؤولين سابقين وناشطين يمنيين فإن التغييرات التي شهدها قطاع التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين لم تقتصر على مراجعات تربوية أو تحديثات للمناهج، بل جاءت -بحسب تلك الشهادات- ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل الوعي والهوية عبر المدرسة، وتعد هذه الإفادات من أبرز المؤشرات على أن التغيير استهدف البيئة التعليمية بأكملها، وليس محتوى الكتب المدرسية فحسب.
ويقول الدكتور عبد الله الحامدي، نائب وزير التربية والتعليم السابق في حكومة الحوثيين قبل انشقاقه عنها، إن الجماعة كانت تعمل على تعديل المناهج "بشكل هادئ"، وتعقد اجتماعات خاصة بعيدًا عن القيادات التي لا تتفق مع توجهاتها، محذرًا من أن هذه السياسات "تنذر بتفخيخ مستقبل الأجيال القادمة"، مضيفا أن التغييرات شملت إحلال عناصر موالية في مفاصل العملية التعليمية، إلى جانب إدخال تعديلات تدريجية على المقررات، وإخفائها أحيانًا عبر إصدار طبعات جديدة تحمل تواريخ قديمة، بما يصعّب ملاحظتها من قبل أولياء الأمور، مشيرا إلى توظيف الأنشطة الصفية واللاصفية، مثل الإذاعة المدرسية والدورات والرحلات، لترسيخ مضامين فكرية تتجاوز الأهداف التعليمية التقليدية، وهو ما يؤكده الصحفي همدان العليي بالقول إن التأثير امتد إلى المدارس الخاصة من خلال نشر الشعارات، وإخضاع بعض إدارات المدارس لدورات ثقافية.
وتنسجم هذه الشهادات مع تصريحات سابقة ليحيى الحوثي، وزير التربية في حكومة الجماعة، التي دعا فيها إلى تغيير العملية التعليمية وإعادة النظر في بعض الرموز التاريخية، بما يعكس توجهًا معلنًا لإعادة صياغة المرجعيات الفكرية والثقافية داخل المدرسة.
وتكشف تصريحات يحيى الحوثي الخلفية الفكرية التي استندت إليها عملية تعديل المناهج، فقد وصف المناهج السابقة بأنها "ضالة"، واعتبر أنها تحمل أفكارًا دخيلة على المجتمع اليمني، مدعيًا أنها امتداد لمرحلة المماليك وما رافقها من "تزوير للتاريخ الإسلامي"، كما اتهم الحكومات السابقة بإقحام روايات تاريخية ومفاهيم مذهبية لا تنسجم مع رؤيته، معلنًا ضرورة إعادة صياغة المناهج، بما يشمل تعديل مضامين التربية الإسلامية والتاريخ، وإعادة تقديم بعض الشخصيات والأحداث بما يعكس التصور الفكري الذي تتبناه الجماعة، وتمثل هذه التصريحات إعلانًا صريحًا عن الدوافع الأيديولوجية التي رافقت مشروع إعادة كتابة المناهج التعليمية.
المناهج كأداة للبقاء
ويذهب باحثون إلى أن التعديلات التعليمية لا يمكن قراءتها بمعزل عن إستراتيجية الجماعة في ترسيخ بقائها، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الجماعات ذات الطابع الطائفي غالبًا ما تمنح التعليم أولوية قصوى، لأنه الوسيلة الأقل تكلفة والأكثر تأثيرًا في إنتاج الولاء على المدى البعيد.
وفي الحالة اليمنية تبدو المناهج جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والسلطة، من خلال تقديم الجماعة باعتبارها المرجعية الدينية والسياسية والتاريخية، وربط شرعيتها بروايات تمتد إلى قرون سابقة، فالطالب الذي يتلقى هذه المضامين منذ سنواته الأولى -وفق الرؤية ذاتها- سيكون أكثر قابلية لتبنيها والدفاع عنها عندما يصبح جزءًا من المجتمع وسوق العمل ومؤسسات الدولة، كما أن التغييرات لم تقتصر على الكتب، بل شملت برامج إعداد المعلمين والدورات الثقافية والمواد الإثرائية والأنشطة المدرسية، وهو ما يوسع دائرة التأثير لتشمل البيئة التعليمية بأكملها.
ويؤكد تربويون أن التعليم في هذه الحالة يتحول من وسيلة لنقل المعرفة إلى أداة لإعادة إنتاج القناعات السياسية والأيديولوجية، مضيفين أن معركة المناهج لا تتعلق بالعام الدراسي الحالي أو القادم، وإنما بمستقبل اليمن خلال العقود المقبلة، لأن النتائج الحقيقية لهذه التغييرات لن تظهر دفعة واحدة، بل ستتجلى تدريجيًا مع دخول أجيال كاملة إلى الحياة العامة وهي تحمل تصورًا مختلفًا عن تاريخ البلاد وهويتها الوطنية.
التاريخ في قبضة المناهج.. حرب الحوثيين على الوعي والهوية الوطنية اليمنية
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news