بينما كانت الحكومة اليمنية تعيد رسم قواعد الاشتباك مع الحوثيين، وتستعد لمرحلة جديدة عنوانها استعادة زمام المبادرة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، اختار المجلس الانتقالي الجنوبي أن يفتح جبهة مختلفة. ففي توقيت بالغ الحساسية، أصدر رئيسه عيدروس الزبيدي، السبت 25 يوليو 2026، حزمة قرارات وصفت بأنها أكبر عملية إعادة هيكلة داخل المجلس منذ أشهر، في خطوة تتجاوز البعد التنظيمي، وتطرح تساؤلات حول أهدافها، ورسائلها، وعلاقتها بالمتغيرات المحلية والإقليمية، وما إذا كانت تمثل استعدادًا لمرحلة سياسية جديدة يعاد فيها رسم موازين القوى في اليمن.
وشملت القرارات إعادة تشكيل هيئة رئاسة المجلس، وإجراء تغييرات واسعة في الأمانة العامة والجمعية الوطنية والهيئات التنفيذية في عدد من المحافظات، بما يعكس اتساع نطاق إعادة الهيكلة داخل مختلف مستويات المجلس.
التوقيت يحمل رسائل سياسية
لا يمكن النظر إلى هذه القرارات بمعزل عن التطورات العسكرية والسياسية التي تشهدها اليمن منذ أسابيع؛ فقد جاءت في لحظة تصعيد غير مسبوقة منذ اتفاق الهدنة عام 2022، عقب اعتراض الحكومة اليمنية طائرة إيرانية انتهكت الأجواء اليمنية، ومنعها من الهبوط في مطار صنعاء عبر استهداف مدرجاته بسلاح الجو، قبل أن تحول مسارها إلى مطار الحديدة.
وأعقب ذلك حراك سياسي وعسكري واقتصادي واسع، شمل إعادة تفعيل سلاح الجو، ورفع الجاهزية العسكرية، والعمل على استئناف تصدير النفط، في محاولة لكسر معادلة الردع التي فرضها الحوثيون خلال السنوات الماضية.
في المقابل، جاءت تحركات المجلس الانتقالي في اتجاه مختلف؛ فبدلًا من الانخراط في أولويات الحكومة، بوصفه شريكًا رئيسيًا فيها، صعّد من مواقفه السياسية وتحركاته في المحافظات الجنوبية، عبر إعادة هيكلة مؤسساته، وتصعيد الاحتجاجات، ومواصلة الاعتراض على عدد من قرارات الحكومة، وفي مقدمتها استئناف تصدير النفط.
ويرى مراقبون أن هذا التزامن يعكس محاولة من المجلس لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة زمام المبادرة، مستفيدًا من انشغال الحكومة بمواجهة الحوثيين سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا. كما يذهب آخرون إلى أن هذه التحركات تؤدي عمليًا إلى إضعاف الحكومة في لحظة تواجه فيها أكبر تحدياتها، وهو ما يجعلها تتقاطع في نتائجها مع أهداف الحوثيين، حتى وإن اختلفت دوافع الطرفين.
وتبرز هذه المفارقة بصورة أوضح في الملف الاقتصادي، ففي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة إعادة تصدير النفط، باعتباره المصدر الرئيسي لإيراداتها بعد توقفه نتيجة هجمات الحوثيين على موانئ التصدير، يواصل المجلس الانتقالي معارضة هذه الخطوة، رغم أن استمرار توقف الصادرات كلّف الدولة أكثر من خمسة مليارات دولار وفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية.
إرباك الحكومة وتعزيز النفوذ
ولا تبدو التعيينات الأخيرة مجرد ملء لشواغر تنظيمية، بل تحمل، وفق قراءات سياسية، رسائل متعددة الاتجاهات؛ فمعظم الشخصيات التي جرى تصعيدها تُعد من المقربين من عيدروس الزُبيدي، ومن الشخصيات التي عُرفت خلال الفترة الماضية بمواقفها المتشددة تجاه الحكومة، وفي بعض الحالات تجاه السياسات السعودية، مع تمسكها بالتحالف الوثيق مع الإمارات.
ويرى مراقبون أن هذه التعيينات تمثل مكافأة لهذه الشخصيات، ورسالة تؤكد استمرار النهج السياسي للمجلس، وعدم وجود نية لإجراء مراجعات داخلية، كما يلفتون إلى أن بعض الأسماء المشمولة بالقرارات سبق أن صدرت بحقها إجراءات أو ملاحقات حكومية، ما يجعل إعادة تصعيدها تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب الإداري.
وبحسب هذه القراءة، فإن ما يجري ينسجم مع الاستراتيجية التي اتبعها المجلس الانتقالي منذ أحداث يناير الماضي، والقائمة على إبقاء الساحة الجنوبية في حالة استنزاف سياسي وأمني، بما يحد من قدرة الحكومة على تحقيق إنجازات ملموسة، ويؤدي إلى تعميق حالة السخط الشعبي، وهو ما يمنح المجلس فرصة لتصدر المشهد السياسي تحت عناوين الخدمات والرواتب، رغم كونه شريكًا في السلطة خلال السنوات الماضية.
كما يرى مراقبون أن هذه التحركات تستهدف الحد من جهود الحكومة والسعودية في بناء توافقات سياسية داخل المحافظات الجنوبية، عبر اللجان التحضيرية للمجلس التنسيقي الأعلى، التي أُنشئت لترتيب مشاركة مختلف المحافظات في مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، والذي وافقت الرياض على استضافته.
وفي هذا السياق، اكتسب إعلان نائب رئيس المجلس الانتقالي، أحمد سعيد بن بريك، تعليق عضويته في اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي الأعلى بحضرموت، دلالة سياسية خاصة، حيث تمثل رفضًا للترتيبات التي تقودها السلطة المحلية والحكومة لإدارة الملف الحضرمي.
رهانات المرحلة الإقليمية المقبلة
إقليميًا، جاءت هذه التطورات بعد أيام من مؤشرات على تحسّن العلاقات السعودية الإماراتية، عقب أشهر من التوتر المرتبط بالملف اليمني. وكان من المتوقع أن ينعكس هذا التقارب على تهدئة مواقف حلفاء البلدين داخل اليمن، إلا أن تحركات المجلس الانتقالي جاءت في الاتجاه المعاكس.
ولم تقتصر خطوات المجلس على إصدار قرارات إعادة الهيكلة، إذ أعلن المجلس الانتقالي أن رئيسه عيدروس الزبيدي عقد يوم الاثنين 27 يوليو، عبر تقنية الاتصال المرئي، اجتماعًا مع القيادات التي شملتها التعيينات الأخيرة، في أول تحرك تنظيمي عقب صدور القرارات. ويرى بعض المراقبين أن توقيت الاجتماع وطريقة انعقاده يحملان دلالات سياسية تتجاوز البعد الإداري، لاسيما أنه جاء في وقت تشير فيه تقارير إلى وجود الزبيدي خارج اليمن، وتحديدًا في الإمارات، وهو ما أعاد طرح التساؤلات حول الرسائل التي أراد المجلس توجيهها من خلال هذا التحرك، ومدى ارتباطه بالتحولات الإقليمية الجارية.
كما ترافقت هذه الخطوات مع مؤشرات أخرى على إعادة تنشيط البنية التنظيمية والإعلامية للمجلس، إذ أعادت بعض الشخصيات القيادية إبراز صفاتها التنظيمية في حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي بعد فترة من تراجع استخدامها، من بينها راجح باكريت، فيما صدر البيان الأخير لأحمد سعيد بن بريك موقعًا بصفته نائبًا لرئيس المجلس الانتقالي، وهو ما يراه بعض المراقبين جزءًا من عملية إعادة تقديم المجلس وقياداته بصورة أكثر تماسكًا استعدادًا للمرحلة المقبلة.
ويرى بعض المحللين أن المجلس يسعى إلى استباق أي تفاهمات إقليمية عبر تعزيز حضوره السياسي والتنظيمي، وفرض نفسه لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مقبلة. كما يذهب آخرون إلى أن ظهور الزبيدي في هذا التوقيت لإدارة اجتماع مع القيادات الجديدة يعكس، وفق هذه القراءة، أن عملية إعادة الهيكلة تمضي ضمن هامش حركة تسمح به البيئة الإقليمية، أكثر من كونها مجرد ترتيبات تنظيمية داخلية. بينما لا يستبعد آخرون أن تكون أبوظبي قد منحت المجلس هامشًا أوسع للحركة لتعزيز أوراقه السياسية، مع الحفاظ على مسافة تتيح لها إدارة تقاربها مع الرياض دون الظهور كطرف مباشر في هذه التحركات.
ويرى بعض المحللين أن المجلس يسعى إلى استباق أي تفاهمات إقليمية عبر تعزيز حضوره السياسي والتنظيمي، وفرض نفسه لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مقبلة. بينما لا يستبعد آخرون أن تكون أبوظبي قد منحت المجلس هامشًا أوسع للحركة لتعزيز أوراقه السياسية، مع الحفاظ على مسافة تتيح لها إدارة تقاربها مع الرياض دون الظهور كطرف مباشر في هذه التحركات.
في المقابل، يقدم الباحث السياسي الدكتور مصطفى الجبزي قراءة مختلفة، إذ يرى أن قرارات الزبيدي تمثل محاولة لإعادة إثبات حضور المجلس سياسيًا وإعلاميًا، أكثر من كونها قادرة على إحداث تغيير فعلي في موازين القوى أو في مسار الأحداث. ويضيف أن اختيار شخصيات موجودة خارج اليمن يوحي بأن المجلس يستعد لإعادة تنشيط حضوره الخارجي، وإعادة تموضعه سياسيًا قبل مرحلة قد تشهد إعادة رسم للتوازنات داخل اليمن.
خاتمة
في المحصلة، لا تبدو قرارات الزبيدي مجرد إعادة هيكلة تنظيمية أو تغييرات إدارية داخل المجلس الانتقالي، بل تعكس، وفق العديد من القراءات، محاولة لإعادة التموضع سياسيًا في مرحلة تشهد تحولات داخلية وإقليمية متسارعة. فالمجلس يسعى، على ما يبدو، إلى تعزيز تماسكه الداخلي، وإعادة توزيع مراكز النفوذ، ورفع جاهزيته لأي استحقاقات سياسية قادمة، بالتوازي مع تصاعد المواجهة بين الحكومة والحوثيين، وتنامي الحديث عن إعادة ترتيب المشهد اليمني.
وفي الوقت نفسه، تثير هذه الخطوات تساؤلات أوسع حول مدى انعكاس التقارب السعودي الإماراتي على سلوك حلفائهما داخل اليمن، وما إذا كان سيقود إلى تهدئة الخلافات، أم إلى إعادة توزيع الأدوار بما يضمن لكل طرف تعزيز موقعه قبل الدخول في أي تسوية سياسية.
وبينما يرى فريق من المراقبين أن ما يجري يمثل تصعيدًا محسوبًا يهدف إلى فرض المجلس الانتقالي لاعبًا لا يمكن تجاوزه في المرحلة المقبلة، يذهب آخرون إلى أنه لا يتجاوز كونه محاولة لإثبات الحضور وإعادة لفت الأنظار، دون أن يترجم بالضرورة إلى تغيير حقيقي في موازين القوى.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news