يُعد خطاب المظلومية من أكثر الأدوات حضورًا في أدبيات الحركات الأيديولوجية والتنظيمات المسلحة، إذ يوفر إطارًا نفسيًا وسياسيًا يسمح بتعبئة أنصارها، واستقطاب المتعاطفين معها، وإضفاء المشروعية على مختلف التحركات، سواء كانت دفاعية أو هجومية، ويقوم هذا الخطاب على تصوير المليشيا باعتبارها ضحية دائمة لمؤامرات خارجية أو لظلم داخلي، بما يجعل أي تحرك تقوم به يبدو وكأنه رد فعل اضطراري وليس خيارًا سياسيًا أو عسكريًا.
وفي الحالة اليمنية برز هذا الخطاب بوضوح في المسار الذي سلكته مليشيا الحوثي منذ بداياتها في محافظة صعدة، حيث ارتبطت كل مرحلة من مراحل توسعها برواية جديدة للمظلومية تتناسب مع طبيعة الخصم والهدف المعلن.
فبينما كان الحديث في البداية يدور حول مواجهة ما وُصف بعدوان الدولة، تغيرت اللغة لاحقًا لتتحدث عن مقاومة مراكز النفوذ القبلية، ثم عن تصحيح الأوضاع في عمران، ثم عن إسقاط منظومة الفساد في صنعاء، وصولًا إلى تقديم التحركات الإقليمية في البحر الأحمر باعتبارها جزءًا من نصرة القضية الفلسطينية.
ويكشف تتبع هذا المسار أن خطاب المظلومية لم يكن ثابتًا في مضمونه، بل ظل يتبدل بتبدل المرحلة السياسية والعسكرية، في حين بقيت وظيفته الأساسية واحدة، وهي توفير غطاء تعبوي يبرر الانتقال من ساحة إلى أخرى، ويعيد إنتاج التأييد الشعبي وفق سردية تتغير عناوينها بينما يحتفظ جوهرها بالهدف ذاته.
بذور النشأة والحروب الست
وقد بدأت الملامح الأولى لهذا الخطاب بالتشكل في جبال صعدة شمالي اليمن مع أواخر تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، من خلال المنتديات الطائفية والمراكز الصيفية، التي كان يقيمها ما يسمى بالشباب المؤمن، النواة الأولى للمليشيا الحوثية، قبل أن تتحول إلى مواجهة مسلحة مفتوحة مع الدولة عام 2004.
ففي هذه المرحلة التأسيسية، صيغ خطاب المظلومية حول مركزية مظلومية "المستضعفين" الذين يتعرضون لاستهداف عقائدي وسياسي من قبل السلطة المركزية في صنعاء.
وعندما اندلعت جولات الحرب الست (2004–2010)، اعتمدت المليشيا شعاراً محورياً يتلخص في "الدفاع عن النفس ومواجهة عدوان الدولة"، تم تقديم كل جولة من جولات الصراع على أنها هجوم غير مبرر شنته أجهزة السلطة الغاشمة لتركيع شريحة مجتمعية تعبر عن مظلوميتها بالسلم والشعار.
وقد ركزت خُطب القادة وأدبياتهم المكتوبة في تلك الفترة بأسلوب عاطفي مكثف على صور الضحايا من الأطفال والنساء، والبيوت المدمرة، ودعاوى التهميش التاريخي والجغرافي لمحافظة صعدة، حيث أدى هذا التكثيف العاطفي وظيفتين إستراتيجيتين في غاية الخطورة، الأولى تجنيد الشباب الغاضبين والمجروحين بفعل آلات الحرب وتوجيههم نحو جبهات القتال بدافع الثأر وحماية النفس، والثانية هي تحييد بعض الأطراف الوطنية والإقليمية عبر إظهار الصراع كأنه حرب إبادة تشنها دولة مدججة بالسلاح ضد فئة عزلاء تُحاصر في جبالها.
وفي الوقت الذي كان الخطاب الإعلامي يصرخ بمرارة المظلومية ويكرر لغة الاستضعاف، كانت البنية التنظيمية والعسكرية للمليشيا الحوثية تتوسع وتتصلب، مستفيدة من أخطاء إدارة السلطة آنذاك للصراع والتكتيكات العسكرية المتقطعة، ليصبح خطاب المظلومية في هذه المرحلة هو الغطاء الحاسم لتثبيت أقدام المليشيا وتشييد نواتها الصلبة.
ضرب القبائل بلبوس العدل
ومع خروج المليشيا من شرنقة صعدة عقب أحداث عام 2011 واستغلال الانقسام السياسي والأمني الذي أصاب مؤسسات الدولة، انتقلت المليشيا إلى مرحلة التمدد الجغرافي نحو حاشد والمناطق المجاورة، وهنا برزت الحاجة الإستراتيجية لتغيير نبرة خطاب المظلومية وتكييفه ليلائم طبيعة الخصم الجديد "القبيلة وزعاماتها التاريخية".
في هذه المرحلة لم يعد الخطاب يتحدث عن عدوان الدولة، بل أعيد إنتاجه ليمس العصب الاجتماعي والقبلي للجمهور واسع النطاق، حيث رُكّز الاستهداف الإعلامي والشعبي على عائلة "بيت الأحمر" وتحديدا رمزية شيخ مشايخ حاشد، وتم تقديم المعركة على أنها ليست رغبة في التوسع أو الهيمنة، بل هي "ثورة للمظلومين والمستضعفين ضد مراكز النفوذ والإقطاع القبلي، التي أذلت الشعب طيلة العقود الماضية" وفقا للخطاب الذي أطلقته المليشيا.
واستطاعت مليشيا الحوثي عبر هذا الخطاب التسلل إلى الوعي الجمعي لأبناء القبائل الذين كان لبعضهم عداء مع رموز بيت الأحمر أو خلافات محلية تراكمت عبر سنوات ماضية، فقد صيغت الرواية الإعلامية كرسالة موجهة للقبائل الأخرى تشعرها بأن المليشيا إنما هي "مُنقذ" جاء لكسر شوكة الطغيان القبلي وإعادة الاعتبار للقبائل المقهورة.
كما أدّت هذه التكتيكات إلى تحييد قطاعات واسعة من قبيلة حاشد نفسها، بل ودفعت بعض بطونها للقتال في صفوف المليشيا أو فتحت أراضيها لمرور مسلحيها.
وقد أثبت خطاب "المظلومية ضد بيت الأحمر" فاعلية فائقة في تفكيك الكتلة القبلية الصلبة التي كانت تشكل حائط الصد التاريخي للعاصمة؛ حيث وقف الجميع يتفرجون على تهاوي معاقل آل الأحمر في "خمر" و"حوث"، ظناً منهم أن المعركة محصورة في تصفية حسابات بين طرفين، دون إدراك أن إسقاط الرمزية القبلية كان مجرد محطة لتفكيك كل البنى الاجتماعية التي قد تقف أمام المشروع مستقبلاً.
غطاء تكتيكي
وعقب الفراغ من حسم المعركة القبلية، كانت محافظة عمران هي العقبة العسكرية الأخيرة والأهم قبل الوصول إلى أبواب العاصمة صنعاء، ففي هذه المحطة الحاسمة في العام 2014، تم تحوير خطاب المظلومية مرة أخرى، ليأخذ لبوساً إدارياً ومطلبياً ذا بعد محلي، يُغري رجل الشارع العادي ويُعفي المليشيا من شبهة السعي لإسقاط الدولة.
وقد تركز الخطاب الحوثي في عمران حول مطالب محددة صُممت بعناية لتغليف الرغبة في اجتياح المحافظة، أهمها تغيير المحافظ بتهمة الفساد والانحياز الحزبي، وإخراج معسكر اللواء 310 مدرع، ومحاكمة قائده العميد حميد القشيبي، بتهمة أنه يمثل "لواءً حزبياً" يمارس القمع والاضطهاد ضد المواطنين، ويخدم أجندات طرف سياسي محدد، واستُخدمت أدبيات المظلومية هنا لإقناع المواطنين ونخب سياسية وقيادات عسكرية في صنعاء بأن المعركة ليست ضد الجيش الوطني ككل، بل هي "احتجاج شعبي ومظلومية محلية ضد (محافظ فاسد) و(قائد متطرف)"، حيث سُيّرت المسيرات الشعبية والمسلحة رفعاً لهذه المطالب، وتم التركيز على أن أبناء عمران يتعرضون للقصف والتنكيل من قبل هذا اللواء.
هذا التقطير المدروس للصراع أسهم في إيجاد حالة من التضليل السياسي والإعلامي المركب، فقد التبست الصورة لدى بعض القوى السياسية التي تعاملت مع الأحداث عبر اللجان الرئاسية والمفاوضات العقيمة، كما عُزل اللواء 310 والقائد القشيبي سياسياً وميدانياً، وحُيّدت المؤسسة العسكرية المركزية عن التدخل لحماية أحد أهم ألويتها، ناهيك عن سقوط عمران، وقتل القشيبي، والسيطرة على العتاد العسكري الممتد للواء، ليتكشف بعد ذلك أن "مظلومية عمران" لم تكن إلا غطاءً تكتيكياً لإزالة الخط الدفاعي الأول عن صنعاء وتعبيد الطريق نحو نقطة اللاعودة.
تفتيت الخصوم تحت شعار العدالة الاجتماعية
وصلت المليشيا إلى مشارف العاصمة صنعاء في العام 2014، حاملة معها تركة من الأدبيات التي أثبتت نجاحها في المحطات السابقة، إلا أن دخول العاصمة المكتظة بالتنوع السياسي والاجتماعي تطلب خطاباً أوسع نطاقاً وأكثر قدرة على دغدغة مشاعر العامة الذين لا يعنيهم الصراع الأيديولوجي بقدر ما تدغدغهم لقمة العيش، وهنا شهد خطاب المظلومية تحولاً دراماتيكياً، حيث جرى تحويل البؤرة من "مظلومية المذهب" أو "مظلومية صعدة وعمران" إلى (مظلومية الشعب اليمني المقهور من الفساد والجرعة السعرية)، فقد أقامت المليشيا مخيمات الاعتصام على مداخل العاصمة وفي ساحاتها المطالبة بإسقاط الحكومات وإلغاء قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية، مستغلة حالة الغضب الشعبي العارم جراء الانهيار الاقتصادي.
وتوازيا مع هذا الخطاب الاقتصادي الجماهيري، صيغ خطاب تكتيكي آخر استهدف تفتيت الكتلة الحاكمة والقوى العسكرية والأمنية داخل العاصمة، فقد تم توجيه السهام الإعلامية والميدانية بتركيز شديد نحو ثلاثية محددة هي حزب التجمع اليمني للإصلاح، والفرقة الأولى مدرع بقيادة علي محسن الأحمر، وجامعة الإيمان برمزيتها الدينية، حيث صُوّرت المعركة على أنها "تطهير للبلاد من قوى الإرهاب والتطرف التكفيري" ومكافحة مراكز النفوذ التي احتكرت السلطة منذ عقود، وفق توصيف المليشيا.
نجح هذا التكتيك الإعلامي في إحداث حالة من الشلل والحياد لدى بعض الأطراف السياسية، بل حتى بعض قيادات الأجهزة الأمنية، إذ اعتقدت تلك الأطراف أن المليشيا جاءت لتصفية حساباتها مع خصم أيديولوجي وسياسي محدد، وتحقيق مطالب اقتصادية مشروعة للجميع.
تحت هذا الستار الفضفاض من "المظلومية الاقتصادية والسياسية"، تم اقتحام مؤسسات الدولة، ومحاصرة المقرات السيادية، واستكمال السيطرة على المقرات العسكرية والاستيلاء على العتاد، ليصحو الجميع على واقع سياسي جديد ألغى التعددية، والتمس المسار الذي قاد لاحقاً إلى السيطرة الكاملة على الدولة والتمدد نحو بقية المحافظات.
عولمة المظلومية
ولم يقف توظيف خطاب المظلومية عند الحدود الجغرافية لليمن، بل سعى لاستغلال المستجدات الإقليمية ورافعات الاستقطاب الكبرى في المنطقة، فمع اندلاع أحداث "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023 والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وجدت المليشيا في "مظلومية الشعب الفلسطيني" القضية الجامعة التي تختزل كل المظلوميات العربية والإسلامية وتتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، فرصة سانحة لاستثمارها وتوظيفها لتمرير خطاباتها، وتسويق مشروعها محليا وعالميا، وسارعت إلى التقاط هذا الزخم الفكري والعاطفي، فنقلت خطاب التعبئة من نطاقه المحلي والإقليمي الضيق إلى مسرح الصراع الدولي والإقليمي، فقد أعلنت دخولها خط المواجهة المباشرة مدعية الدفاع عن غزة ونصرة لمظلومية أهلها المحاصرين، وانتقلت من القصف بالصواريخ والمسيرات نحو الأراضي المحتلة إلى فرض معادلة عسكرية جديدة في المنطقة المائية الحيوية، تمثلت في استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إليها، وإغلاق حركة الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
وقد شكلت هذه الخطوة ذروة التوظيف الإستراتيجي لخطاب المظلومية، فالقتال تحت راية مظلومية غزة أتاح للمليشيا الحوثية مكاسب تعبوية وسياسية لم تتمكن من تحقيقها محلياً، فعلى المستوى المحلي استطاعت المليشيا -إلى حد ما- تحييد الأصوات الناقدة أو المطالبة بالحقوق والرواتب والخدمات، إذ أُعيد إنتاج الخطاب بحيث تصبح أي معارضة داخلية بمثابة "خدمة للعدوان الصهيوني والأمريكي" وتشكيك في معركة الأمة الفاصلة.
أما على المستوى العربي والإقليمي فقد اكتسبت المليشيا تعاطفاً وتأييدا لدى قطاعات من الشارع العربي والإسلامي الذي يرى في القوة والتحرك المباشر دعماً واجباً لفلسطين، بغض النظر عن خفايا الصراع المحلي اليمني، ومعرفة خلفياته وتفاصيله.
شماعة الحصار والرواتب
ومع تراجع حدة المواجهات العسكرية المباشرة في الجبهات الداخلية عقب الهدنة الأُممية وتجميد خطوط القتال، واجهت المليشيا استحقاقاً داخلياً عسيراً تمثل في تزايد الاحتقان الشعبي والمطالبة بالحقوق الأساسية وفي مقدمتها رواتب الموظفين المدنيين، والخدمات شبه المنعدمة، وهنا أُعيد تدوير وتكييف "خطاب المظلومية" ليتخذ شكلاً جديداً يهدف إلى امتصاص الغضب العام وتحويله من صدور سلطة الأمر الواقع في صنعاء نحو خصومها الخارجيين، فقد رُكّز الاستهداف الإعلامي في هذه المرحلة على شعار "الحصار الشامل والعدوان الاقتصادي"، وتصوير القطاع الاقتصادي كاملاً كأنما يقع تحت مقصلة حرب تجويع متعمدة تشنها الأطراف الدولية والإقليمية، إذ صيغت الرواية الحوثية لتُحمّل التحالف العربي والحكومة المعترف بها دولياً المسؤولية الحصرية عن توقف صرف الرواتب، وتدهور العملة المحلية، وغلاء المعيشة، وانهيار الوضع الاقتصادي، وهو ما بدا واضحا عبر خطاب زعيم المليشيا الحوثية الأخير، الذي حمّل فيه الحكومة والتحالف مسؤولية تدهور الوضع المعيشي للمواطنين، والذي وصل البعض فيه إلى حد الأكل من القمامة وأكل أوراق الشجر على حد قول زعيم المليشيا الحوثية، مع إغفال تام لإيرادات الموانئ والمؤسسات الإيرادية الضخمة التي تجبيها المليشيا.
خطاب المظلومية هذا تحول إلى أداة ابتزاز سياسي في مفاوضات السلام، إذ رُبط أي تقدم في الملف السياسي أو الأمني بتلبية شروط الملف الاقتصادي والإنساني وفق الرؤية الحوثية، حيث أتاح هذا التكتيك للمليشيا إنجاز غايتين أساسيتين هما إرهاب الشارع وصرف ذهن المواطن المقهور عن المطالبة بالرواتب، وتصوير كل احتجاج نقابي أو مدني على أنه "طابور خامس" يتماهى مع مخططات "الحصار والعدوان" ويطعن المظلومين في ظهورهم، بالإضافة إلى استدرار عطف المنظمات الدولية والهيئات الإنسانية، واستغلال ورقة "المعاناة الإنسانية" للضغط نحو رفع القيود عن موانئ الحديدة ومطار صنعاء دون تقديم تنازلات حقيقية في ملف الحريات أو بناء السلام.
المظلومية الدينية والهوية الإيمانية
ولم تقتصر هندسة المظلومية على الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل نُسجت بعناية في العمق الثقافي والاجتماعي عبر ما يُسمى بـ"مظلومية الهوية الإيمانية"، فقد أُعيد إنتاج رواية الصراع على أنها ليست معركة سلطة أو نفوذ سياسي، بل هي حرب استهداف عقائدي وثقافي شامل تتزعمه أمريكا وإسرائيل، لمسخ قيم المجتمع اليمني المسلم، حيث تُقدّم المليشيا نفسها كـ"حارس أمين" وخط دفاع أخير لحماية الدين والأخلاق والأسرة من "الغزو الفكري" و"الحرب الناعمة" والتفسخ الأخلاقي القادم من الغرب.
وتُساق المظلومية هنا بشعور بالتهديد الوجودي، بمبرر أن عدم الالتفاف حول قيادات المليشيا وعدم الالتحاق بالمراكز الصيفية والدورات الثقافية، فإن الدين والهوية اليمنية ستندثر تحت وطأة التغريب.
ويرى الكاتب والباحث اليمني الدكتور محمد جميح أن مليشيا الحوثي اعتمدت منذ بداياتها على خطاب المظلومية باعتباره أحد أهم أدوات الحشد والتعبئة السياسية، مستفيدة من تداخل مظلوميتين؛ الأولى معاصرة ترتبط بمعاناة بعض المناطق اليمنية من التهميش والإفقار، والثانية تاريخية تقوم على استحضار سردية "حق أهل البيت" في الحكم.
ويشير إلى أن هذا الخطاب مكّن المليشيا من استقطاب شرائح مختلفة، رغم أن قياداتها، بحسب جميح، لم تكن تعيش حالة التهميش التي روّجت لها، مضيفا أن المليشيا طورت خطابها مع متغيرات المشهد السياسي، فانتقلت من الحديث عن "المظلومية السلالية" إلى تبني "المظلومية الشعبية" بالتزامن مع احتجاجات عام 2011، بما أتاح لها الاندماج في الحراك الشعبي، وكسب مزيد من التعاطف.
وفي المقابل يلفت جميح إلى أنها استغلت حالة الاضطراب السياسي لتوسيع نفوذها الميداني، قبل أن تشارك في مؤتمر الحوار الوطني وهي تحتفظ بسلاحها، ثم تواصل تقدمها العسكري من دماج إلى عمران، وصولًا إلى صنعاء في سبتمبر 2014، في مسار يراه تجسيدًا لاستخدام خطاب المظلومية كغطاء سياسي وإعلامي للتوسع على الأرض.
وقد أسهم هذا التجييش والشحن الطائفي تحت هذه اللافتات في تحقيق اختراق ناعم وعميق داخل البنية الاجتماعية، لشرعنة التعبئة العقائدية، لتصبح المناهج الدراسية، والمساجد، والأنشطة الصيفية ساحات مفتوحة للتجييش واحتكار مفهوم "الإيمان"، وتخوين أو تكفير أي مظاهر ثقافية أو اجتماعية لا تتوافق مع القوالب الفكرية للمليشيا، إضافة إلى إيجاد دافعية للقتال تتجاوز الحسابات المادية، حيث يُدفع بالمقاتلين نحو الجبهات ليس دفاعاً عن مشروع سياسي فحسب، بل بوصف ذلك بأنه "جهاد في سبيل الله لحماية الهوية والمقدسات من الضياع"، بحسب أدبيات المليشيا الحوثية، مما يضمن لها خزاناً بشرياً متجدداً يُغذَّى باستمرار بِرافد "المظلومية الثقافية والدينية".
من الحروب الست إلى تهديد باب المندب.. كيف وظف الحوثيون خطاب المظلومية لتمرير مشروعهم؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news