هل دخلت السعودية مرحلة الرد العسكري المباشر على هجمات الحوثيين في البحر الأحمر؟ وكيف يمكن أن يتعامل الحوثيون مع هذا الرد؟ وهل نحن أمام تصعيد محدود، أم بداية مرحلة جديدة ترتبط بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران؟
في هذا التحليل، نحاول قراءة ما وراء الرد السعودي، وتفكيك حدود التصعيد المتبادل مع الحوثيين، واستشراف مساراته المحتملة، وعلاقته بالصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاساته على أمن البحر الأحمر والمنطقة.
لنبدأ بالبيان السعودي، حيث أكد المتحدث باسم التحالف العربي أن الضربة جاءت رداً على الهجوم الحوثي، وأنها نُفذت وفق مبدأ التناسب والأهداف العملياتية، مشدداً على أنها استهدفت أهدافاً عسكرية فقط، ونفى استهداف ميناء الحديدة، مؤكداً أن الميناء لا يزال يعمل بصورة طبيعية.
في تقديري، هذا الرد ينسجم مع السيناريو الذي كنت قد طرحته سابقاً، عندما قلت إن أي استهداف حوثي للسفن السعودية سيقابله رد على مصادر النيران، مع بقاء هذا الرد محكوماً بقواعد الاشتباك التي تشكّلت منذ هدنة عام 2022، وهو ما يبدو أنه حدث بالفعل.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا حرصت السعودية على نفي استهداف ميناء الحديدة؟
علينا أولاً أن نقرّ بأننا لا نملك حتى الآن مصدراً مستقلاً يؤكد ما جرى على الأرض، لذلك تبقى الروايات المتداولة بحاجة إلى التحقق.
إذا أخذنا بالرواية السعودية، فإن هذا النفي يبدو محاولة واضحة لنزع أي ذريعة قد يستخدمها الحوثيون لتوسيع دائرة التصعيد، خصوصاً ضد الموانئ السعودية.
في المقابل، يقول الحوثيون إن القصف طال ميناء الحديدة ومنشآت مدنية، وهي رواية لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة حتى الآن.
الآن، يبقى السؤال: كيف سيرد الحوثيون؟
السيناريو الأول أن يواصلوا استهداف السفن السعودية، وعندها سيبقى الرد السعودي في الإطار نفسه، أي ضرب مصادر إطلاق النار، دون توسيع نطاق المواجهة.
أما السيناريو الثاني، وهو الأقل ترجيحاُ من وجهة نظري، فهو أن ينتقل الحوثيون إلى استهداف ميناء سعودي أو منشأة نفطية وإذا حدث ذلك، فإن التصعيد سيدخل مرحلة أكثر خطورة، وقد تتغير قواعد الاشتباك بالكامل.
حتى الآن، يبدو أن السعودية تتعامل مع الأزمة بحذر شديد؛ فهي تدرك أن أحد أهداف التصعيد قد يكون جرها، ومعها بقية دول الخليج، إلى مواجهة إقليمية طويلة تستنزف مواردها، وهو سيناريو لا تبدو الرياض راغبة في الانخراط فيه.
لذلك تحاول المملكة، في تقديري، تحقيق توازن بين حماية مصالحها والرد على الهجمات، وبين تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة، مع استمرار الرهان على الجهود الدبلوماسية، وخاصة تلك التي تقودها سلطنة عُمان.
لكن هناك عامل آخر قد يغير المشهد بالكامل، وهو طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
فإذا شهدت العلاقة بين الطرفين تصعيداً جديداً، بالتزامن مع استمرار هجمات الحوثيين على السفن المرتبطة بالسعودية أو بإمدادات النفط، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارات عسكرية أوسع، وهو ما سينعكس مباشرة على مسار الأزمة في البحر الأحمر واليمن.
وفي هذه الحالة، قد تشجع إيران الحوثيين على توسيع عملياتهم ضد الملاحة الدولية، بما يرفع مستوى التصعيد إلى مرحلة مختلفة تماماً.
الخلاصة أن السعودية، حتى الآن، تبدو حريصة على إبقاء الرد ضمن سقف يمنع تحول الأزمة إلى حرب إقليمية مفتوحة. لكن مستقبل هذا التصعيد لن يتحدد فقط بما يفعله الحوثيون، بل أيضاً بمسار المواجهة بين واشنطن وطهران، لأنها تبقى العامل الأكثر تأثيراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news